اتخذت القمة الخليجية الأخيرة في العاصمة البحرينية, واحداً من أهم القرارات ــ التي ستعزز من رسوخ اقدام المارد الاقتصادي القادم ــ وهو الاتفاق على مثبت مشترك لعملائها, والذي سيفتح الطريق نحو تحقيق الحلم الخليجي بالوحدة النقدية التي تعني عملة واحدة وبنكاً مركزياً واحداً وسياسة نقدية واحدة, انه الأمل الذي يراود القادة السياسيين والمواطنين الخليجيين منذ أمد طويل, وها قد جاء موعد تحقيق الحلم. كل المؤشرات الاقتصادية تشير إلى ان دول المجلس اذا ما اندمجت فانها سوف تشكل كياناً اقتصادياً وسياسياً يقلب الكثير من المفاهيم المتعارف عليها اقليميا وعالميا. فآخر الاحصائيات تشير إلى ان الإيرادات السنوية لأعضاء المجلس كالتالي: السعودية 50 مليار دولار أمريكي, الإمارات 4 .14 مليار دولار, عمان 7 .5 مليارات دولار, البحرين 5 .1 مليار دولار, هذا الحجم الاقتصادي يشكل حوالي نصف حجم اقتصاد العالم العربي اضافة إلى ان اغلب الدول الخليجية أعضاء فاعلين في أكبر وأهم منظمة دولية وهي منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك). تجدر الاشارة إلى ان ما تم الاتفاق عليه في المنامة بشأن مثبت العملات ليس أمرا جديدا, وانما هو استكمال وتفصيل لما تم التوقيع عليه سابقا من خلال الاتفاقية الاقتصادية وخاصة المادة (22) التي تنص على زيادة التعاون بين مؤسسات النقد والبنوك بما في ذلك العمل على توحيد العملة. اذن الفكرة ليست جديدة ولكن تفعيلها في هذا الوقت بالتحديد غاية في الأهمية للمضي قدما نحو ترسيخ كيان المجلس. فقد أدرك القادة الخليجيون ان العصر الذي نعيشه هو عصر التكتلات الاقتصادية والكيانات العملاقة, وانه لا يمكن ان ينتقل المواطن الخليجي ورأس المال الخليجي وتكون لدينا سوق مشتركة, وقوة تفاوضية دولية الا عبر بوابة الوحدة النقدية فهي البداية الحقيقية للوحدة الشاملة. لقد قال السياسيون كلمتهم والان الكرة في ملعب الجهات التنفيذية التي عليها ترجمت الامال إلى واقع ملموس. ان توحيد العملة ليس بتلك الصعوبة التي قد يتصورها البعض, فنحن في دول الخليج تاريخنا مشترك, هياكلنا الاقتصادية متشابهة, بيئتنا الاجتماعية والعقائدية واحدة, مناخنا النفسي واحد. كل هذه عوامل اكثر من مساعدة في نجاح وحدتنا. اضافة إلى اننا مررنا بتجارب وحدوية نقدية في السابق. وجيل ما قبل الاتحاد يتذكر ريال قطر ودبي تلك العملة التي كانت تتداول في كل من قطر وامارة دبي, كما كان الدينار البحريني العملة الرئيسية لامارة أبوظبي في ذلك الوقت وكذلك الريال السعودي الذي كان شائع الاستعمال في امارات ما قبل الاستقلال. وفي الوقت الحاضر نجد العملات الخليجية مقبولة في كل دول المجلس دون الحاجة إلى تبديلها في محلات الصرافة, ففي أي محل تجاري يمكن ان تتداول هذه العملات وكأنها عملات محلية, اذن اصدار العملة الخليجية لا يحتاج الا إلى تضافر جهود الجهات صاحبة الاختصاص. ولنأخذ من تجربة الوحدة النقدية الأوروبية مثالا نحتذى به رغم ان عوامل نجاح وحدتنا أكثر رسوخا وصلابة. وأخيراً نقول للمشكلين والحاقدين, الذين ما انفكوا يرددون: لقد مضت عشرون عاما على قيام المجلس فما الذي تحقق؟ نقول لهؤلاء انه لا شىء يحدث بين ليلة وضحاها, فعشرون عاما ليست شيئا في عمر الشعوب وان الأهم الانجازات التي تحققت هي وضع بذرة الوحدة, فهذه النبتة مازالت تنبض بالحياة وكل ما تحتاجه منا المحافظة عليها بالرعاية والصبر عن طريق العمل الجاد المخلص, وستذكر الاجيال القادمة لقادتنا هذا الزرع الطيب الذي لابد ان تتفتح وروده يوما ما وينتشر عبيرها على ضفاف خليجنا المعطاء حاملا معه الرخاء والحياة الهانئة. محمد سالم المشرخ عضو مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة الشارقة