أكدت دراسة عربية حديثة ان الدول العربية مازالت متأخرة بعض الشىء في مجال الاصلاحات الاقتصادية مشيرة الى انه بالرغم من الخطوات الجريئة التي اتخذتها بعض الدول مثل مصر والمغرب وتونس والاردن واليمن ، إلا ان المطلوب اجراؤه مازال هاماً وخاصة في مجال تحسين مستويات الادخار والاستثمار وتحقيق معدلات نمو أفضل تتناسب مع الحاجة الى خلق مزيد من فرص العمل المطلوبة اضافة الى ضرورة تطوير أكثر للأسواق المالية العربية والسير بخطى أكثر سرعة في مجال التخصيص. وأظهرت الدراسة انه في مجال تخصيص مرافق البنية الأساسية لم يتحقق حتى الان للدول العربية الكثير مقارنة بالحاجات المتزايدة لتطوير هذا القطاع موضحة انه اذا كانت هناك بعض الحالات سواء في مصر أو في المغرب أو الاردن في مجال تخصيص بعض مرافق البنية الأساسية فان الوضع في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية باستثناء عمان والى حد ما الامارات لم يتحرك كثيراً في هذا الاتجاه وهناك تردد كبير معربة عن الأمل في الا يترتب على هذا التردد تفاقم حاد للمشكلة في المستقبل. وطالبت الدراسة الدول العربية ببذل الجهود لمضاعفة الاسراع في تحويل مرافق البنية الأساسية الى مؤسسات القطاع الخاص مشيرة الى ان ذلك يستدعي تهيئة البيئة التشريعية لمثل هذا التحول بحيث تحدد الواجبات والمسئوليات بين الأطراف المعنية من مستثمرين ومستهلكين بالسلطات المختصة, موضحة ان الأمر يستدعي العمل على تحفيز الاستثمار في قطاع البنية الأساسية من قبل المستثمرين والمؤسسات المحلية والاجنبية, وذلك من خلال تحسين ظروف جدوى الاستثمار في هذا القطاع على أساس تسعير الخدمات وفقاً لتكلفتها الحقيقية. وذكرت أن تعبئة المدخرات وجذب الاستثمارات الى هذا القطاع تبدو ممكنة كما دلت عليه تجارب دول عديدة في العالم سواء في شرق آسيا أو أمريكا اللاتينية أو حتى تجارب بعض الدول العربية مثل مصر والمغرب والاردن وحتى تجارب قريبة منا في الخليج على صعيد سلطنة عمان. وأوضحت الدراسة التي أعدها الدكتور جاسم المناعي المدير العام رئيس مجلس ادارة صندوق النقد العربي ان السيولة بشكل عام متوفرة كما ان التكنولوجيا والخبرة العالمية مواتية في هذا الشأن. فالمطلوب هو اتخاذ القرار في هذا الاتجاه وتهيئة المناخ التشريعي والاقتصادي الذي من شأنه تحفيز الأطراف المعنية وتعبئة المدخرات للاستثمار في هذا القطاع, مشيرة الى ان تعبئة المدخرات والموارد المالية لتسخيرها لهذه الانشطة سوف تمثل تحدياً هاماً سيواجه الدول العربية في السنوات المقبلة حيث تعودنا ان تمول المشروعات من قبل الحكومات لكن على ضوء التحول في السياسات الاقتصادية الأخيرة ومحاولة تقليص الحكومات لدورها في الانشطة الاقتصادية, فان الحاجة الى الحصول على مصادر بديلة للتمويل طويل الاجل للمشروعات سوف تمثل تحدياً لا يجب التقليل من أهميتها, خاصة اذا اخذنا في الاعتبار ان التمويل المصرفي مازال تقليدياً, كما أن أسواق رأس المال لم تتطور بعد بالشكل المطلوب. وذكرت الدراسة ان الاعتماد على المؤسسات الأجنبية على الأقل في بداية مرحلة التخصيص, سواء لتوفير الخبرة المطلوبة أو للتمويل اللازم, أمر من شأنه تحقيق بعض النتائج المرغوبة في هذا الشأن موضحة ان تجارب الدول العربية حتى الان في استقطاب الاستثمار الاجنبي لاتزال متواضعة, لكن على ضوء ما تم في تخصيص بعض مرافق الكهرباء والاتصالات في كل من مصر والمغرب والاردن وعمان, فإن إمكانية مشاركة مؤسسات عالمية في مشروعات البنية الأساسية العربية تبدو ممكنة, كما ان تحويل مشاريع البنية الأساسية الى القطاع الخاص من شأنه في حد ذاته المساهمة في تطوير القطاع المالي في الدول العربية, ومن شأن إشراك القطاع الخاص في مشاريع البنية الأساسية تحسين قدرات تقييم المشاريع وتنويع المخاطر للبنوك التجارية, كما ان ذلك من شأنه تطوير الأسواق المالية سواء سوق الأسهم أو سوق السندات, كما ان ذلك من شأنه زيادة فرص الاستثمار للمؤسسات المالية المحلية مؤكدة ان مثل هذه الأمور يمكن الترويج لها من خلال التشريعات المناسبة وتحسين درجة الإفصاح والارتقاء بمستوى التقارير المالية وتطوير القدرات الخاصة بالتقييم والتصنيف الائتماني. وأوضح ان التفكير في التحول من تمويل وادارة مرافق البنية الاساسية من قبل القطاع العام إلى القطاع الخاص لا يستند فقط إلى عدم توفر الامكانيات المالية للحكومات للاستمرار في توظيف اموال هامة في قطاع البنية الاساسية. ولكن ينطوي مثل هذا التحول على اهداف اخرى لا تقل اهمية في مجال التصدي للضغوط الناتجة عن استمرار تزايد الطلب على خدمات المرافق العامة. بالاضافة إلى ما قد يترتب على هذا التوجه من ترشيد واستخدام امثل لخدمات البنية الاساسية التي اصبحت تتصف بالندرة وارتفاع تكاليفها بالنسبة للاقتصادات الوطنية, ان التأكد من قدرة الدول العربية على ان يكون لها قطاع بنية اساسية متطور وفعال, لا يعني بالضرورة اعتبار نمط ومعدلات الاستهلاك الحالية لخدمات المرافق العامة مسلمات لا يمكن التحكم بها, كما لا يعني ذلك ايضاً ان الاستثمارات والادارة الحالية لمرافق البنية الاساسية هي الافضل على الاطلاق. فمن ناحية الاستثمارات في هذه المرافق فإنها تخضع لاعتبارات تتعلق بقرارات اعداد الميزانية اكثر منها اعتماداً على اداء هذا القطاع. كما انها تعتمد على تسعير خدمات هذا القطاع, وفقاً لاعتبارات سياسية اكثر منها اقتصادية الامر الذي يضعف ويعمل ضد الادارة الاقتصادية الرشيدة لهذا القطاع. وذكرت انه اذا قدرنا حجم المبالغ الهائلة التي لا تزال الحكومات تقوم باستثمارها في هذا القطاع يمكن تصور حجم المشكلة المترتبة على عدم ضمان التوظيف الامثل لهذه الموارد حيث يقدر ان يكون حجم استثمارات الدول النامية في مرافق البنية الاساسية في حدود 200 مليار دولار سنوياً ومازالت الحكومات والمؤسسات الحكومية تقوم بمسئوليات استثمار 90% من هذه المبالغ. وفي اغلب الحالات لا يقل حجم استثمارات مرافق البنية الاساسية عن 30% من اجمالي الاستثمارات الحكومية وقد يصل في بعض الحالات إلى 70% بالاضافة إلى ان مصاريف التشغيل والصيانة تشكل نسبة عالية من المصاريف المتكررة. مشيراً إلى انه حسب التجارب حتى الآن لا يبدو بأن مثل هذه التوظيفات قد حققت النتائج المرغوبة بل العكس. حيث تم ملاحظة ضعف كفاءة هذه التوظيفات سواء تعلق الامر بوجود مظاهر هدر وفساد على صعيد القرارات الاستثمارية او على صعيد الادارة والتشغيل فعلى صعيد القرارات الاستثمارية فقد اشار تقرير للبنك الدولي حول مشاريع المياه والصرف الصحي في بعض البلدان النامية إلى ان المشاريع تتعرض لمشكلات اساسية فيما يتعلق بزيادة تكاليفها عما هو متوقع كما ينطلق ذلك على زيادة فترة تنفيذ هذه المشاريع عما كان مخططاً له ففيما يتعلق بتكاليف المشاريع فقد وجدت حالات ارتفعت فيها قيم هذه المشاريع بنسب تصل إلى 33% عما كان مقدراً لها في مرحلة التقييم, كذلك الفترات الزمنية لانشاء هذه المشاريع زادت بمقدار 46% عما كان مقدراً لها عند الموافقة على قيام هذه المشاريع الامر الذي ينعكس بالمحصلة النهائية في شكل ارتفاع كبير في تكاليف اقامة هذه المشاريع. واوضحت ان ضعف كفاءات استثمارات القطاع العام في مرافق البنية الاساسية ينعكس ايضاً في ارتفاع عدد العاملين في هذا القطاع وتدني مستوى اداء هذه الخدمة. فقد تم تقدير فائض العمالة في بعض مشاريع البنية الاساسية كمرافق السكك الحديدية بنصف حجم العمالة الموظفة في هذا القطاع. اما في قطاع الاتصالات فيبلغ متوسط عدد العاملين اكثر من 11 موظفاً لكل الف خط مقارنة بمتوسط يصل إلى 6 موظفين في الولايات المتحدة وحوالي 5 موظفين في السويد واقل من 5 موظفين لكل الف خط في حالة سنغافورة. واشارت إلى انه على صعيد ضعف اداء المرافق فالشواهد عديدة. فقد تم تقدير سرعة وكفاءة عمل الموانىء بنسبة 40% فقط من السرعة والكفاءة التي ينبغي ان تتوفر في مثل هذه التسهيلات. اما على صعيد قطاع الطاقة الكهربائية فالحالة ليست افضل من ذلك, ففي كثير من الدول تعمل الكهرباء بمعدل 60% فقط من طاقة التوليد المتوفرة في الوقت الذي تصل فيه افضل الممارسات إلى 80% من الطاقة المتوفرة وفيما يتعلق بنظام شبكات المياه فهي لا توصل الا حوالي 70% من الكميات المنتجة مقارنة بطاقة تصميم مستهدفة في مستوى 80% موضحة ان انعدام الحافز وضعف المساءلة لاشك وراء الاداء الضعيف لمرافق البنية الاساسية كما ان تسعيرة هذه الخدمات من الناحية الاخرى التي لا تأخذ في الاعتبار الندرة المتزايدة والقيمة والتكلفة الاقتصادية الحقيقية لهذه الخدمات تشجع على الترشيد ولا على تجنب الهدر والاسراف في ادارة واستخدام هذه الخدمات. وأكدت الدراسة ان اعادة النظر واجراء اصلاحات اقتصادية هامة خاصة فيما يتعلق بمرافق البنية الاساسية اصبح امراً تحتمه الظروف المالية والاقتصادية كما تحتمه ضرورة رفع مستوى اداء هذا القطاع الهام من ناحية, وضرورة تحسين كفاءة التوظيفات الاستثمارية للدولة من ناحية اخرى مشيرة إلى ان الطرق تتعدد لتحقيق هدف تحويل قطاع البنية الاساسية لكي يعمل وفق معايير اقتصادية سليمة, وقد تكون البداية في شكل تكوين هيئات ومؤسسات عامة لادارة هذه المرافق تتمتع باستقلالية في الادارة لكن في نفس الوقت تكون خاضعة للمساءلة. كما تتحقق من خلال ذلك شفافية اكبر فيما يتعلق باقتصاديات توفير خدمات المرافق معربة عن الامل في ان تخصص هذه المرافق اما من خلال بيع القائم منها او جزء منه على الاقل للمؤسسات الخاصة, او السماح فيما يتعلق بالمشروعات الجديدة لقطاع الخدمات ان تقام من قبل القطاع الخاص وفقاً لترتيبات تعاقدية مرضية للاطراف المعنية. واشارت إلى ان فوائد ومزايا هذا الاصلاح وهذا التوجه لا تنحصر فقط في توفير الاعباء المالية الكبيرة على الدولة ممثلة في تجنب الحاجة إلى وضع توظيفات مالية هامة في هذا القطاع على شكل استثمارات واعانات يمكن ان توجه لمصلحة اكثر الحاحاً. كما ان من فوائد هذه المراجعة ان تجنبنا التبذير وتحقق الترشيد المطلوب في استخدام خدمات ومرافق البنية الاساسية. هذا بالاضافة إلى ان طرح هذه المشاريع للقطاع الخاص من شأنه زيادة فرص الاستثمار وتطوير القطاع المالي بشكل عام وتعميق الاسواق المالية بشكل خاص. وذكرت الدراسة ان معدل النمو السكاني الكبير الذي يفوق معدل النمو السكاني العالمي الأمر الذي ادى لتزايد اعداد السكان في الوطن العربي بشكل كبير. فمعدل نمو السكان في العام العربي مازال يتراوح في حدود 3% مقارنة بمعدل عالمي لا يزيد على 2%. وقد نتج عن ذلك ارتفاع عدد سكان العالم العربي خلال الثلاثين سنة الماضية الى 280 مليون نسمة ويقدر ان يصل هذا العدد الى ضعف ذلك في عام 2025 مشيرة الى التحول الملحوظ في وظائف المدن والتجمعات البشرية من وظائف ترتبط بمبررات اجتماعية, دينية وعائلية الى وظائف تقوم اساسا على مبررات اقتصادية. وتنطبق هذه الظاهرة على تطور المدن في كثير من الدول سواء كانت متقدمة او نامية, لكنها بالتأكيد تنطبق أكثر على المدن في الدول النامية بشكل عام, وفي الدول العربية بشكل خاص. كما اشارت الى ان الدخول في الانشطة الاقتصادية كان له دور كبير في اعادة تشكيل تركيبة التجمعات البشرية. فتطور التنمية الاقتصادية من الاعتماد على قطاع الزراعة الى قطاع الانشطة الصناعية لكن بشكل اكبر واهم التحول الى الاعتماد على انشطة الخدمية قد غير كثيراً في شكل التجمعات البشرية في الوطن العربي حيث لوحظ خلال العقود القليلة الماضية ارتباطا وثيقا بين ازدياد اهمية قطاع الخدمات في الناتج الاجمالي المحلي مع الزيادة السكانية وازدياد التركز البشري في المناطق التي تزداد فيها اهمية الانشطة والوظائف الخدمية مثل وظائف وزارات الدولة وقطاع البنوك والشركات وقطاع الفنادق. واشارت الى ان زيادة معدل نمو السكان وارتفاع التركز البشري ادى الى زيادة الضغط على مرافق الخدمات. كما ادى ذلك الى مشكلات كثيرة تتمثل بالتأخر او العجز في تلبية الطلبات على بعض الخدمات مثل خدمات المساكن او الاتصالات, بالاضافة الى تأثير ذلك على كفاءة توفير مثل هذه الخدمات موضحة ان فترات الانتظار الطويل للحصول على المساكن. وفي بعض الدول ينطبق ذلك على عمليات توصيل خطوط الهاتف وحتى الكهرباء والماء وخدمات مرافق الصرف الصحي وذكرت انه لا يزال هناك في العالم العربي ما يقارب 60 مليون نسمة اي حوالي 22% من سكان الدول العربية لا يصلهم الماء الصالح للشرب. كما ان هناك اكثر من 80 مليون نسمة لا تتوفر لديهم وسائل صرف صحي.