تبدأ اليوم إدارة أمريكية جديدة عملها. وطبقاً لما ستفعله هذه الإدارة في عدد محدد من القضايا الاقتصادية, يمكن لمنطقتنا ان تتأثر على نحو أو آخر.. من هذه القضايا مثلاً موقف الإدارة الجديدة من سعر صرف الدولار, وموقفها من أسعار البترول, ثم مدى نجاحها في تجاوز التباطؤ الاقتصادي الملموس الآن في الولايات المتحدة, اذ ان في ذلك ضمان لمواصلة أرقام النمو الايجابية في آسيا وأوروبا, ومن ثم مواصلة الحيوية الاقتصادية على الساحة العالمية على وجه العموم. وزير المالية الأمريكي الجديد بول اونيل قال خلال جلسات الكونجرس التي خصصت لاعتماد تعيينه, وبدون تضييع اي وقت (لقد رأيت ــ رغبة في الا اهدر وقت التلفزيون, ان اقول منذ اللحظة الأولى انني من مؤيدي قوة الدولار.. انني لا اكاد افهم لماذا يمكن لاي شخص ان يرى العكس). وبول اونيل هو احد أكثر الوزراء الجدد ثقلاً ومصداقية. فهو أكاديمي من طراز رفيع, ثم انه متمرس في عالمي التمويل والصناعة معاً. ولانه كذلك فلابد انه يدرك أيضاً ان سعر الدولار لا يتحدد بقرار إداري, اي انه لا يتحدد بموقف وزير أو رئيس, وانما تحدده معطيات الاقتصاد الأمريكي كما تمضي بالفعل (على الأرض) كما يقولون. ينحصر دور الإدارة عادة في التحرك النشط عبر قرارات لا تتوقف ليس هدفها رفع سعر الدولار بصورة مباشرة, ولكن هدفها حفز معدلات اداء الاقتصاد الوطني. ولعل ذلك ما دفع بأونيل إلى القول بانه (يؤيد بقوة) خطة خفض الضرائب بمقدار 3 .1 تريليون دولار التي اقترحها بوش خلال الحملة الانتخابية, وكررها بعد فوزه. وليس من الواضح بعد كيف يمكن ان يتغلب اونيل على معارضة الصناعيين في الولايات المتحدة ــ وقد كان هو نفسه احد ابرزهم ــ لاستمرار قوة الدولار, بما يسببه ذلك من تأثير سلبي على الصادرات الأمريكية الا ان هناك مدرسة بأكملها في المحافل الاقتصادية الامريكية تعتقد ان الفوائد النهائية التي تعود على الاقتصاد الامريكي من بقاء الدولار قوياً تتجاوز كثيراً الاثار السلبية لذلك, كما تعتقد هذه المدرسة ان بوسع الصناعات الأمريكية ــ اعتماداً على هامش الجودة وعلى تطويره دائماً ــ ان تنافس على الساحة الدولية رغم ارتفاع سعر الدولار نسبياً, اي رغم ارتفاع أسعار المنتجات الأمريكية بالمقارنة مع منافستها. أما بالنسبة لأسعار النفط فقد صرح جورج بوش انه يبذل جهداً دبلوماسياً لاقناع اوبك بــ (فتح صنابيرها) لخفض سعر النفط إلى مستويات (مقبولة). رغم ذلك فقد اتخذت اوبك ــ بعد التصريح بساعات ــ خطوة في الاتجاه المعاكس تماماً وذلك حين قررت اغلاق بعض صنابيرها, وخفض الانتاج بمقدار 5.1 مليون برميل يومياً. تبرهن اوبك اذن ان ما هو ــ (مقبول) ــ كمستويات سعرية ــ يتحدد اساساً بالتنسيق بين مصالح الجانبين معاً, المشترين والباعة. وقد يضع ذلك الامور في سياقها منذ اللحظة الأولى, اي قد يدفع قرار اوبك الإدارة الجديدة ــ خصوصاً وان على رأسها رجل نفطي ــ إلى البحث عن صيغة خلاقة جديدة تعيد الاتساق إلى اوضاع السوق النفطية العالمية. إلا ان من المتوقع أيضاً ان يفي الرئيس الجديد بما تعهد به من رفع الطاقة التكريرية للولايات المتحدة وزيادة عدد محطات توليد الكهرباء. ولهذه الأمور أهمية خاصة من حيث انها تقلص من هامش الارتفاع المفتعل في أسعار الطاقة بالسوق الأمريكية, ومن ثم تخفف الضغوط التي يشعر بها الساسة والتي تدفعهم احياناً إلى اتخاذ قرارات غير منطقية. لقد تعرضت اوبك مؤخراً لانتقادات عنيفة بسبب ارتفاع أسعار الطاقة في الولايات المتحدة وبسبب (الاظلام الدوري) في كاليفورنيا رغم انها غير مسئولة بأي حال عن أي منها. فقد اغلقت بعض الشركات اقساماً من طاقتها التكريرية أو من محطات توليد الكهرباء وذلك في اجراء متعمد هدف لرفع الأسعار. ثم ان الشركات التي لم تفعل ذلك لم تتمكن من رفع طاقتها الانتاجية ــ لو كان لديها ــ بسبب قيود حماية البيئة التي تمنح لكل شركة قدراً معيناً من التلوث المسموح به لا يمكنها تجاوزه, وهو قدر يتناسب مع ما تنتجه. وقد اوقفت بعض الشركات انتاجها بسبب وصولها إلى سقف التلوث المسموح به, وصممت الالات القادرة على انتاج الطاقة فيما تظلم البيوت. ولابد ان كل هذه الاجراءات التي لا تبدو منطقية احياناً تحتاج إلى مراجعة شاملة من الإدارة الجديدة. أما بالنسبة لاحتمالات عودة الاقتصاد الأمريكي إلى الانتعاش فان ذلك يعد الآن احتمالاً وارداً على ضوء اتضاح معالم خطة بوش الاقتصادية. فاذا ما وافق الان جرينسبان على (التعاون), اي اذا ما خفض نسبة الفائدة في اجراءات متصلة تشبه مسلسل رفعها الذي شاهدناه في النصف الأخير من العام الماضي, واذا ما اقر الكونجرس خطة خفض الضرائب بأرقام قريبة مما يقترحه جورج بوش فان ذلك من شأنه ان يعكس المسار الراهن للاقتصاد الأمريكي, من التراجع الذي نراه الآن, إلى تقدم ولو بمعدلات محدودة. سيبقى خطر التضخم هو التساؤل الذي يجب ان يحمله الجميع في اذهانهم مع مرور الاسابيع على هذه الإدارة الجديدة, وبافتراض ان الاحتياطي الفيدرالي سيخفض نسبة الفائدة, وان الكونجرس سيقر خفضاً كبيراً للضرائب. ذلك ان من الخطأ اغفال هذه المسألة التي كان جرينسبان متيقظاً لها طيلة سنوات بيل كلينتون. لقد اسقط التضخم جيمي كارتر, وفلت رونالد ريجان بجلده بعد ان اقترض من الجميع, فترك اكبر دين وطني في تاريخ البشر, ثم سقط جورج بوش الاب بسبب ركود مفاجىء عنيف.. الوحيد الذي تمكن من جمع الأضراد كان بيل كلينتون الذي حقق للاقتصاد الأمريكي نمواً لم يحققه من قبل ــ من حيث المعدلات ــ طوال تاريخه. وسنرى الآن كيف سيتعامل الرئيس الجديد مع مطبات الطريق الاقتصادي الوعر في الولايات المتحدة. واشنطن ــ عصام الدين عبدالعزيز