مع بداية عام جديد ونهاية آخر تظهر الأرقام لتقيم الاداء وترسم تصور المستقبل, خاصة في الدول التي تهتم بالانجاز وتتطلع وفق خطط مدروسة لتحقيق مزيد من النمو بتعزيز الايجابيات وتلافي السلبيات وتماشيها, خاصة في القطاعات المؤثرة في اقتصاديات هذه الدول. ولعل من القطاعات المهمة في اقتصاديات دولة الإمارات قطاع الذهب حيث تعد امارة دبي احد أهم مراكز تجارة التجزئة للمعدن في العالم والتي لا تزال تحافظ على مكانتها كمدينة للذهب ورغم انفصال السوق الهندية عن سوق دبي حيث كانت الهند تستورد معظم حاجياتها من المعدن من دبي وذلك بصدور قوانين تحرير تجارة الذهب حيث كان حجم الواردات الهندية يصل إلى 80% من اجمالي حاجة السوق الهندية من الذهب الخام. وإذا كان تجار دبي لا يعترفون بالمستحيل فان هؤلاء التجار قدموا الحلول والبدائل والمتمثلة في ايجاد أسواق جديدة سواء لتصدير الخام أو المشغولات وتم زيادة حجم التصدير إلى كل من مصر وإيران, ودول افريقية وتواجد المشغولات الذهبية المحلية بالأسواق الأمريكية والأوروبية, بل ان تجار دبي استطاعوا فرض وتسويق الذهب الخليجي بالسوق المصرية وأصبح متواجداً في كل محلات الصناعة بمصر سواء عبر اقامة مصانع هناك أو بالتصدير المباشر وبالاضافة إلى ذلك تم التركيز على زيادة نسبة الترويج والمبيعات محلياً حتى وصل نصيب الفرد إلى ما يتراوح بين 30 ــ 30.3 جراماً وهو الرقم الاعلى عالمياً, بالاضافة إلى زيادة اعداد الورش والتصنيع المحلي ولهذا الغرض اقيم مجمع اعمار للذهب في دبي ليكون احدى دعائم صناعة وتجارة الذهب في الامارة. ارتفاع الطلب المحلي واذا كانت واردات الذهب في دبي قد وصلت إلى أكثر من 600 طن في بعض السنوات الماضية فان ذلك كان بفعل الطلب الهندي, ولكن بعد ابتعاد الهند وتوجهها إلى الشراء مباشرة من المنتجين تراجعت واردات دبي.. وانخفضت نسب حجم تجارة اعادة التصدير, وهو أمر لا يقلق تجار الذهب حيث ان العائد من اعادة تصدير الخام ليس كبيراً كما انه وعلى حد قول مصادر بمجلس الذهب العالمي يعد أمر شهرة فقط, اما العامل الرئيسي فهو تجارة التجزئة والتي تتربع دبي على عرشه حتى الآن. وذكر معاذ بركات المدير الاقليمي لمجلس الذهب العالمي ان واردات دبي من الذهب خلال العام 2000 تقدر بحوالي 250 طناً يتم اعادة تصدير 200 طن للخارج ويتم استخدام 50 طناً للاستهلاك المحلي, كما ان الطلب المحلي والذي تراوح بين 70 ــ 80 طناً خلال العام الماضي سجل ارتفاعاً بنسبة 9% مقارنة بالعام 1999. أسواق جديدة ويقول توفيق عبدالله رئيس مجموعة الذهب والمجوهرات في دبي اننا لا ننكر تأثير ابتعاد السوق الهندية عن الاستيراد من دبي.. نعم حدث تراجع كبير ولكن شهرة دبي ليس من هذه التجارة بل ترجع شهرتها إلى انها أهم سوق للتجزئة في المنطقة. ويضيف ان تجارة اعادة التصدير ليست مربحة بالشكل أو بالصورة التي يتصورها البعض كما ان المتعاملين بهذه التجارة عدد محدود من المحلات, ولكن تجارة التجزئة هي التي تحفظ لدبي مكانتها.. ومعظم متاجرها والتي يصل عددهم إلى 450 محلاً ومتجراً اشتهرت بتجارة التجزئة. ومع ذلك فان الهند ليست آخر الدنيا, فقد انفتحت أسواق اخرى بديلة سواء في المنطقة العربية أو خارجها وزادت حركة المبيعات إلى هذه الأسواق بشكل كبير. ويذكر معاذ بركات المدير الاقليمي لمجلس الذهب العالمي في دبي ان الأسواق الناشئة في مصر وايران ولبنان بالاضافة إلى السوق الواعدة بالعراق بعد رفع الحظر يمكن ان تكون بديلاً للسوق الهندية المفتقدة مشيراً إلى ان السوق المصرية تنمو بشكل كبير, وهي في نموها هذا تتجه إلى سوق الذهب في دبي كما ان تجار دبي بعلاقاتهم وخبرتهم بدأوا يتجهون إلى اسواق جديدة في افريقيا واوروبا واصبحت المشغولات التي تصنع في دبي تجد طريقها إلى الاسواق الاوروبية والأمريكية. (الاستهلاك المحلي) واشار بركات إلى ان هناك سياسات اخرى اتجه اليها تجار دبي منها زيادة الترويج المحلي حيث زادت في السنوات الاخيرة حصة الفرد في الامارات من الذهب سواء كان مواطناً او مقيماً ويقدر الاستهلاك السنوي للفرد بحوالي 33 جراماً وهي من اعلى النسب العالمية. وقد لعبت الحملات الترويجية دوراً بارزاً في تجارة وتوزيع الذهب محلياً, ويعتبرمهرجان دبي للتسوق ابرز حملات الترويج محلياً حيث يقوم مجلس الذهب العالمي بدعم هذا التوجه ويساند الحملات الترويجية. واشار معاذ بركات إلى ان الحملات الاخرى مثل شهر العطاء في دبي ومهرجان رمضان الشارقة كلها تصب في صالح انعاش تجارة الذهب محلياً. ودعا بركات إلى زيادة الترويج السياحي للذهب حيث وصل الاستهلاك المحلي إلى الذروة ولذلك يجب اتباع وسائل جديدة للترويج السياحي خاصة وان نسبة السياحة في الامارات تعد جيدة. وقال ان سوق دبي خاصة والامارات عامة تتميز بتنوع المنتج مما يلبي جميع الاذواق وهذا ما يؤدي إلى سهولة الترويج بين السياح, كما ان احتمالات الاستقرار السعري او حتى صعوده قد تحمل في طياتها زيادة المبيعات وهو ما يفيد طرفي العلاقة التاجر والمستهلك. تجارة المفرق واعادة التصدير ويقول المدير الاقليمي لمجلس الذهب العالمي ان تجارة اعادة التصدير للذهب الخام ليست مربحة بالشكل الذي يتصوره البعض, وان الاهم بالنسبة لتجار دبي هو تجارة المفرق والمشغولات المصنعة وان هامش الربح ضئيل في الاولى, بينما في الثانية الربح افضل, كما ان شهرة دبي هي في تجارة التجزئة, وان جهود تجارها يجب ان تنصب في المحافظة على هذه المكانة المتميزة التي وصلت اليها. التصنيع المحلي أما ابرز سمات الاعوام الماضية فقد كان زيادة التصنيع المحلي من الحلى والمشغولات الذهبية وتشير تقديرات غير رسمية إلى زيادة كبيرة في عدد الورش الصغيرة التي تعمل في صياغة الذهب في الشارقة ودبي وعجمان ويقدر عدد هذه الورش ما بين 450 ـ 500 ورشة تنتشر في الامارات الثلاث وتقع النسبة الاكبر منها في امارة الشارقة ويعمل بهذه الورش ما يتراوح بين 4 ـ 6 عمال والذين يعملون في تصنيع الخلاخل والقلائد والسلاسل بالاضافة إلى الخواتم والاقراط بسعر يتراوح ما بين 20 ـ 30 فلساً للجرام الواحد ويوجد تنافس بين اصحاب المعارض وكما تذكر مصادر تجار ومصنعين على منتجات هذه الورش. ويؤكد توفيق عبدالله ان صناعة الذهب في الامارات يجب ان تبدأ بهذه الورش الصغيرة فهي الاساس الذي يمكن ان تبدأ به أية صناعة حيث ان التكاليف (تكاليف التشغيل) تكون اقل بينما المصانع الكبيرة يمكن ان تتعثر ولكنه لا يستبعد قيام المصانع الكبيرة في المستقبل والتي تعتمد على التكنولوجيات المتقدمة مشيراً إلى ان مجمع اعمارللذهب في منطقة القوز في دبي ممكن ان يشكل بداية نهضة صناعية ونقلة نوعية في تصنيع الذهب بما يوفره من امكانيات للورش والمصنعين والعارضين ايضاً. ويقول مصنعون ان مشكلة هذه الورش كما يذكر جواد الموسوي مدير عام مصنع الفردان للذهب والمجوهرات ان بعضها يعمل بدون ترخيص وضعف الرقابة عليها ولذلك يجب ان تنظم الجهات المسئولة حملات تفتيشية عليها حتى نضمن وجود منتج يتفق مع سمعة الامارات عامة ودبي خاصة التي ارتقت فيها الصناعة الى سمعة عالمية, وأصبحت صناعة الذهب والمجوهرات المحلية لا تقل عن ارقى بيوتات الانتاج العالمي سواء من حيث التصاميم أو التصنيع. ويشير جواد الموسوي الى انه من الضروري تشجيع اقامة مصانع كبيرة حتى يمكن لنا المحافظة على مكانة الامارات التصنيعية خاصة مع وجود المنافسة من دول أخرى تعمل على اقامة مصانع حديثة مزودة باحدث التكنولوجيات لصياغة الذهب وتصنيعه, مؤكداً ان مصنع الفردان في الامارات يعتبر من المصانع الوطنية المتميزة ويؤكد الموسوي ان المصانع الوطنية تحتاج الى بعض الدعم لمواجهة ظروف التشغيل خاصة فيما يتعلق بالعمالة الماهرة مؤكداً ان جهات تراخيص العمالة يجب ان تلبي حاجتنا من هذه العمالة خاصة وانها تقع في نطاق دولة معينة والعمالة من غيرها تحتاج الى صقل وتدريب. المنافسة واوضح الموسوي اننا في دولة الامارات نفرض جمارك 4% على الواردات من المشغولات من اي مكان بينما دول اخرى مجاورة تفرض ما بين 12 ـ 15% جمارك على الواردات مما يجعل منتجاتهم تدخل اسواقنا باسعار تنافس منتجاتنا بينما تعرض الحلي والمشغولات المصنعة في الامارات في هذه البلدان باسعار عالية كنتيجة للفارق الجمركي مما يحرمنا من المنافسة السعرية, ولذلك يجب ان تكون المعاملة بالمثل حتى نضمن عدالة المنافسة. أرقام ودراسات وتشير دراسات حديثة ومنها دراسة لغرفة دبي الى انتاج المصانع العاملة في الدولة من المجوهرات الذهبية يشكل 45 % من الانتاج الاجمالي, ويوجد ما يتراوح ما بين 37 ــ 40 مصنعا يعمل بها اكثر من عشرة موظفين ويمكن تصنيفها كمصانع ذات مستوى صغير وتساهم بحوالي 38% من نسبة تصنيع مجوهرات الذهب المصنعة محليا. ويصل الانتاج السنوي للمصانع الصغيرة هذه الى 350 كيلو جراما من الذهب, بينما يصل الانتاج السنوي الاجمالي للمصانع المحلية ككل الى ما يتراوح بين 36 ـ 40 طنا من المجوهرات الذهبية. وانه مع استمرار الاحتكاك بمراكز التصنيع العالمية سيزداد تطور الانتاج المحلي وارتفاع جودته خاصة وان المصنعين يأملون في تغطية حاجات اسواق جديدة والمنافسة مع ايطاليا وسنغافورة وتريكا على هذه الاسواق وذلك عن طريق الصياغة الالكترونية التي تستخدم على نطاق ضيق حتى الآن. ويؤكد مصنعون محليون انه مع دخول هذه التقنية فسوف يسمح ذلك بانتاج نماذج ومشغولات متنوعة وبتكاليف انتاج اقل وتنوع في العيارات حيث التركيز الآن على عياري 22, 21. ويؤكد الحاج حسن الفردان ان الاستقرار السعري عامل مهم في اي نوع من التجارة, فاذا كان الامر متعلقا بالذهب او المجوهرات حيث يدفع العملاء مبالغ كبيرة فان اي اضطرابات سعرية تؤثر سلبا على اداء السوق وتوجد نوعا من الترقب والحذر وهذا ينعكس على اداء السوق. ويشير الى ان سوق الذهب في دبي تعد سوقا قوية, كما انها من انشط الاسواق, حيث تتوافر لها خبرة تجارها والذين لهم اتصالات قوية مع مراكز الذهب العالمية ولذلك فان المصنعين بالدول المجاورة يلجأون الى اتخاذ مكاتب لهم في دبي لاعادة تصدير منتجاتهم الى مختلف بقاع العالم.
