هناك اتفاق على ما يبدو بين عدد كبير من العقاريين على ان السوق العقارية تمر بحالة من التشبع, وهو أمر يؤكده رجلا الأعمال عبدالعزيز خانصاحب وحميد بن دري, اللذان تحاورهما (البيان)، في الحلقة الأخيرة من سلسلة من الحوارات حول مستقبل العقار بالدولة, وهي السلسلة التي القت بعض الضوء على حالة سوق العقار وطرحت من خلال من شملهم الحوار عددا من الاقتراحات الوجيهة. والاقتراحات والدعوات تتواصل على لسان خانصاحب وبن دري حيث يدعو الأول الملاك إلى التواؤم مع الاوضاع الراهنة بالسوق العقارية وعدم الاصرار على الايجارات المرتفعة, بينما يطالب الثاني بتشكيل لجنة من دبي والشارقة لتدارس الاوضاع بالسوق والتوصل الى حلول مماثلة. خاصة وان هناك الالاف من الوحدات الخالية بالامارتين: أكد رجل الأعمال عبدالعزيز حسين خانصاحب ان السوق العقاري في حالة تشبع منذ زمن وقال ان عودة الانتعاش إليه تحتاج لبعض الوقت حتى يعود التوازن بين العرض والطلب. وتساءل: لماذا هو الاستمرار في عمليات البناء رغم هذا الواقع. ودعا إلى زيادة رأسمال البنك الصناعي لتمويل المشروعات الصناعية التي تحتاجها الدولة بدلاً من الدعوة لانشاء بنك عقاري لتمويل المشروعات العقارية فهو بديل جيد مشيراً إلى ان الكثيرين يتجهون للاستثمار في العقار رغم أزمته الحالية لاكثر من سبب منها سياسة حرق اسعار مواد البناء وانخفاض اسعار الاراضي بما يتراوح بين 30 ـ 50% بالاضافة إلى ان البعض ينظر إلى هذا القطاع باعتباره افضل الأوعية الاستثمارية البعيدة عن المضاربات الحادة. وقال ان كل من لديه سيولة ويستطيع الحصول على قروض من البنوك فإن أول ما يفكر فيه هو بناء عقار. وقال ان هذه الأمور هي من اسباب الأزمة الحالية بالاضافة إلى اسباب اخرى منها الطفرة غير الطبيعية التي حدثت لهذا السوق في اوائل التسعينيات والتصرفات غير المسئولة لبعض السماسرة ومكاتب اعادة التأجير وغياب الشفافية فيما يتعلق بالمعلومات الخاصة بواقع السوق. وهذه كلها فرضت تحديات امام هذا السوق مؤكداً انها ضرورية وستدفعه نحو اعادة النظر في الأسس التي تحكم الاستثمار في هذا القطاع ومراجعة حساباته من جديد لتكون على اسس واقعية بعيدة عن التجميل وتلاعب السماسرة. وفيما يلي نص الحوار: تحديات كبرى * ما هو تقييمكم لأداء ووضع سوق العقار خلال الفترة الماضية؟ ــ سوق العقار شأنه شأن اي نشاط آخر يرتبط بالوضع الاقتصادي للدولة والظروف التي يمر بها ومثله مثل اي نشاط آخر فهو يمر بفترات ازدهار وفترات الركود. وفي بداية عقد التسعينيات شهد هذا القطاع ازدهارا كبيرا وشهد اقبالاً كبيرا من قبل المستثمرين مما ادى إلى ارتفاع اسعار الاراضي وتضاعف القيمة الايجارية للوحدات السكنية بشكل مبالغ فيه كثيرا ووصل عائده السنوي إلى اعلى مستويات له. ومع التقلبات التي حدثت لاسعار النفط في السنوات الاخيرة من عقد التسعينيات وما حدث من انهيار في سوق الاسهم وتراجع الاداء الاقتصادي بوجه عام واجهت السوق العقارية تحديات كبيرة اعتقد انها كانت نتاجا طبيعيا للطفرات المبالغ فيها من قبل, ودفعت السوق ومازالت تدفع استحقاقات مرحلة لم تكن مسئولة عنها بشكل مباشر وان كان لابد منها لتصحيح الوضع القائم واعادة النظر في الاسس التي تحكم الاستثمار في هذا القطاع ومراجعة حساباته من جديد لتكون على اسس واقعية بعيدة عن التجميل وتلاعب السماسرة. * ولكن كيف تقيم الازمة التي يمر بها القطاع الآن؟ ــ ان الازمة التي يشهدها القطاع العقاري الآن هي نتيجة تفوق العرض على الطلب بشكل عام, كما ان هناك تفوقاً نوعياً في بعض المناطق اي ان هناك معروضاً كبيراً من الوحدات الفاخرة التي لا تفي بحاجة متوسطي الدخل. وذلك نتيجة اتجاه بعض الملاك لنمط الاسكان الفاخر والسياحي على حساب الاسكان المتوسط. سوق الأسهم وغياب الشفافية * وما هي برأيكم أسباب الأزمة؟ ــ الاسباب متعددة من بينها ما حدث لسوق الاسهم في صيف 98 بسبب المضاربات وانتشار الشائعات غير الصحيحة والمعلومات الخاطئة لصالح المستفيدين من شركات وسماسرة الى ان وصلت الاسهم الى اعلى مستويات لها بصورة غير مبررة وما لبثت ان انهارت كما ارتفعت الى ادنى مستويات لها وكانت النتيجة ان المستثمرين عجزوا عن بيع اسهمهم وتوقفوا عن سداد قروضهم المستحقة. وتفاعلت تلك الازمة مع الازمة التي كان يمر بها سوق العقار بسبب نقص السيولة التي اتجه معظمها لسوق الاسهم وزيادة المعروض, وزادت معاناة القطاع من خلال انخفاض الطلب انخفاض أصلا مع زيادة المعروض والاستمرار في عمليات البناء وجمدت الاستثمارات في انتظار العائد بعد تحسن السوق.. كذلك ادت التصرفات غير المسئولة من قبل بعض السماسرة ومكاتب اعادة التأجير وغياب الدقة والشفافية بالنسبة للمعلومات التي تنشر عن واقع السوق الى رفع اسعار الاراضي والوحدات المعروضة بصورة مبالغ فيها, وذلك نتيجة عدم توفر البيانات الصحيحة والدقيقة عن هذا القطاع. * وبم تفسر الاستمرار في عمليات البناء برغم الظروف التي يمر بها القطاع واتجاه معظم المستثمرين للاستثمار العقاري؟ ــ الامر يعود لعدة عوامل منها ان الازمة التي يمر بها القطاع ادت الى انخفاض الاراضي بنسبة وصلت الى 30% بل و 50% في بعض المناطق لذلك رأى اصحابها ممن اشتروها في زمن الانخفاض ان هذا الوقت هو افضل الاوقات للبناء نتيجة رخص مواد البناء والمنافسة الشديدة التي يشهدها سوق المقاولات والتي وصلت الى حرق الاسعار.. فلم لا يبني وينتظر الى ان تتحسن السوق العقارية لكي يحصل على مردود مناسب خاصة اولئك الذين يمولون مشروعاتهم من مواردهم الذاتية دون الاعتماد على مصادر تمويل اخرى كالبنوك, هذا بالاضافة الى ان البعض مازال ينظر للقطاع العقاري على انه افضل الاوعية الاستثمارية البعيدة عن المضاربات الحادة وحسابات الربح والخسارة وذلك لعدم ثقتهم بالمجالات الاستثمارية الاخرى كما ان مجال العقارات لا يحتاج لخبرة المستثمرين.. وكل من لديه سيولة ويستطيع الحصول على قروض من البنوك اول ما يفكر فيه هو بناء عقار.. وكذلك هناك فئة لديها سيولة وتريد استثمارها وتبحث عن الربح الحلال بعيدا عن فوائد البنوك الربوية فاين تستثمرها؟ لذلك نجدها تتجه للاستثمار في العقار.. وهكذا.. احتكار السوق * ما هو تفسيركم لوجود وحدات كثيرة غير مؤجرة واسعارها مازالت مرتفعة برغم انخفاض القيمة الايجارية؟ ــ هذا يرجع إلى ان اصحابها يرفضون ان يؤجروها باقل من تكلفتها نتيجة ارتفاع اسعار الارض وتكلفة البناء لذلك يفضلون الانتظار لحين تحسن الطلب وهذا حاصل في عدد من المناطق دون غيرها لان مواصفات الوحدات فيها تختلف عن غيرها بدليل ان هناك طلباً اكثر في مناطق اخرى.. كما ان هناك اعتقاداً خاطئاً لدى البعض الذي يعتبر ان الارتفاع الذي حدث في زمن الطفرة قاعدة للقياس بحيث اذا تحقق اقل منه يعتبر كارثة بالنسبة له وهذا غير منطقي لان ظروف السوق تغيرت عن ذي قبل.. كذلك يمكن ارجاع السبب لدخول الاجانب سوق اعادة التأجير خاصة بالنسبة للبنايات التي لا يؤجرها اصحابها مما ادى الى ايجاد نوع من الاحتكار الذي ادى بدوره الى تحديد الاسعار حسب رغبتهم.. * هل السوق يستوعب هذا الكم من الوحدات؟ ــ السوق في حالة تشبع منذ زمن.. ولست ادري لماذا الاستمرار في عمليات البناء ومن المستهدف منها؟ والغريب ان الشركات العقارية دخلت بثقلها هي الاخرى وتنفذ العديد من المشروعات العقارية, وكأن السوق مازال بحاجة لكل هذا الكم من الوحدات ومجتمعنا يعاني اصلا من قلة الكثافة السكانية كما ان هذا النوع من البناء الذي ينفذ لايناسب المواطنين من ابناء الدولة الذين يفضلون نمطا معيناً من البناء.. * هل خطط البناء تتم بشكل عشوائى ام بناء على خطط علمية مدروسة ومن منطلق رؤية مستقبلية لاحتياجات معينة؟ ــ لو كنا نسير وفق خطط مدروسة لما اصاب القطاع ما اصابه من ركود الان ولما رأينا هذا الخلل في التوازن بين العرض والطلب كما ونوعا.. وواقع السوق الان يدل على وجود فوضى وخطط عشوائية غير مدروسة وعلى عدم وعي من جانب المستثمرين وغياب الدراسات الواقعية للسوق ومتطلباته واحتياجاته ومعدلات الزيادة والانخفاض في المناطق المختلفة بدليل وجود فائض في بعض الوحدات ونقص في البعض الاخر وعدم توافق نوعيات البناء مع الشرائح الاجتماعية المستهدفة بل ويدل على عدم الشفافية في عرض البيانات التي تتعلق بالقطاع لكي تفيد المستثمرين الذين يركضون وراء المكسب السريع. كما ان الاحتياجات المستقبلية التي يبني عليها البعض مبرراته يجب ان تتوافق مع السياسة التي تنتهجها الدولة في تقليص الاعتماد على العمالة الاجنبية وهذه المشروعات فضلا عن انها تستهدف وجود عمالة اجنبية لتنفيذها فهي تستهدف ايضا المستثمر الاجنبي. الاستثمار الاجنبي.. والعصا السحرية * ولكن البعض يرى ان فتح المجال للاستثمارات الاجنبية من شأنه ان ينعش السوق العقارية وقطاعات اخرى في الدولة؟ ــ اي استثمار اجنبي هذا؟ وما هي تلك النغمة التي اصبح البعض يتغنى بها هذه الايام, كلما اصاب قطاع من القطاعات اي نوع من انواع الركود نجد من يطالب بفتح المجال للاستثمار الاجنبي الذي بات وكأنه العصا السحرية التي ستنقذ اسواقنا من الازمات التي تمر بها! لقد مللنا من التحذير من مخاطر الاستثمارات الاجنبية التي لم تجلب علينا الا المشاكل, ان مجتمع الامارات مجتمع صغير وفتح الباب للاستثمارات الاجنبية دون ضوابط ودراسة متأنية لن يحل مشكلة وسنجد انفسنا نحن المواطنين اقلية في وسط مجتمع كله اجانب, كما اننا لسنا كالمجتمعات التي يأخذها البعض كمثل لنجاح سياسة تشجيع الاستثمارات الاجنبية. * اذن انت ضد تملك الاجانب للعقارات للاجانب؟ ــ مازلت اكرر ان تملك الاجانب للعقارات مخاطره اكثر من مزاياه لانه سيعطي السيطرة للأجانب وسنرى انفسنا كمواطنين بمرور الوقت خارج الدولة. لذلك لا ارى اي مبرر للتوسع في المشروعات العقارية خاصة اذا كان وضعنا الحالي لا يخدم هذا التوسع. لكنني لست ضد فتح باب التملك او الايجار للعرب او المواطنين من دول مجلس التعاون لان الاستثمار العربي مطلوب ومن شأنه ان يوفر السيولة لعودة الانتعاش للسوق. * من برأيك الذي يحدد القيمة الايجارية وهل للحكومة تدخل في تحديد الحد الادنى والاقصى لها؟ ــ السوق العقارية يحكمها العرض والطلب, الى جانب مكاتب اعادة التأجير او سماسرة التأجير ومالك العقار حسب قروضه ووضعه المادي, وهي تعتمد على تكلفة البناء وسعر الارض والمنطقة التي يقع فيها العقار. وليس للحكومة اي سلطة في تحديد القيمة الايجارية خاصة في الامارات التي لا يخضع بناء العقار فيها الى التمويل الحكومي كدبي والشارقة وباقي الامارات باستثاء امارة ابوظبي التي كانت تخضع للتمويل الحكومي والتي كانت تبني وتؤجر وذلك قبل قرار وقف تراخيص البناء.. لذلك نرى ان السوق في امارة ابوظبي هادىء نسبيا قياسا بالامارات الاخرى وبخاصة دبي والشارقة التي نجدها دائما عرضة لتقلبات السوق وسياسة العرض والطلب. * وما رأيك في فكرة انشاء بنك عقاري لتمويل المشروعات العقارية؟ ــ اذا كان الهدف منه هو تثبيت سعر الفائدة على قروض تمويل شراء الاراضي والبناء وان يكون تحت اشراف حكومي بنك تابع للحكومة فلا بأس لأن من شأن هذا البنك ان يؤدي الى خفض تكاليف البناء وبالتالي تقديم قيمة ايجارية اقل وارخص للمستأجرين.. لان البنوك التجارية فائدتها مرتفعة جداً.. كما ان البنك العقاري يمكنه دراسة وضع السوق ووضع دراسات الجدوى للمشاريع المطلوب تمويلها والاماكن التي تحتاج الى مشروعات عقارية أكثر من غيرها. وان كنت شخصياً أميل الى زيادة رأس مال البنك الصناعي لتمويل المشروعات الصناعية التي تحتاجها الدولة تشجيعاً للقطاع الصناعي كبديل استثماري جيد اذا ما تم الاهتمام به. * وما رأيك في تشديد الرقابة على منح القروض من جانب البنوك كحل للحد من عمليات البناء العشوائي التي تتم الان؟ ــ حسب معلوماتي فإن البنوك تفرض قيوداً الان على منح قروض البناء ولاتمنح بعضها قروضا برهن المبنى كما كان يحدث في السابق بل تشترط رهن ممتلكات اخرى أو تعتمد اقساطاً مضمونة للبنك بغض النظر عن كون المبنى تم تأجيره أم لا, وعموماً هي لاتتعدى الان نسبة الـ 20% من قيمة العقار وذلك على عكس ما كان يحدث في السابق حيث كانت بعض بنوك تقرض ما يقرب من 60% من قيمة العقار على اعتبار ان وضع السوق انذاك كان يضمن استرداد البنك لأمواله ولكن مع الظروف التي يمر بها السوق الان أصبحت بعض البنوك تتشدد في منح القروض لخشيتها من عدم استرداد اموالها. * اذن ما هو السبيل لعودة النشاط من جديد لهذا السوق؟ ــ اولاً على الملاك ان يكيفوا اوضاعهم مع الواقع الراهن للسوق وعدم التمسك بالقيمة الايجارية المرتفعة التي لاتتفق مع وضع السوق الحالي, كما ان انحسار القيمة الايجارية من شأنه ان يحد من وجود المكاتب الاحتكارية التي لايمكنها العمل الا من خلال التلاعب في السوق لتحقيق ارباح سريعة والوضع الحالي للسوق لايتحمل المزيد من عمليات التلاعب ومن المهم ايضا صياغة العلاقة بشكل قانوني بين المالك والمكاتب العقارية وتنظيم عمل السماسرة في هذا القطاع كما لابد من توافق نوعيات البناء مع الشرائح الاجتماعية المستهدفة. وارى ان على الدولة ان تشجع على الاستثمار في مجالات اخرى وتوجيه نظر المستثمرين اليها وعلى رأسها الاستثمار في المجال الصناعي ودعمه وحمايته بكل الوسائل الممكنة.. خاصة وان عودة الانتعاش للسوق العقارية سيحتاج لبعض الوقت حتى يتم تخليص السوق من المعروض الكبير للوحدات وعودة التوازن بين العرض والطلب كما انه مرتبط ايضا باستعادة ثقة المستثمرين في سوق الاسهم وعودة الانتعاش اليها من جديد.. وعلى الجهات المانحة للتراخيص التشدد في منح رخص البناء للشركات التي لايديرها أصحابها وعدم منح الرخص للموظفين لأنهم يلجأون الى المكاتب الاحتكارية التي خربت السوق. وقبل هذا كله لابد من اعادة اكتشاف واقع القطاع العقاري من جديد وعمل دراسات واقعية للسوق على نحو منتظم بعيدة عن التجميل لمعرفة احتياجات السوق بكل دقة في ضوء المعطيات التي تفرضها كل مرحلة. * وماذا تقول للملاك؟ ــ من لديه صبر وموارد اخرى يمكنه الاعتماد عليها في التمويل غير البنوك هو الذي يمكنه فقط شراء عقار في الوضع الراهن للسوق أو استثمار أمواله في شراء الاراضي نظراً لرخص العقارات والاراضي وهي بالتأكيد غير مرشحة للنمو في القريب العاجل وعليه الانتظار لتحسن الاوضاع حتى يمكنه الحصول على عائد مجز, ومن كان من المستثمرين الذين يبحثون عن المكسب السريع والاستثمارات قصيرة الاجل فعليه البحث عن مجال آخر لاستثمار امواله.