ازداد الحديث مؤخراً عن ظاهرة القرصنة الصناعية في سوريا, بحيث ارتفع عدد الشركات الصناعية والتجارية التي أعلنت عن عمليات تقليد لمنتجاتها وماركاتها التجارية, ولذلك فانك نادراً ما تجد منتجاً سوريا، لا يحمل عبارة (احذر التقليد) في اشارة واضحة لهذه الظاهرة, فقد فوجىء العديد من الصناعيين والتجار بوجود سلع ومواد مطروحة في الأسواق الداخلية شبيهة إلى حد التطابق مع منتجاتهم من حيث الاسم والعلامة التجارية واحياناً تصل إلى البيانات المدونة على السلعة الا ان الاختلاف الوحيد الذي تحمله هو النوعية المتدنية والسيئة وأسعارها المنافسة الرخيصة والهدف منها جذب المستهلكين والزبائن وبالتالي تصريف أكبر كمية ممكنة. هذه الظاهرة التي تعرف عالمياً بالقرصنة الصناعية أو سرقة الماركات والعلامات التجارية اسهمت في تراجع مبيعات الشركات الصناعية الخاصة والاساءة لسمعتها وفق ما يقول أصحابها نتيجة هذه الأعمال غير المشروعة, وعملية القرصنة هذه تحدث احياناً بشكل اقرب إلى الشرعية, اما الشخص الذي يقوم بالتقليد يكون قد استطاع الحصول على علامة تجارية مسجلة وقريبة جداً من علامة احدى السلع المشهورة في السوق بحيث لا يستطيع المستهلك التمييز بينها وبين المنتج الأساسي, ومن جهة اخرى يقوم بعض أصحاب المنشآت الصناعية المخالفة التي يزيد عددها على 137 الف منشأة ولا تقيم وزناً لمسألة الحصول على ثقة المستهلك بانتاج سلع ووصفها ضمن نماذج صناعية تحمل علامات تجارية مسروقة ولا تفصح عن اسم المصنع او المنشأة. ويؤكد الصناعي عادل حسنين خازن غرفة صناعة دمشق ان من أهم أسباب هذه الظاهرة هو دخول فئة من الاشخاص لا علاقة لهم بالعمل الصناعي وأخلاقياته لا من قريب ولا من بعيد, فيحاول بعضهم الحاق الضرر برب العمل الذي كانوا يعملون لديه سابقاً مثلاً أو السعي نحو الكسب السريع للمال فيضعون جانباً كل اخلاقيات المهنة ويتنكرون لاعتبارات المنافسة السليمة. ويضيف حسنين ان التقليد اما ان يكون بالنموذج الصناعي أو يكون باستخدام العلامة الفارقة بشكل مماثل تماماً أو يقومون بتغير الحرف الأول منها أو الذي في المنتصف أو الاخير, الا انه مقتنع ان عراقة الصناعة السورية وما حققته من انجازات ومكانة مرموقة على المستوى الداخلي أو الخارجي يدفع بعض الاشخاص أيضاً إلى عمليات التقليد هذه كما ان التأخر في البت بالدعاوى القضائية اسهم في زيادة اعداد المقلدين الذين يعتقدون انهم يعملون دون رقيب أو متابعة. من جهة يرى الصناعي ابراهيم سكر عضو غرفة صناعة دمشق ان التقليد وبغض النظر عن سرقته للماركة أو العلامة التجارية أصبح يتناول مؤخراً بطاقة البيانات الموجودة على العبوة أو السلعة المطروحة في الأسواق, وكذلك المواصفة القياسية لها, فالمنتج المخالف يأخذ التسمية كاملة ليسيىء إلى البضاعة, موضحاً ان التقليد دوماً يكون نحو الأسوأ وليس نحو الأفضل, فعلى سبيل المثال هناك علامة مسجلة منذ سنة 1928 قام أحد المواطنين العرب بسرقتها وطرح انتاجاً باسمها فتمت ملاحقته قضائياً وسجن بسبب عمله هذا, فالتاجر الحقيقي لا تقلد ومن يفعل ذلك فيجب محاسبته, لان هذا العمل يحمل مخاطر عديدة ابرزها المتعلق بصحة المستهلك, لاسيما عندما يتعلق الامر بالمنتجات الغذائية التي تكون جودتها منخفضة إلى جانب الاضرار بسمعة الصناعة الوطنية. وحسب احصائيات خاصة فان عدد هذه المنشآت المخالفة يبلغ 37 الف منشأة, معظمها غير قادر على تحمل الاعباء المالية المتوجبة عليها جراء الترخيص والتعقيدات الادارية, والأهم محاولتها التهرب من الضرائب والرسوم الاخرى, وهي تلجأ إلى بيع انتاجها بأساليب متعددة وغير نظامية, فأحياناً يتعاقد أصحابها مع نظرائهم من المنشآت الصناعية المرخصة. هذا الانتاج بأسعار منافسة وأحياناً اخرى يلجأ البعض منهم إلى تقليد العلامات المشهورة لتشغيل منشأتهم وتحقيق ارباح مادية... وغير ذلك, لذلك فهي غير مهتمة بما تنتج وبمكانة سلعها. وحول الخطوات التي يمكن اتخاذها لمواجهة هذه الظاهرة يذكر ابراهيم السكر ان هناك قوانين صادرة منذ عام 1991 وتفي بالغرض اذا ما نفذت بشكل كامل إلى جانب التوعية بخطورة هذا العمل وعقوبة فاعله. وفي اجتماع عقد مؤخراً في وزارة التموين والتجارة الداخلية أكد بعض الحضور ان المطابع تتحمل جزءاً كبيراً في تسهيل عمليات القرصنة وانتشارها, فطباعة النموذج أو العلامة التجارية لصالح غير أصحابها له الاثر الاكبر في طرح هذه المنتجات في الأسواق, لذلك يطالب هؤلاء باتخاذ اجراءات رادعة ضد أصحاب المطابع الذين يخالفون التعليمات الناظمة لعملهم ومراقبة عملهم باستمرار وايجاد اساليب أخرى بحيث تضمن ضبط عمليات الطباعة للعلامات التجارية, فمثلاً يمكن التأكيد على عدم طبع اية علامة الا بعد تسجيل معلومات دقيقة عن صاحبها وطالبها...الخ. ويشير عادل حسنين إلى ان مهمة غرفة صناعة دمشق تنحصر في توعية الصناعيين والعاملين بهذا القطاع بمخاطر هذه الظاهرة وتجنب اثارها, ويبقى التنفيذ على القضاء فسرعة اصدار القرارات والبت في هذه الدعاوي القضائية من شأنه الاسهام في تلافي هذه الظاهرة. في دائرة حماية الملكية التابعة لوزارة التموين والتجارة الداخلية تسجل العلامات التجارية بعد التأكد من انها غير مسجلة سابقاً أو انها معطاة لاي صناعي أو تاجر, الا ان تباين التعليمات المنفذة بشأن العلامات المتشابهة سمح للبعض الحصول على علامات تجارية مشابهة لعلامات اخرى وبنفس الفئات, وهذا ما فتح الباب امام نوع اخر من التقليد والغش الذي يتعرض اليه التاجر والمستهلك معا, اما اليوم ووفق ما قاله مدير دائرة العلامات التجارية في المديرية فان هناك اجراءات مشددة تطبق عند منح أو تسجيل العلامات التجارية منعاً لحوادث الالتباس والنزاعات التي قد تحدث بين الصناعيين والتجار أو محاولة البعض استغلال شهرة بعض العلامات لتسويق انتاجه تحت مظلة علامة قريبة منها. ويحق لصاحب العلامة التي تمنح لشخص اخر أو علامة مشابهة لها تقديم اعتراض خلال مدة لا تتجاوز 60 يوماً من تاريخ اكتشاف الخطأ, حيث تحال بعد ذلك هذه الاعتراضات إلى القضاء أو بالاحرى تكون بعد هذه المدة من اختصاص القضاء أيضاً يشار إلى ان جهل بعض الصناعيين القدماء, والذين امضوا اكثر من 30 عاماً في صناعة ما, بحماية الملكية وضرورة تسجيل الماركة التي اعتادوا تسويق انتاجهم بها دفع ببعض الاشخاص إلى انتهاز ذلك وتسجيل تلك العلامات في مديرية الحماية ومطالبتهم بوقف انتاج هؤلاء. حوادث التقليد أو القرصنة التي يتعرض لها الانتاج الصناعي في سوريا كثيرة, وهي غالباً ما تحمل طابع الطرافة والغرابة, فمثلاً احد الصناعيين في مدينة حلب (شمال سوريا أمضى أكثر من 40 عاماً في صناعة النسيج فوجىء عندما تسلم تحذيراً بعدم استعمال الماركة التجارية التي صاحبت انتاجه طيلة هذه السنوات, باعتبارها ملكاً لشخص اخر منذ أشهر بينما كشف صناعي اخر ان شخصاً يقوم بشراء العبوات الفارغة لماركة زيوت ومن ثم تعبئتها بزيوت اخرى متدنية الجودة والمواصفة وبيعها على أساس انها من انتاج الشركة الاصلية.