يعتبر التنافس الشديد بين مصانع الدواء العربية, سواء في أسواقها القطرية الضيقة أو في أسواق التصدير الممكنة لها, من أبرز المعوقات أمام الصناعة الدوائية العربية, إضافة إلى اعتمادها إلى حد كبير ـ يصل إلى 90% ـ على المواد الخام المستوردة من الأسواق الأجنبية, وعدم وجود مراكز علمية متخصصة للبحث والتطوير في المجال الصيدلاني. وحسب المعطيات الحالية لا تستطيع مصانع الأدوية العربية مجتمعة أن تمول عمليات البحث والتطوير لمستحضر دوائي جديد واحد, حيث تقدر تكلفة ذلك بنحو 300 مليون دولار! ولاتزال الصناعة الدوائية العربية تعمل بموجب تشريعات وطنية, عدا الأردن, بحيث تعطي الحماية لطريقة التصنيع فقط وليس للمنتج النهائي, مما يتيح لها التعامل بالمواد الفعالة المصنعة بطريقة تختلف عن تلك المشمولة ببراءة الاختراع, ومن ثم إنتاج أحدث الأدوية التي تتمتع بالحماية في بلدانها وتقوم بتوفيرها للمواطن العربي بأسعار معقولة تتناسب ومستوى المعيشة في البلدان العربية, وتصل في بعض الأحيان إلى 30% من سعر الدواء الأجنبي المستورد. ومن المعلوم في هذا الخصوص أن العديد من المصانع العربية يعمل بموجب تراخيص من الشركات العالمية, خصوصا في المغرب, حيث تصل النسبة إلى نحو 80%, وسوريا 70%, ومصر أكثر من 50%. ومما له علاقة بهذه الحقيقة أنه على الرغم من فروقات أسعار الأدوية ومستوى المعيشة بين دولة وأخرى, فإن متوسط استهلاك الفرد سنويا من الدواء مقدرا في دول الخليج العربي بنحو 60 دولارا, بينما في دول أخرى مثل فلسطين والسودان وموريتانيا والصومال يصل إلى 6 دولارات فقط! وعلى الرغم من عدم وجود إحصاءات دقيقة, إلا أن التقديرات تشير إلى أن الصناعات الدوائية توفر العمل لأكثر من 50 ألف مواطن عربي من مختلف التخصصات, وعلى الرغم من تواضع حجم الإنتاج الدوائي العربي الذي يبلغ نحو 5.2 مليار دولار مقارنة بالناتج الإجمالي القومي الذي يبلغ نحو 500 مليار دولار, أي ما يعادل 5.0% فقط, إلا أن الصناعات الدوائية العربية توفر أضعاف هذا المبلغ في حال اضطرت الدول العربية إلى استيراد كميات الأدوية التي تم تصنيعها عربيا, وذلك بسبب انخفاض أثمان الأدوية العربية مقارنة بالأدوية الأجنبية. وستواجه الصناعات العربية عموما, بما فيها الصناعات الدوائية, تحديات جدية في ظل النظام الاقتصادي العالمي الجديد, حيث يستند هذا النظام إلى قواعد وأنظمة تختلف وتتعارض مع الأسس التي نشأت عليها معظم الصناعات العربية. أما الصناعات الدوائية فسوف تواجه تحديا إضافيا ألا وهو ما تفرضه عليها اتفاقية حماية الملكية الفكرية المتعلقة بالتجارة المعروفة باسم (تربس), والتي جاءت كواحدة من الاتفاقيات المنبثقة عن (الجات). والحقيقة أن الانعكاسات السلبية لاتفاقية منظمة التجارة العالمية واتفاقية حقوق الملكية الفكرية عديدة وهي تمس جميع مرافق الصناعة والتجارة وقطاع الخدمات, إلا أن اتساع الآثار السلبية على الصناعة الدوائية العربية سيجعل تأثر هذه الصناعة واضحا وملموسا أكثر من القطاعات الأخرى, لأسباب أبرزها: الأهمية الخاصة للدواء في حياة الإنسان, وبراءة الاختراع, وتزايد أعداد المنتجات الدوائية وتنوعها وتجددها, وحداثة عهد التصنيع الدوائي في الوطن العربي, وضرورة التقيد التام بالمواصفات والشروط العالمية والقيود الإضافية التي تفرض على تداول الدواء. ومن ناحية أخرى لاتزال الصناعة الدوائية العربية تعاني من صدمة الانتقال إلى العمل ضمن شروط العولمة ومتطلبات منظمة التجارة العالمية, حيث لاتزال الصناعة العربية بصفة عامة للآن تتعرف على الآثار والجوانب السلبية, دون البحث في الجوانب الإيجابية ووضع استراتيجيات وآليات محددة جادة للتعامل مع المعطيات الجديدة التي تفرضها العولمة والصناعات العالمية, إضافة إلى غياب قاعدة مشتركة للتعامل مع المستجدات. ونتيجة غياب الأجندة المدروسة, وعدم استثمار المراكز القانونية للاتفاقيات الدولية, فإن ذلك سيؤدي إلى تحميل البلاد العربية عبء التزامات إضافية بما لا يعكس مصالح الصناعة العربية. فالدول العربية لاتزال تتعامل مع وجهات نظر الصناعات الأجنبية الكبرى كمسلمات, وتتبنى مركز المساوم دون تشكيل وجهة نظر تراعي المصلحة الإقليمية, وفي هذا الخصوص فإن كثيرا من نصوص الاتفاقيات الدولية التي تؤثر على الصناعات الدوائية لم يتم تفسيرها, ولم تعمل الصناعة العربية على تكوين قراءة موضوعية لتلك النصوص تراعي مصالحها. وبشكل أكثر تحديدا فقد نتج عن انضمام الأردن لمنظمة التجارة العالمية أن تبنى الأردن حزمة تشريعات تعكس متطلبات الاتفاقيات التي ترعاها المنظمة الدولية, وأهمها في ما يتصل بالصناعة الدوائية اتفاقية الجوانب التجارية المتصلة بالملكية الفكرية, ومنها ما تم تبنيه في قانون براءات الاختراع وقانون المنافسة غير المشروعة والأسرار التجارية. ولعل من المناسب أن نذكر أنه من بين الإجراءات التي تتخذ لمواجهة معوقات هذه الصناعة, إنشاء سوق عربية مشتركة للأدوية لإيجاد ترتيب تجاري إقليمي, في مواجهة التكتلات الاقتصادية العالمية وظاهرة الاندماج وتوحيد الشركات الكبرى الأجنبية, والتي ستؤثر سلبا من الناحية التنافسية على الصناعات الدوائية العربية في غياب ترتيب عربي. وهنا لابد من اعتماد نقاط مرحلية للوصول إلى هذا الهدف, مع تبني آليات محددة لتغطية المراحل الانتقالية. وكمرحلة أساسية لابد من صياغة نظام موحد للرقابة الدوائية ليتم اعتماده من قبل السلطات الصحية العربية يراعى فيه الأمن الدوائي, ثم العمل بالنظام الموحد, ثم الانتقال إلى مرحلة العمل المشترك لمنظومة السلطات الوطنية, حيث يتم اعتماد والاعتراف بالتسجيل الممنوح في أي بلد عربي لينسحب على أي بلد عربي آخر يرغب صاحب التسجيل دخوله وتسويق منتجه فيه, دون المرور بإجراءات تسجيل جديدة ومتطلبات متباينة ضمن إطار زمني سريع. ومن المفيد أيضا وجود نظام للرصد الصحي يبين بشكل مركزي الأدوية التي تدخل الأسواق العربية, بحيث يتم جمع جميع المعلومات بالمنتجات الدوائية المسجلة بما يتصل بالآثار الناتجة عن استعمالها, وأن يتم حصر وتقييم هذه المعلومات بشكل علمي ليتم التعامل في حال حدوث أية إشكالية بشكل مركزي وسريع في جميع الأسواق العربية. عدنان الكيلاني مدير الاتحاد العربي لمنتجي الأدوية والمستلزمات الطبية