غدا يأتي تلقائيا ولكن الجودة لا تحدث تلقائيا وانما تحتاج الى تخطيط دقيق على المدى القصير والمتوسط والطويل. اذن كيف تضع المنشات خططها للمستقبل؟ وكيف تتحول هذه الخطط الى اعمال فعليه؟ هذا ما يدعو اليه المعيار الثاني من معايير نموذج الامتياز في الاعمال الخاص بجائزة الشيخ خليفة للامتياز, والذي يدعو المنشات لتبني هذا المنهج في تدرج منطقي سلس نحو الاسلوب الامثل للتخطيط الاستراتيجي واهم من ذلك تنزيله على ارض الواقع. ولعل اهم ما يميز منهج التخطيط الاستراتيجي لجائزة الشيخ خليفة للامتياز هو ان التخطيط الاستراتيجي في هذه الحالة لا يتم بمعزل عن التنفيذ كما كان الحال من قبل, ولكن على العكس يملك المنفذون ادوات التخطيط والمعلومات اللازمة حتى يقوموا بالتخطيط لاعمالهم بانفسهم وهذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكن بها ضمان اكتمال هذه الخطط وتنفيذها على ارض الواقع بتحويلها الى اعمال ومشاريع فعليه. ما هوهذا المنهج اذن وكيف يمكن تبنيه من قبل المؤسسات والشركات؟ قبل الاجابة على مثل هذه الاسئلة ينبغي اولا تحديد ثلاث مراحل اساسية ينبغي ان تمر بها المؤسسات والشركات الناجحة التي تتبنى هذا المنهج من التخطيط الاستراتيجي الذي تدعو اليه نماذج الجودة والامتياز ممثلة في جائزة الشيخ خليفة للامتياز. هذه المراحل هي: * اين نحن الآن ( الوضع الحالي للمنشاة) * أين نريد ان نكون (الوضع المستقبلي للمنشاة). * كيف سنصل الى هناك (الوسائل والاليات). المرحلة الاولى (اين نحن الان) هي عبارة عن الفحص التشخيصي الشامل للمؤسسة للتعرف على قضايا اساسية اهمها: * الاهداف الاساسية للمنشاة حين انشائها (الاهداف الاصلية). * التعرف الى اي مدى تم تحقيق هذه الاهداف في الوقت الحاضر. * ما هو شكل هذه الاهداف في المستقبل. جوانب اخرى هامة يدعو اليها معيار التخطيط الاستراتيجي ضمن النموذج التطويري للجائزة هي دراسة تحليلية لمواضع القوة الرئيسية في المؤسسة, التعرف على مواطن الضعف (فرص التحسين) وكذلك دراسة التحديات داخليا وخارجيا اضافة الى الكشف عن الفرص السانحة للمنشاة مع التحديات التي ينبغي الاستعداد لها. اما خارجيا فتقوم المنشاة بدراسة التحديات والفرص السانحة, وكذلك تحليل البيئة الخارجية للمؤسسة سياسيا واقتصاديا واجتماعياوتقنيا. هذا من شانه ان يسهم في تلمس الصورة الدقيقة للمنشاة بدراسة التحديات والفرص السانحة, وكذلك تحليل البيئة الخارجية للمؤسسة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وتقنيا. هذا من شانه كذلك ان يساعد على ترتيب الاولويات والاتجاه بالمنشاة نحو تحقيق الغايات المشار اليهافي الرؤيا والرسالة. يتبع الرسالة تحديد المجالات التي ينبغي التركيز عليها لتحقيق الغايات المشار اليها في الرسالة. تسمى مثل هذه المجالات في لغة الجودة والامتياز (عوامل النجاح الحرجة), وهذا ايضا ما يميز هذا المنهج عن المنهج التقليدي للتخطيط الاستراتيجي اذ تقوم هذه العوامل مقام (الجسر) الذي يربط كل هذه الاهداف ببعضها البعض كما توضح الوسائل التي تتخذها المنشات نحو تحقيق هذه الغايات. تعتبر العوامل الحرجة بمثابة العتبات التي تصل بين المنشاة وتحقيق غاياتها المختلفة. وجانب اخر يميز هذا المنهج هو ان التخطط والسياسات, اضافة لكونها تعتمد في صياغتها على احتياجات جميع فئات المتعاملين, فهي ايضا تقوم على معلومات مستقاة من قياس الاداء وانشطة البحوث والتعلم والابتكار. كما ان هذه الخطط لا تظل جامدة وانما تقوم المنشاة بتطويرها ومراجعتها وتحديثها للتاكد من اتساقها مع رؤيا ورسالة المنشاة. * ولكن كيف يكون ذلك كذلك؟ للتاكد من فعالية وضع السياسات والاستراتيجيات لدى المنشاة فان المعيار الثاني لجائزة الشيخ خليفة للامتياز يحتوي على اربعة معايير فرعية مرتبطة ببعضها البعض في تسلسل منطقي طبيعي ليغطي كافة الجوانب المذكورة اعلاه, فعلى سبيل المثال نجد ان المعيار الفرعي الاول: كيف تكون صياغة الرؤيا والرسالة مبنية على كافة المعلومات المناسبة, احتوى على ضرورة الاخذ بالبيانات والمعلومات الدقيقة التي تغطي متطلبات المتعاملين هذا النوع من التحليل العميق للشان الداخلي للشركة او المنشاة المعنية يهيء الادارة العليا لبداية وضع الخطط المستقبلية والتي تبنى على معلومات دقيقة تاتي من مصادر شتى كما سياتي ذكرها لاحقا. نتيجة للتحليلات التفصيلية والتشخصية حول المحاور الثلاثة اعلاه تتم صياغة الرؤيا (رؤيا العقل وليس رؤية العين) وهي باختصار الصورة التي تتشكل في اذهان القيادة العليا للاعمال عن مستقبل المنشاة ونوعية الخدمات والمنتجات او المجالات التي ستعمل فيها. الرؤيا بهذا المفهوم هي صياغة محكمة للغايات البعيدة التي ترمي قيادة المنشاة نحو تحقيقها. يتبع صياغة الرؤيا تكوين المقومات الاساسية للرسالة في اذهان القادة. * ما هي الرسالة؟ الرسالة هي تعبير ادق عن الغايات من جهة الوسائل التي تقود اليها من جهة اخرى. وفي الرسالة خطاب واضح لكافة فئات المتعاملين مع المنشاة على النحو التالي: خطاب المنشاة للعملاء او الزبائن. خطاب المنشاة للموردين من جهات خارجية يتم التعامل معها. خطاب المنشاة لاصحاب الشان من ملاك ومساهمين اوحكومة ان كانت المنشاة تعمل في القطاع العام. خطاب المنشاة للمجتمع ممثلا في البيئة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. اخيرا وليس اخراً خطاب المنشاة للعاملين وهم اهم فئات المتعاملين والمعنيين في المقام الاول بارساله. الجدير بالذكر هنا ان كثيراً من المؤسسات والمنشات في القطاعين العام والخاص تقوم بصياغة رسائل بالغة القوه في التعبير والمحسنات البديعية اللغوية ولكن لا يكون لها اي اثر على ارض الواقع, وذلك لأن مثل هذه الرسائل تقفل الخطاب الاساسي للعاملين فلا يتعاملون ولا يتفاعلون معها بل وفي معظم الاحيان لا يعرفون ما هي هذه الرسالة اذا لم يطلعهم احد عليها. هذا بلا شك منهج تقليدي عمدت نظم الجودة الشاملة على تغييره وهذا ما يدعو اليه النموذج التطويري لجائزة الشيخ خليفة للامتياز. تعتبر الرسالة لكل هذه الجهات اعلاه عن موقف المنشاة من تحقيق الجودة والامتياز في خدماتها ومنتجاتها ولكن اهم من ذلك تحديد الوسائل والاليات التي تتبعها المنشاة لتنفيذ هذه الخطط المختلفة (كما هوموضح اعلاه) اضافة للاتجاهات السائدة في السوق ومستوى الاداء في العمل والمنافسة والتشريعات والسياسات الحكومية. اي بمعنى اخر يحاول هذا المعيار الفرعي ان يقيم الكيفية التي تقوم بها الخطط الاستراتيجية على اساس الحاجات الحالية والمستقبلية وتوقعات الاطراف المعنية بالتعامل مع المنشاة. المعيار الفرعي الثاني: كيف تقوم السياسات والاستراتيجيات على اساس المعلومات المستقاه من قياس الاداء وانشطة الابتكار والبحوث والتعلم. يهتم هذا الفرع بالاسلوب الفعلي لوضع الخطط, كما يوضح الكيفية التي تقوم بها المنشاة لجمع المعلومات من مؤشرات الاداء الداخلي ويالانشطه التعليميه والانشطه التنافسية, اضافة لشرح الكيفية التي يتم بها اتخاذ القرار والدراسات التي تسبق ذلك. المعيار الفرعي الثالث: كيف تقوم المنشاة بمراجعة السياسات والاستراتيجيات وتحديثها: وهنا يجب ان يتجه تركيز المنشاة نحو اختبار فعالية سياساتها واستراتيجياتها المتبعة ومن ثم تطبيق التغييرات المناسبه مع التاكد من ضرورة اتساقها مع رؤيا ورسالة المنشاة والقيم المعمول بها, كما يجب التاكد ايضا من ايفائها باحتياجات وتوقعات الاطراف المعنيه من عملاء وموردين وعاملين. اضف الى ذلك استقاء المعلومات المناسبة من انشطة التعلم والابداع. المعيار الفرعي الرابع: كيف تقوم المنشاة بتنفيذ السياسات والاستراتيجيات من خلال اطار عام للعمليات الاساسية: وكما هو واضح من هذا السياق, عني هذا الفرع بالجانب التنفيذي والى اي مدى يمكن النزول بمثل هذه الخطط الى ارض الواقع. فبعد التعريف الكامل للسياسات والاستراتيجيات وتحديد العوامل الاساسية الخاصة بنجاح تطبيقها, ينبغي ان تتجه المنشاة نحو ايجاد اطار عام للعمليات الرئيسية للوصول الى عوامل النجاح المطلوبة, كما يتناول هذا الجانب ايضا المسالة المتعلقة بكيفية عمل المنشاة على تحديد وتخطيط العمليات الرئيسية اللازمة لتنفيذ سياساتها واستراتيجياتها. وجانب هام ايضا يتطرق له هذا المعيار الفرعي هو الكيفيه التي يتم بها تملك العاملين لاعمالهم بالا يكونوا اجراء عليها فحسب وانما اصحاب شان كذلك. وفي الختام ياتي المعيار الفرعي الخامس ليؤكد على الكيفية التي يتم بها تحسين وتحديث السياسات الاستراتيجية (بصورة منتظمة), اي بمعنى اخر كيف يتم تطوير هذه الخطط الاستراتيجية باستمرار على مر الزمن؟ وفي هذا دعوة صريحة لان تقوم المنشاة بقياس فعالية سياساتها واستراتيجياتها لضمان الفعالية والكفاءة في كل, اذ انهما مطلوبان معا. ولكن: ما هو الفرق بين الكفاءة والفعالية؟ الكفاءة هي ان تستمر المنشاة في اداء الاعمال (صحيحة) ومن المرة الاولى من رفع الانتاجية وتقليل التكلفة وازالة الهدر. اما الفعالية فهي ان تستمر المنشاة في اداء الاعمال الصحيحة وهي الاعمال التي تتجه نحو تحقيق الغايات المشار اليها في رؤيا ورسالة المنشاة والتي بدورها تقود نحو تحقيق غايات ورغبات جميع فئات المتعاملين من اصحاب شان حقيقيين (ملاك او حكومة) وعملاء (زبائن) وعاملين (موظفين) وموردين اضافة للمجتمع ككل. ولكن المفتاح الحقيقي لضمان فعالية التخطيط الاستراتيجي هو اشراك العاملين وتمليكهم لادوات المراجعة المستمرة والمنتظمة لهذه الخطط حتى تتنزل على ارض الواقع وهذا يعتمد, كما ذكرنا في مقال سابق من ضمن هذه السلسلة, على ان يتم التعامل مع العاملين ليس فقط كأيد عاملة وانما ايد وقلوب وعقول اضافة لارواح مبدعة وخلاقة تبدأ كل شي وتبرمج كل شيء وكما جاء في قول العالم الانساني الشهير كوفي: كل الاشياء برامج والمبرمج الحقيقي هو الانسان. بهذا المنهج يكون باستطاعة العاملين ان يقوموا بصياغة الرسالة الخاصة بادارتهم انطلاقا من الرسالة العامة للمنشاة ويمكن من بعد صياغة رسالة القسم انطلاقا من رسالة الادارة حتى يتسنى للفرد ان يقوم بصياغة رسالته الشخصية من رسالة المنشاة ككل, وهنا يتحقق معنى الحرية وتطابق الاهداف وهو حجر الزاوية لمنهج الجودة الشاملة والامتياز الذي تدعو اليه معايير جائزة الشيخ خليفة للامتياز خاصة الامتياز الثاني ضمن هذه المنظومة التخطيط الاستراتيجي, موضوع النقاش في هذا المقال, ونواصل الحديث عن بقية مزايا النموذج التطويري في الاسابيع المقبلة انشاء الله. كما ارجو ان انتهز هذه الفرصة السانحة لاتقدم للقاريء الكريم بالاصالة عن نفسي ونيابة عن ادارة جائزة الشيخ خليفة للامتياز بدعوة للاستفادة من النموذج التطويري لبرنامج الجائزة والذي تتضح لنا مزاياه المختلفة عبر هذه المقالات والاتصال المباشر بامانة الجائزة على الارقام الموضحة ادناه. بقلم: د. هادي محمد التيجاني مستشار الجودة والامتياز غرفة تجارة وصناعة أبوظبي