تتمثل المفارقة المتعلقة بكلينتون في أنه نادراً ما ملك رئيس زمام المسرح العام بهذا الشكل وأثر بشكل ضئيل الى هذا الحد على الاجندة العامة. وفشله المركزي لايكمن فيما قام به ــ وهو لم يكن كثيراً ــ وانما فيما تجنب القيام به عن قصد وتعمد. فبصفته أول رئيس من جيل طفرة المواليد, كانت لديه فرصة تاريخية للإعداد لتقاعد جيله. وكانت المهمة تتمثل في إعادة رسم الاتفاق السياسي بين العمال والمتقاعدين من خلال تحديث نظام الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية. لكن كلينتون لم يحاول القيام بشىء في هذا الاتجاه. والأسوأ من ذلك هو انه إعترض طريق من حاولوا القيام بذلك من الحزبين. أمور كثيرة وقعت في ثماني سنوات. ويمكن الحكم على كلينتون بانصاف فقط بناء على الأمور التي غيرها أو لربما غيرها. هل هناك أحد يعتقد بصدق انه كان السبب في انخفاض معدل الجريمة؟ أما فيما يتعلق بالازدهار الاقتصادي, فان ذلك كان ذاتي الاندفاع في الجانب الأكبر منه. وكانت مساهمة كلينتون الرئيسية هي البقاء بعيداً عما يجري. وتنطبق القصة نفسها على فائض الميزانية المذهل. وهناك حدثان كان لهما دور حاسم لا دخل لكلينتون أو الكونجرس بهما وهما انتهاء الحرب الباردة, الذي برر تخفيضات كبيرة في الميزانية الدفاعية, والازدهار الاقتصادي, الذي انتج زيادة غير متوقعة في حصيلة الضرائب. وفي السنة المالية ,2000 كان الفائض في الميزانية الاتحادية 237 مليار دولار. ومثلت التقليصات في النفقات الدفاعية والزيادة الضرائبية انتقالاً بمقدار 400 مليار دولار بعيداً عن العجز. وفي المجالات الاخرى, شغل كلينتون نفسه مع الحكومة في معظم الأحيان على غير طائل. فقد عمل على توسيع الاعفاء الضرائبي للفقراء العاملين وذلك عن طريق زيادة الاعتماد الضرائبي للدخل المكتسب. وكانت هذه خطوة جيدة. لكنه عمل أيضاً على تدمير قانون الاصلاح الضرائبي لعام ,1986 وكانت تلك خطوة سيئة. (بسط قانون عام 1986 الضرائب من خلال تخفيض معدلاتها وتقليل التخفيضات الخاصة), وبعض انجازات كلينتون التي قامت لها الدنيا ولم تقعد إعتمدت على دعم جمهوري في الكونجرس مثل اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية مع المكسيك وبرنامج (إصلاح) نظام الرفاه الاجتماعي والاتفاقية التي تقضي بقبول الصين في منظمة التجارة العالمية. ان مذهب الفعالية الرئاسية لايعتبر فضيلة تلقائية. وقد يرقى سجل كلينتون المتواضع, في بعض الظروف, الى مستوى ضبط النفس الحكيم. لكن رفضه القاطع للتعامل بذكاء مع نظام الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية يشكل زلة لاتغتفر. نحن نعلم الجانب الأكبر مما نحتاج الى معرفته, فنحن نعرف أن عدد السكان الذين تزيد أعمارهم عن 65 سيرتفع قريباً وان الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية يمثلان حالياً 40% من الانفاق الاتحادي الذي لاتدفع عليه فائدة وان هذا الانفاق مع الاعانات الحالية لابد وان يرتفع بشكل كبير, ونحن نعلم أيضاً ان الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية قد تطورا بشكل يتجاوز هدفهما الاصلي كشبكة أمان لكبار السن المعوزين. فقد أصبحا مصدر إعانة عامة للتقاعد مع ان الكثير من المتقاعدين يعتبرون أصحاء وأثرياء على نحو متزايد. وفي نهاية المطاف, نحن نعلم ان إعانات التقاعد تأتي في معظمها من الضرائب التي يدفعها العاملون الذين يتألفون بشكل رئيسي من أبناء وأحفاد المتقاعدين. وهنا تبرز أسئلة عديدة اقتصادية واجتماعية وأخلاقية هل يمكن ان تؤدي اعانات التقاعد العالية الاقتصاد أو تضغط على أبواب إنفاق حكومي هامة اخرى؟ اذا لم يكن بالامكان تحمل جميع الاعانات الموعودة, فهل سيكون من الانصاف ــ في وقت ما في المستقبل ــ تخفيضها على نحو مفاجىء؟ واذا كان بالامكان تحمل الاعانات, فهل يمكن الدفاع أخلاقياً عن حقيقة كون المتقاعدين الأكبر والأغنى معتمدين في إعالتهم بشكل كبير على العاملين الأصغر سناً والأفقر في أغلب الأحيان؟ كانت الحاجة الواضحة تكمن في تخفيف الضغوط المتوقعة وذلك برفع سن التقاعد تدريجياً ليعكس المتوسط الأطول للعمر المتوقع والمستوى الصحي المتحسن وبتقليص الاعانات المقدمة للمتقاعدين ذوي الدخل العالي (ولكن ليس الغاءها) وبتطبيق اجراءات الرعاية الطبية القائمة على المشاركة في التكلفة والتي تشجع على الاستخدام المتعقل للرعاية الصحية, والمتطلب الأوسع كان يتمثل في جعل الأمر مواتياً سياسياً لبحث هذه القضايا بدون أن يتم تصوير من يبحثها على أنه غول يكره الاجداد. إن الظروف المناسبة لهذا التحول ما كان من الممكن ان تكون مواتية أكثر وخاصة في الفترة الرئاسية الثانية لكلينتون. فالبلاد, التي تتمتع بازدهار اقتصادي, كانت في مزاج جيد. واخلاص كلينتون للضمان الاجتماعي والرعاية الطبية, اللذان أوجدهما رؤساء ديمقراطيون وزعامة كونجرس ديمقراطية, كان غير قابل للتهجم. لكن كلينتون لم يكن لديه أي من ذلك. فقد عين وتجاهل لجاناً من الحزبين. وفي عام ,1995 إقترح الجمهوريون في الكونجرس على نحو جرىء اجراء عملية اصلاح شاملة لنظام الرعاية الطبية. وبدلاً من فتح حوار, شجب كلينتون على نحو خاطىء الجمهوريين لمحاولتهم تدمير نظام الرعاية الطبية. وذهبت شعاراته الخطابية (انقذوا الضمان الاجتماعي أولاً) واقتراحاته (إعانة جديدة من الرعاية الطبية للأدوية) في الاتجاه المعاكس تماماً وهو توسع ضعيف التمييز في الاعانات المخصصة للتقاعد. بعض الاعانات الجديدة ربما تكون مبررة ولكن ليس بدون ضبط القديمة. قد لايكون دافع كلينتون أكثر تعقيداً من هذا الدافع وهو ان السياسة الناجحة تتوقف على جعل مسني الطبقة المتوسطة أكثر إعتماداً على الحكومة. لكن موقفه غير المتردد يزيل الحجة التي تقول ان فضيحة لوينسكي والمحاكمة التي استهدفت عزله منعته من مواصلة برنامجه الحقيقي. ان فشل كلينتون يعكس صورة نمطية, ربما بصورة غير عادلة, عن جيل طفرة المواليد برمته تظهره جيلاً أنانياً مستعداً لتحميل أبنائه عبىء أي مقدار للضرائب مهما كان لكي يزين تقاعده. والسبب الذي جعل قضية لوينسكي واجراءات العزل تلوح بهذا الشكل في عهد كلينتون هو وجود القليل من الأحداث غيرها, لقد أشرك البعض ورفه البعض وأغضب البعض الآخر. وقد كان غارقاً في نفسه ومليئاً بالحديث. وكانت لديه قدرة مذهلة على التفوق في المناورة على خصومه وعلى كسب تفوق سياسي قصير الاجل. لكن كل تلك الضجة والحركة تؤكد فحسب على التناقض الأكبر. فقد كان دائم الحركة ولكن نادراً ما كان يصل الى اي مكان. وكان في معظم الأحيان رئيساً لايفعل شيئاً. بقلم: روبرت صامويلسون