كأي مواطن عربي (بالاضافة إلى شرف الخصوصية في الانتماء), فان ما نشاهده يومياً وللحظات قليلة على شاشات التلفزيون من لقطات لفعاليات انتفاضة الأقصى المباركة للشعب الفلسطيني البطل في مواجهة غير متوازنة ضد عدو يملك واحداً من اكثر جيوش العالم همجية وعدوانية وتسليحاً, لابد ان يدفعنا للبحث عن وسيلة ــ أي وسيلة ــ للخروج من الاستكانة لحالة الشعور بالاحباط والعجز لكل العرب في خارج الوطن المحتل وهم يرون أنفسهم مكتوفي الأيدي أمام بطولات وتضحيات أبناء الشعب الفلسطيني البطل وهو يواصل انتفاضته الباسلة المتجددة بالدم دفاعاً عن مقدسات وكرامة الأمتين العربية والإسلامية منذ اكثر من شهرين وحتى الآن. ومما لاشك فيه ان مشاعر الغضب مازالت تستعر في صدر المواطن العربي وان خفتت صور التعبير العفوي العنيف للشارع العربي عنها مع مرور الأيام, في الوقت الذي لم تتراجع, بل اشتدت فيه وطأة المواجهة والمعاناة للشعب الفلسطيني المناضل بشيبه وشبابه وأطفاله بنينه وبناته, ولعل اقسى واشد هذه المعاناة واكثرها خطراً على مستقبل الانتفاضة والقضية برمتها ليست رصاصات العدو وقذائف مدفعيته التي اعتاد ان يتصدى لها الشعب الفلسطيني بصدور ابنائه منذ أكثر من خمسين عاماً وحتى الآن, بل هو خطر معاناة تأمين لقمة الخبز اليومية والعجز عن توفير ما يمكن ان يسد رمق الأسرة بصغارها وكبارها. ومن هنا يمكن لنا ان نفهم اصرار العدو الصهيوني على قطع الطرق وعزل المدن والقرى عن بعضها البعض واغلاق المنافذ كافة من اجل احكام الحصار لشل الحياة الاقتصادية بل تحطيمها ومنع وصول الغذاء والدواء والوقود إلى ابناء الشعب حتى يفتك الجوع بهم, عسى ان يكون هذا هو الحل الوحيد الذي يستطيع هذا العدو من ان ينهك عزيمة الشعب ويفت من عضده, ولتتحول الأولويات نحو البحث عن لقمة العيش بدلاً من مواصلة الانتفاضة في الوقت الذي تسير فيه خطوات المساعدات الرسمية العربية والإسلامية التي قررتها القمتين العربية والإسلامية بخطوات الروتين البطيئة التي لم ولن تلبي الحاجة الآنية لسد رمق الناس الذين يضعون أرواحهم على كف ويشدون على حجارتهم بكف أخرى. الكثيرون (وأنا واحد منهم) ممن يرغبون صادقين ان تكون مساهمتهم بدرجة أعلى من مستوى (اضعف الايمان) يتساءلون, ماذا وكيف يمكن لنا ان نقدم عملياً وفعلياً شيئاً ملموساً ومباشراً لهذا الشعب الآن؟ وكيف يمكن ان نضمن وصول ما نقدم للأفراد والعوائل بصورة مباشرة وسريعة تتجاوز روتين الإجراءات الروتينية للحكومات العربية وتستبق التأثيرات المرجوة البعيدة المدى (رغم أهميتها) لدعوات مقاطعة البضائع الأمريكية؟ ولقد كان هناك حتى الآن ممارستان غاية في الأهمية من بين كل الجهود الخيرة المبذولة لدعم الانتفاضة, الأولى, هي المبادرة الريادية الرائعة لجمعية الهلال الأحمر الإماراتي في ايفاد ممثليه إلى الأرض المحتلة والمباشرة في توصيل المساعدات للأهالي مباشرة, وبذلك فلم يتوقف دور الإمارات عند حد المساهمة الرسمية الكريمة في صندوق دعم الانتفاضة, بل وفرت شعبياً للمواطن العادي الفرصة والوسيلة لتلبية رغبته الجامحة بالمشاركة في الدعم الشعبي المباشر ميدانياً وسريعاً لشعب الانتفاضة والممارسة الثانية هي قيام المواطنين الفلسطينيين من سكان الأرض المحتلة عام 1948 بالتنادي لنصرة اشقائهم في الضفة وغزة وتسيير قوافل من الشاحنات المعبأة بالمواد الغذائية التي تبرع بها المواطنون مباشرة من بيوتهم أو قاموا بشرائها من الأسواق وملأوا بها تلك الشاحنات التي توجهت مباشرة إلى الاهالي في قرى ومدن الضفة, وهذا أمر غاية في الأهمية ليس فقط لما يؤكده من ترابط مصيري لابناء الشعب الفلسطيني مع بعضهم البعض, ولكن لان هذه الممارسة قد جاءت أيضاً من المواطن إلى المواطن مباشرة وهو الأمر الذي يؤثر بلا شك تأثيراً ايجابيا هائلاً ومباشراً على الطرفين (المانحين والمتلقين) لا يمكن نسيانه. ان حجم المعاناة اليومية لشعب الانتفاضة لا يقتصر فقط على فقدان 120 الف عامل كانوا يعملون داخل (إسرائيل) أعمالهم ودخولهم, ولكن هناك أيضاً حوالي 650 الف عامل آخر ممن كانوا يعملون في منشآت الضفة والقطاع قد باتوا بلا عمل ايضاً نتيجة توقف هذه المنشآت عن العمل في هذه الظروف, وبالتالي فان هذه الاعداد تكون قد انضمت الآن إلى 260 الف شخص كانوا يعانون اصلاً من البطالة قبل بدأ الانتفاضة, مما يعني ان ما يزيد على مليون شخص الآن لا يجدون ما يعيلون به أسرهم الذين يشكل مجموع أفرادها ثلاثة ملايين فلسطيني هم من يعيشون ويقاومون الاحتلال بالضفة وغزة متمسكين بالأرض التي يمكن ان تكون هي الوسيلة والهدف لهذه الانتفاضة اذا ما وجدت الدعم الحقيقي السريع المستمر والمباشر لأصحابها. ففي هذه الارض المعطاءة التي باركها الله, قطاع زراعي هام يساهم بنسبة 36% من الناتج المحلي الفلسطيني حيث بلغت قيمته حوالي 635 مليون دولار في عام 1998, وهو يستوعب حوالي 23% من قوة العمل ويعتبر احد أهم مكونات المدخلات الانتاجية للصناعة الزراعية الناشئة, ويولي العدو دؤوبا لضرب هذا القطاع بمختلف الوسائل من مصادرة الأرض إلى التجريف واقتلاع الاشجار وتخريب المحاصيل إلى منع المزارعين من الوصول إلى حقولهم واغلاق المنافذ امام تصدير منتجاتهم, لانه يعلم ان في هذا القطاع احد أهم مفاتيح الصمود لأصحاب الأرض الشرعيين.. ومن هنا أيضاً ندرك بوضوح هدف ومغزى العدو في منع الفلسطينيين من الوصول إلى محاصيلهم بل ونشر العديد من المواد الغذائية المفخخة قرب تجمعاتهم كما حصل قرب قرية (بتونيا) الاسبوع الماضي في واحدة من اقسى ممارسات الهمجية والتعسف في التاريخ. ان 90% من النشاط الاقتصادي في فلسطين يتمحور حول المشاريع الصغيرة أو حتى الأصغر من الصغيرة SELF EMPLOYED أو مشاريع الاقتصاد المنزلي ويحصل العاملون فيها على دخل جيد يتيح لهم حياة كريمة. واهمية هذه المشاريع عظيمة للغاية في القطاع الزراعي والصناعات الغذائية المرتبطة به اذ ان الأسر الفلسطينية تقوم منزليا بانتاج أهم المنتجات الغذائية ذات القيمة الاقتصادية الكبيرة والتي تتمتع بجودة عالية مشهودة كالزيت والزيتون والذي يتم تصنيعه منزلياً وتعبأته في صفائح (تنكات) يحرص بل ويتنافس المستهلك الفلسطيني في الداخل والخارج وكذلك اهالي بلاد الشام عامة على اقتنائها, و(تحرص) إسرائيل) في المقابل سنوياً على اغلاق المنافذ بشتى الصور والذرائع حتى يتعذر تصديرها وبيعها بهدف الحاق اكبر اذى ممكن بهذه العوائل ودفعهم للتخلي عن محاصيلهم وحقولهم في المواسم التالية ان حجم الانتاج المتوقع هذا العام من زيت الزيتون في الضفة الغربية يتراوح بين 15 ــ 20 الف طن, وتبلغ قيمتها (بافتراض ان متوسط سعر الطن من كافة انواع الزيت هو 3500 دولار فقط) ما بين 52.5 إلى 70 مليون دولار. ان الواجب يدعوا إلى الاسراع بالعمل الفوري على شراء منتوج الزيت الفلسطيني لهذا الموسم الآن ودفع قيمته مقدماً للاهالي وبذلك نوفر بين ايديهم سيولة نقدية هم احوج ما يكونوا اليها الآن لسد احتياجاتهم وستساهم في دعمهم وفي بث الحياة في النشاط الاقتصادي بمختلف قطاعاته الاخرى. وهذه المبالغ بالتأكيد ليست صدقة ولا تبرع ولكن قيمة منتوج عالي الجودة من الزيت الذي يمكن تخزينه طويلا حتى تسنح الفرصة لارساله إلى من دفع ثمن دون ادنى خوف من تلفه أو تردي نوعيته. انها دعوة موجهة إلى مؤسسات المجتمع المدني العربية من الجمعيات والهيئات والفعاليات المختلفة ان تنتهز هذه الفرصة لتقوم بواجبها وان تؤدي دورا رئيسياً في اتاحة الفرصة للمواطن العربي اينما كان للمساهمة الفعلية في دعم الانتفاضة وايصال الدعم المباشر للشعب الفلسطيني وهذا يمكن ان يتأتى من خلال تنظيم حملة وطنية لشراء الزيت والزيتون الفلسطيني مقدماً لهذا الموسم ودفع قيمته مباشرة لمنتجيه من الاهالي في فلسطين بالمبالغ التي يدفعها المواطنون العرب ثمناً لمشترياتهم التي يرغبون بها. واذا نجح هذا المشروع فان الامر يمكن ان يتسع ليشمل شراء معظم المنتجات الهامة الاخرى المماثلة كالجبن النابلسي والملبن (قمر الدين المصنوع من العنب) الخليلي وغيرها من منتجات الاراضي المحتلة الاخرى. ان وجود حركة شعبية عربية على هذا المستوى ستؤدي إلى رص الشارع العربي بصورة بسيطة وعملية خلف ابطال الانتفاضة وتوفر فرصة بديلة لاصحاب الأصوات التي تنادي بعدم جدوى المقاطعة لاظهار استعدادهم البديل في مساندة الانتفاضة من خلال دعم المنتجات الفلسطينية واذا كانت حركة استخراج الملح وصوف الماعز ولبنه التي دعا اليها المهاتما غاندي قد حققت للشعب الهندي انتصاره التاريخي على الامبراطورية البريطانية, فانه يمكن للزيت المبارك من الارض المباركة ان يحقق النصر لهذه الانتفاضة المباركة بمشاركة كل فرد منا, وليكن زيت الانتفاضة وقودها الذي لا ينضب. فهل من مستجيب؟ مازن شيحا باحث أول/ اتحاد غرف التجارة والصناعة