تتلخص مشاكل العالم اليوم بأربع: الحروب والطاقة والتنمية وتلوث البيئة. ولا يمكن عزل النفط عن أي منها. ان الاهتمام الدولي المتزايد لهذه السلعة ليس غريبا لدرجة انها لم تعد سلعة اقتصادية او استراتيجية وحسب بل بمثابة عامل من عوامل الانتاج. وفي كل مرة يرتفع سعر هذه السلعة فإن ضجيجاً اعلاميا واسعا وحملات دعائية مغرضة تثيرها الشركات النفطية الكبرى ومن ورائها دولها ضد اوبك عامة والاعضاء العرب فيها خاصة. واليوم يطالب الغرب بسعر لا يتعدى الـ 25 دولارا للبرميل. وهو في الحقيقة اقل من السعر العادل بكثير. التقويم التاريخي انه يندر ان تحدد سعر هذه السلعة بالعوامل الاقتصادية خاصة في نصف الكرة الشرقي. ومنذ بدايات القرن الماضي وقت اكتشاف النفط في الخليج العربي. فإن الشركات الاحتكارية النفطية العاملة اظهرت انانية مطلقة تجاه الدول المضيفة. حيث عمدت إلى تسعير النفط باسعار افتراضية لا علاقة لها بالمنطق الاقتصادي واعطت تسميات مختلفة لذلك مثل السعر المعلن والارشادي. وتحت ظروف التكامل العمودي لصناعة النفط وسيطرة هذه الشركات عليها من البداية للنهاية فإن هذه الاسعار للخام تغدو مجرد اسعار صورية لاغراض حسابية فقط. وبالطبع كان من مصلحة الشركات ان تضع هذه الاسعار في اصغر رقم ممكن لان ارباحها تظهر في العمليات اللاحقة للانتاج: النقل والتصفية والتسويق.. الخ. ومع اندلاع حرب اكتوبر 1973 وتخفيض الصادرات النفطية العربية تدريجيا وحظرها على أمريكا وهولندا كلياً (لأنهما كانتا من الدول المؤيدة للعدوان قاد كل ذلك إلى انعتاق هذه السلعة من قمقمها, وبدأ سعرها يتحدد ولاول مرة في التاريخ بالمنطق الاقتصادي (تفاعل قوى العرض والطلب). لذا قفزت الاسعار من حوالي 3 دولارات للبرميل في بداية اكتوبر 1973 لتصل إلى 5.11 دولاراً مطلع عام 1974 وهذا ما اطلق عليه اسم (الثورة النفطية الأولى). جاءت الثورة الثانية وبالأصح التصحيح الثاني لاسعار الخام عام 1979 بعد قيام الثورة الايرانية. حيث خفضت ايران انتاجها من 6 ملايين برميل يوميا ايام الشاه إلى 5.1 مليون برميل يوميا. فتحررت الاسعار من ركودها النسبي في الفترة 1975 ـ 1979 ليصل سعر البرميل إلى 32 دولاراً السعر الرسمي في مطلع الثمانينات وليقفز إلى 45 دولاراً في السوق الفورية. وتصاعدت الضجة الاعلامية. ونجح الغرب في تسميم الرأي العام في دوله. وتحت ظروف الابتزاز احياناً والتهديد احياناً اخرى. وظهور منتجين جدد (بريطانيا والنرويج) عمدت اوبك إلى زيادة انتاجها لتهدئة الاسعار التي كان من الممكن ان تصل إلى اضعاف ما وصلت عليه. وانخفضت اسعار النفط بشكل درامي ولو انه تدريجي لتصل إلى حوالي 12 دولاراً في اواساط الثمانينات ثم إلى اقل من عشرة دولارات في عام 1998. وفي الوقت الذي تتزايد فيه اسعار السلع الصناعية وبوتائر عالية فإن اسعار النفط تتناقص وبنسب معتبرة سنة بعد سنة. ان وضعا كهذا لا يمكن الدفاع عنه ولا تبرئته. ضآلة مرونة الطلب كما هو معروف في النظرية الاقتصادية فإن السلع الضرورية والتي لا يمكن تعويضها ببدائل ولا يؤدي ارتفاع اثمانها إلى انكماش الكمية المطلوبة منها بنفس النسبة (العلاقة بين السعر والطلب علاقة عكسية). بمعنى آخر ان استجابة الطلب للثمن ضئيلة ولا حاجة للتذكير بان المشتقات النفطية وبالاخص البنزين ووقود الطائرات هامة ولا يمكن تعويضها ببدائل قريبة. ينتج عن هذه الخاصية ثلاثة آثار: ــ الضريبة: جعلت هذه السلعة ملائمة لفرض الضرائب غير المباشرة وللحصول على موارد مالية ضخمة. فالدول المستهلكة الرئيسية للنفط (الولايات المتحدة واوروبا الغربية واليابان) تحصل على موارد خيالية تصل إلى اكثر من 70% من قيمة كل برميل مصفى. ــ زيادة الايرادات: تتحقق هذه الزيادة في حالة السلع التي تتمتع بضآلة مرونة الطلب من السعر وليس من الكميات المباعة. وفي كل مرة تزيد اوبك من انتاجها (ان لم يكن في السوق فائض) فإن الاسعار تهوي إلى نسبة اكبر من زيادة الانتاج والمثل التالي يوضح ذلك. لو فرضنا ان اوبك تنتج ما مقداره 30 مليون برميل يوميا وبسعر 20 دولاراً للبرميل فسيكون عائدها 600 مليون دولار يوميا ولو فرضنا انها زادت الانتاج بمقدار الربع إلى 5 .37 مليون يوميا فإننا نتوقع ان تنخفض الاسعار إلى النصف او اقل. اي حوالي عشرة دولارات. وسيكون عائدها الآن 375 مليون دولار يوميا بدلا من الـ 600. وهكذا ستخسر اوبك في اتجاهين. حقائق المشهد النفطي تزداد الصورة وضوحاً هنا. ذلك ان المشهد يشير إلى ناحيتين متعارضتين: الاولى اتجاه الطلب العالمي للبترول نحو التزايد والثاني تراجع الاحتياطيات النفطية المؤكدة. والجدول التالي يوضح ذلك: وواضح من الجدول اننا نسير نحو منحى انتحاري للنفط, حيث يزداد النمو في الاستهلاك باطراد وتتناقص الاحتياطيات المكتشفة. واليوم فإن الصورة ليست بافضل من سابقيها وباستثناء اربع دول عربية نفطية رئيسية هي السعودية والعراق والامارات والكويت والتي يقدر عمر الاحتياطي فيها لكل منها بـ 100 سنة طبقاً للكميات المنتجة عام 1998 وليبيا 56 سنة, ودولتان آخريان من الاوبك هما ايران 65 سنة وفنزويلا 60 سنة فإن باقي دول العالم سينتهي فيها النفط خلال العقد الحالي فقط!! السعر العادل في مصلحة البشرية في المستقبل القريب ونتيجة للتحليل السابق وللبيانات والارقام الواضحة فإننا سائرون لا محالة إلى ازمة حقيقية في الطاقة والفارق كبير بين هذه وتلك التي تتحدث عنها ابواق الدعاية الغربية, كلما حاول العرب تصحيح اسعار النفط. للاسف فإن الولايات المتحدة وحلفاءها يقيمون سياستهم النفطية على ضرورة عرض نفطي واسع ودون تحديد في الكمية او تحديد ملطف. وهذا نظريا يمكن ان يوصل السعر إلى الصفر ويكون الاستهلاك في هذه الحالة تبذيرياً وسينضب الاحتياطي النفطي ربما في اقل من عقد من الزمن وعندئذ ستواجه البشرية كارثة حقيقية في الطاقة, ان ارتفاع سعر النفط إلى ما يقارب سعره الاقتصادي سيقلل من الهدر والتبذير لهذه المادة النبيلة. والسعر الاقتصادي يجب ان يأخذ بنظر الاعتبار المعطيات التالية: ـ سعر البدائل وفي اقلها كلفة اي الفحم الحجري عند تحويله إلى نفط, تصل كلفته إلى حوالي 100 دولار وربما تزيد عن هذا الرقم في حالة الذرة او الخلايا الشمسية. ـ الكلفة الاقتصادية والاجتماعية لتلوث البيئة الناجم عن الاشعاعات الذرية وثاني اوكسيد الكربون والمخلفات الثانوية التي تتركها تلك البدائل. كفاءة النفط الفنية والفيزيائية. النضوب: وهو عامل هام للغاية حيث ان النفط يمثل امل الدول النفطية بالخروج من نادي المتخلفين والالتحاق بالمتقدمين. ويجب التذكر بان كل محاولات وكالة الطاقة الدولية واجهزتها المتخصصة ودولها للتقليل من استخدام النفط باءت تقريباً بالفشل, كما انه يجب عدم التخوف من اكتشاف بدائل للنفط وذلك للاسباب التالية: ــ لا يمكن الاستغناء عن نفط الاوبك في المستقبل المنظور لانه يمثل اكثر من 50% من ميزان الطاقة العالمي. ــ ان تحرير الاسعار نحو موضعها الاقتصادي سيعوض الدول المنتجة في بضع سنين ما قد تنتجه لبضعة عقود. ــ ان النفط كسلعة نبيلة لم يعد من المجدي للانسانية استخدامه وحرقه كمصدر للطاقة, بعد ان دخل الصناعات البتروكيماوية من بابها الواسع, ويجب التذكر بان القيمة المضافة للنفط في هذه الصناعات تعادل اضعاف مضاعفة لقيمته حين استعماله كطاقة. واخيراً لا آخراً. يجب تذكر ما يلي: ـ يجب الانتباه إلى ان تأثير ارتفاع اسعار النفط في نسب التضخم العالية 12% التي تعرضت لها الاقتصاديات الغربية لم تساهم باكثر من نصف بالمئة. ــ ان اسعار النفط قد ترتفع احياناً ولفترات محدودة وتعاود الهبوط. اما السلع المصنعة خاصة المحتكرة من قبل الكبار فإنها ترتفع كل يوم, والفارق هو انه ليس هناك من صحفيين او مصورين يذهبون لتغطية اجتماعات المجالس الادارية للشركات العالمية كما هو الحال مع اوبك. أ.د محمد عارف كيالي استاذ اقتصاد جامعي