لايختلف اثنان على ان نشاط الصيد البحري يحظى باهتمام بالغ ودعم دائم ومباشر من صاحب السمو رئيس الدولة حفظه الله وذلك إدراكاً منه بأهمية هذا النشاط الاقتصادي الحيوي من ناحية ونظراً لارتباط النشاط بتراث وتاريخ الدولة من ناحية اخرى. ولاشك ان اقتراح البعض بأن حرفة الصيد يجب ان تقتصر على الصيادين المحترفين ويمنع منها الهواة والآخران الراغبان بتحسين مستوى دخولهم وتوفير مزيد من الأسماك للسوق اقتراح غير عملي اطلاقاً ويجب حتى استبعاد مجرد التفكير به. حيث ان مجتمع الامارات ومع ظروفه السكانية لابد وأن يشجع أية بادرة تساعد على زيادة الانتاج. والحقيقة انه اذا كانت ظاهرة الإعراض عن ممارسة نشاط الصيد نابع قرارها من الصيادين الآسيويين بغرض الضغط لزيادة الاسعار فان العقوبة المناسبة لهؤلاء الصيادين لابد وان تكون الطرد والحرمان من دخول البلاد مرة اخرى حتى يكونوا عبرة لغيرهم ويعلموا انهم في بلد لابد لهم من احترام قوانينه وانظمته وان الطمع والجشع واستغلال المستهلكين لن يحقق لهم أهدافهم التي يصبون اليها. أما اذا كان قرار الإعراض عن ممارسة نشاط الصيد نابع من ملاك السفن والقوارب وهو الاحتمال الذي نرجحه من خلال المعطيات المتوفرة ووقوف جمعية الصيادين مناصرة للسوق وللمستهلكين إيماناً منها بأن الصيادين ليسوا على حق وبأنهم يبالغون في الأسعار ويستغلون المستهلكين فان ذلك يقودنا الى نتيجة هامة وهي ظهور التناقض الواضح بين مصالح الصيادين كمنتجين للأسماك من ناحية (ونقصد بالصيادين الملاك المواطنين وليسوا العمال الاجانب) ومصالح المستهلكين للأسماك من ناحية اخرى. والحقيقة ان سوق السمك كغيره من الأسواق يتضمن سماسرة وبائعي جملة وبائعي مفرق ومنتجين ومستهلكين كما يتضمن مناقصات ومزايدات أيضاً. وان الحل الأمثل لحماية المنتجين (الصيادين) هو وضع وتقنين أرضية سعرية لكل نوع من أنواع الاسماك بحيث لاتنزل الأسعار عن هذه الأرضية السعرية ويقصد بذلك بالطبع أسعار الجملة. ويتم التقنين من سلطات حكومية عليا وليس من الجمعيات لان الجمعيات ليست جهات حكومية بطبيعتها, إلا اذا تم إعطاؤها الصبغة الحكومية الرسمية في حالات نادرة. وان حماية المنتج هنا يقصد بها حمايته من المنافسات التي تهدف الى سياسة الإغراق (اي اغراق الأسواق بالاسماك) بهدف ضرب الاسعار ومن ثم اخراج المنتجين من السوق. وان حماية المستهلكين تستدعي وضع وتقنين سقف سعري لكل نوع من أنواع الأسماك فلايحق لبائعي المفرق البيع بأعلى من ذلك السقف السعري المقنن والمحدد من السلطات الحكومية في حين يحق لهم البيع بأقل من ذلك السقف. والحقيقة ان التناقض بين مصالح المنتجين والبائعين من ناحية والمستهلكين من ناحية اخرى أمر طبيعي جداً ويحدث غالباً في كل الأسواق وليس في سوق الأسماك فحسب. ان هذا التناقض والتضارب في المصالح قد يستدعي وجود جمعيات منفصلة ترعى مصالح كل فئة بشكل منفصل. أي بمعنى آخر ان الجمعية التي ترعى مصالح مستهلكي الاسماك سوف تكون طبيعتها التعاونية مختلفة وسوف تتبع مباشرة لجمعية حماية المستهلك وقد تكون فرعاً منها ولايجوز ان يديرها ويشرف عليها صيادون منتجون ولكن لابد في ذات الوقت من أناس ذوي خبرة في الصيد لإدارتها والاشراف عليها. أما الجمعية التي سترعى مصالح الصيادين المنتجين وتجار الاسماك فهذه الجمعية لابد وان تكون طبيعتها التعاونية وأهدافها مختلفة وقد تتبع مباشرة اتحادات التجار والمنتجين (أي غرف التجارة والصناعة). وبين مصالح كلتا الجمعيتين تكون الجهات الحكومية راعية لمصلحة المجتمع وضابطة للقواعد والنظم التي تراعي مصالح كافة الأطراف ولاتغلب طرفاً على آخر. وتأتي مراعاة المصالح من قبل الحكومة في عملية تقنين الانظمة الأساسية التي تحكم عمل تلك الجمعيات واعتمادها والاشراف عليها ومتابعتها وتصحيحها وتعديلها كلما تطلب الأمر ذلك. أما فيما يخص وجود الربان (النوخذة) المواطن أو العربي فهذا أمر تفرضه الظروف الأمنية للمجتمع ولايجب ان يكون محل جدال ونقاش بحال من الاحوال. وفيما يخص عملية تعريب حرفة الصيد فهذا موضوع شرحه يطول وهو يدخل في ذات الظروف التي تحكم عملية التوطين والتعريب في القطاع الخاص بكافة إيجابياتها وسلبياتها ولايجب الخلط بينها وبين ظاهرة الاعراض عن ممارسة النشاط من قبل بعض الصيادين. بقلم: د. محمد ابراهيم الرميثي