حينما تسعى الدول والحكومات إلى الاهتمام باقتصاداتها وتنميتها انما تهدف من ذلك إلى تحقيق احتياجات المجتمع ومتطلباته وتوفير الاستقرار الاجتماعي والعيش لافراده, ويعتبر استقرار السوق التجارية وتوفير العدالة والمناخ المناسب اهم الشروط والعوامل التي تحقق تنمية الاقتصاد ونموه, وبالتالي فإن تفشي الفساد والفوضى وغياب العدالة والشفافية عوامل تؤدي إلى زعزعة اركان السوق مما ينعكس وبشكل مباشر على الاوضاع الاقتصادية بالدولة. وحينما نشخص الواقع الاقتصادي في الامارات من زاوية التشريعات وتحقيق الاستقرار في سوق الامارات, نجد ان الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية قد سعت منذ تأسيس الدولة في الثاني من ديسمبر 1971 إلى ارساء دعائم الاقتصاد الوطني من خلال تحقيق البنية التحتية والهياكل التأسيسية لاقتصاد يحقق اهداف الدولة بالاستقرار والأمن والتنمية, وفي هذا الاطار وضعت الدولة القوانين والتشريعات الاقتصادية التي تخدم اهداف التنمية وفي هذا السياق عززت من نهج الحرية الاقتصادية, او اقتصاد السوق والملكية الخاصة دعماً لحرية التجارة وحركة النشاط الاقتصادي. لقد جاءت التشريعات الاقتصادية لتؤكد على حقوق الملكية الفردية وانسيابية رأس المال, وانشاء المشاريع من قبل المواطنين والمقيمين على السواء وتحقيق العدالة بين المتعاملين في السوق المحلية بهدف ايجاد الاستقرار النفسي والاجتماعي والاقتصادي للمتعاملين فيها والامن والامان لرؤوس الاموال والاستثمارات الوطنية والاجنبية. وفي اطار السياسة الاقتصادية والتجارية الداخلية جاءت التشريعات الاقتصادية بهدف تعزيز المكانة الاقتصادية والاهمية التجارية للامارات كاحد المراكز التجارية العالمية, وجاءت مواد وبنود هذه التشريعات لتنص على حرية تحويل العملة من وطنية (الدرهم) إلى اية عملة اجنبية والعكس, دون ان تكون هناك قيود او معوقات, ثم حق التملك سواء تملك العقارات او الاسهم او كافة اشكال الملكية المنقولة وغيرالمنقولة, بما يخدم اغراض النشاط الاقتصادي والتجاري وبما في ذلك اسهم الشركات العامة والخاصة من قبل المواطنين وغير المواطنين كما حدث خلال السنوات الماضية وصولاً إلى اشاعة المناخات الاستثمارية في اطار السوق الاقتصادية المحلية. اما في علاقاتها التجارية فقد اعتمدت الدولة مبدأ الاقتصاد المفتوح او سياسة الباب المفتوح مع مختلف دول واسواق العالم, وهذه السياسة التي انتهجتها الدولة قد عززت حركة التجارة العالمية مع سوق الامارات. وشجعت حركة الاستثمارات الاجنبية والايدي العاملة من الخارج إلى الداخل, ثم كفل المشروع حرية التحويل من داخل الدولة إلى الخارج ومن الخارج إلى الداخل. وعلى الرغم من كل التشريعات والقوانين والسمات التي تتميز بها سوق الامارات وبعد مضي اكثر من تسعة وعشرين عاماً على قيام الدولة يجدر بنا ان نقيم حقيقة الاوضاع الاقتصادية من زاوية السوق التجارية وما مدى مواكبة التشريعات والقوانين الاقتصادية التي شهدتها السوق المحلية. وهنا نبرز الجوانب السلبية بغية معالجتها والعمل على تصحيح اوضاع السوق ونحن على اعتاب الالفية الثالثة. اذا كانت السنوات الماضية قد حققت الدولة فيها الكثير من الانجازات الحضارية ومنها الاقتصادية ولاسيما على صعيد البنى التحتية, فإن ضعف القوانين ومحدوديتها وغياب الآليات الصارمة في تطبيقها ومراقبة السوق قد اوجد ذلك الكثير من التشوهات الاقتصادية والتجارية التي تنعكس سلباً على مختلف الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والامنية وقد أضرت مباشرة بسمعة السوق المحلية والاقتصاد الوطني. واذا كانت الحرية الاقتصادية التي نهجتها الدولة بقصد تحقيق اهداف الاقتصاد وبالتالي المجتمع فإن ما نجده من فوضى تشهدها السوق المحلية يتطلب من الجهات المعنية مجتمعة ان يعمل على الحد منها ومنع اتساعها حتى لا تصبح ظواهر تخلق انحرافات جارفة للاقتصاد والمجتمع, وهنا نتساءل!! ما هو مفهوم الحرية الاقتصادية لدى الشرائح المختلفة في التجارة؟! ما هي حدودها؟ ما هي ابعادها؟ ما هو الهدف الذي ترمى اليه الدولة من ارساء هذه الحرية؟ كيف تواجه الدولة الافرازات السلبية للحرية الاقتصادية؟ إلى اي مدى كان للحرية الاقتصادية من انعكاساتها ايجابية خلال السنوات الماضية؟ وكيف نقيم تلك الحرية؟ او تلك الانعكاسات؟ ما هي حدود الحرية لدى المتعاملين في سوق الامارات من التجار او غيرهم؟ ما هي السياسات الاقتصادية التي يجب على الدولة اقرارها لمواجهة الانفتاح الاقتصادي العالمي, وانفتاح سوق الامارات امام المتغيرات الاقتصادية في اطار العولمة؟!! وهل الحرية الاقتصادية في نهاية الامر هي الممارسات الخاطئة والتجاوزات الخطيرة التي تضر بالاقتصاد والمجتمع؟! وهل نستطيع فصل الحرية الاقتصادية عن باقي الحريات الاخرى؟!! لقد تعاملت شرائح التجار مع مفهوم الحرية الاقتصادية التي شرعتها الدولة بموجب قوانيها وتشريعاتها على انه يجوز القيام باي نشاط تجاري بما فيه النشاطات غير القانونية والتي تطال سمعة الدولة التجارية والاقتصادية وحتى الاجتماعية والامنية. وبالتالي فإن مفهوم الحرية الاقتصادية لدى بعض هذه الشرائح انما تعني الفوضى وتجاوز القوانين والضوابط الاجتماعية والسلوكيات الاخلاقية للعمل التجاري وقد استغل هذا (البعض) غياب التطبيق الجاد لتلك القوانين وغياب او محدودية الرقابة على وتيرة العمل بالسوق إلى التلاعب والتجاوز والاستخفاف بالقوانين واللوائح وسمعة الدولة خاصة وان هذا (البعض) يسعى جاهداً لتحقيق ارباح كبيرة خلال فترة قياسية دون مراعاة لاوضاع السوق او الاقتصاد الوطني وغير معنى بالمشاكل الخطيرة التي تتمخص عن سلوكياته غير القانونية تلك. ان السياسات الاقتصادية التي اقرتها الدولة سواء على الصعيد الداخلي والمتمثلة في سياسات التجارة الداخلية والاستثمار وحرية رأس المال والايدي العاملة والتحويلات او تلك السياسات على الصعيد الخارجي بضمان حرية الاستثمارات الاجنبية إلى الداخل وضمان تحويلها دون اي معوقات, وحرية التجارة الخارجية انما جاءت هذه السياسات مكفولة بموجب القوانين والاعراف والتقاليد الاقتصادية. وجاءت هذه السياسات منسجمة مع السياسات الاقتصادية في الدول المتقدمة ومواكبة لها. كما كان هدف الدولة من تلك السياسات هو ترجمة حقيقية للتوجه نحو الحرية الاقتصادية على صعيد الداخل, والمرونة العالية على الصعيد الخارجي من خلال سياسات الباب المفتوح, وتلك السياسات قد جعلت من السوق المحلية كاهم الاسواق الاستثمارية في دول العالم. وجعلت من الامارات منطقة جذب الاستثمارات الدولية واتخذت العديد من الشركات العالمية الامارات مركز اقليمياً لها ولاسيما على نطاق الخليج ومنطقة الشرق الاوسط خاصة وان هناك مقومات ومزايا على مستوى عالمي للخدمات المالية والمصرفية وشبكة اتصالات عالمية, وشبكة مواصلات وموانىء جوية وبحرية وبرية ترتبط بدول مختلفة وتسهل انسيابية الحركة والتجارة بين الامارات ومختلف دول العالم. ولكن هذا التوجه جعل بعض المتعاملين في السوق الاماراتية سواء في النشاط الاقتصادي او التجاري يعبث خراباً وفساداً ويعبث في السوق حتى نجد ان هناك فوضى حقيقية تشكل انتقاصاً لتلك السياسات والتوجهات التي تعمل الدولة على ارسائها الامر الذي يحتم على الجهات المعنية التدخل المباشر والصريح لمعالجة تلك التجاوزات والحد من اشكال الفوضى التي سوف نأتي إلى ذكرها وتحليل ابعادها وآثارها في الحلقة المقبلة. بقلم: نجيب عبدالله الشامسي