اذا كنا قد تناولنا في حلقة ماضية اشكال الحروب الاقتصادية الخارجية التي تشنها الدول الاجنبية ضد دول المنطقة, فإن هناك حروبا اقتصادية فيما بين دول مجلس التعاون قد سهلت من اختراق اسواق المنطقة من قبل الدول الخارجية ومكنت اقتصاديات دول النفوذ من استغلال اسواقنا المحلية بدول المجلس. لقد كانت للحروب الاقتصادية بين الدول الاعضاء في مجلس التعاون الظاهرة منها والخافية الأثر المباشر تراجع معدلات النمو الاقتصادي, وحدوث مشاكل اقتصادية وذلك اضافة لكونها كانت العامل المهم في تسهيل النفوذ الاقتصادي الاجنبي لاسواقنا ولقد تركت هذه الحروب الاقتصادية آثارا سلبية على مسيرة العمل الاقتصادي المشترك, وكانت سببا في تعطيل العديد من المشاريع المشتركة, وشكلت عقبة رئيسية امام تنفيذ العديد من المواد التي نصت عليها الاتفاقية لدول المجلس وشكلت تلك الحروب تحديا داخليا لم يكن له مبرر وتعطيلا عن الوصول الى صيغة موحدة تشكل خطوة مهمة تمكن دول المجلس من مواجهة التحديات الخارجية سواء الحروب الاقتصادية للدول ذات النفوذ العالمي او استحقاقات المتغيرات الاقتصادية ومنها منظمة التجارة العالمية, وتداعيات العولمة الاقتصادية التي سوف تفرض حقيقة مغايرة لواقع الاقتصاد العالمي خاصة مع الألفية الثالثة. وسوف تشهد المرحلة المقبلة تدميرا فعليا لاقتصاديات العالم الثالث وللشعوب المنتمية لهذا العالم, كما سوف تحمل في طياتها بذور الفناء للاقتصاديات الضعيفة أو الهشة او سوف تظل اقتصاديات تابعة. وعلى الرغم من الأهداف التي نص عليها نظام انشاء المجلس, وكذلك بالرغم من المواد التي تضمنتها الاقتصاديات الموحدة لدول المجلس والتي تم اقرارها في عام 1981 والتي كان من المفترض ان تكون البوابة الرئيسية التي تمكن اقتصاديات دول المجلس من الدخول الى اقتصاديات العالم المتقدم, بالرغم من ذلك فإن تعطيل تنفيذ هذه الاتفاقية يؤكد على حقيقة غياب التعاون الفعلي بين منظومة دول المجلس حيث انه وحتى الآن لم تشهد الساحة الاقتصادية لدول المجلس تنفيذا فعليا لمواد وبنود هذه الاتفاقية سواء على صعيد السياسات الاقتصادية العامة, كالمالية العامة والمشاريع المشتركة, والتنسيق والتعاون الخارجي والتجارة الخارجية, او على صعيد السياسات الاقتصادية الداخلية كالسياسات النقدية وحركة التجارة الداخلية, وحرية حركة الايدي العاملة المواطنة, او التوطين او حركة رؤوس الأموال الوطنية والاستثمار وتوحيد الاسواق المالية أو التنسيق فيما بينها. إن مجلس التعاون قد انشىء ليحقق اهدافا مرحلية وذات مدى طويل تصل الى تحقيق التكامل الاقتصادية ثم يؤدي ذلك الى تحقيق الوحدة الاقتصادية والاندماج الكلي, وتلك الخطوات المرحلية هي السبيل الوحيد لمواجهة التحديات والاخطار والحروب الاقتصادية الخارجية سواء تلك التي سوف تحدث تحت مظلة منظمة التجارة العالمية, او العولمة الاقتصادية. لكن وعلى الرغم من مرور تسعة عشر عاما من قيام المجلس وكذلك اعتماد الاتفاقية الاقتصادية فإن هذه السنوات لم تتمخض عن تحقيق اهداف التعاون بعد بل شهدت السنوات الماضية حروبا اقتصادية فيما بين دول المجلس تمثلت في التجاوزات التي نهجتها بعض دول المجلس لسقف الانتاج والتصدير للنفط كما حدث في منتصف الثمانينات ادى ذلك الى اغراق السوق النفطية بالنفط الخليجي مما انعكس وبشكل مباشر على اسعار النفط والايرادات النفطية وتسبب في مشاكل اقتصادية عميقة لبعض دول المجلس وهذا يحدث على الرغم من وجود منظمة (أوابك) ومنظمة (اوبك) وعضوية دول المجلس فيهما!! اما الشكل الآخر لتلك الحروب الاقتصادية الداخلية فيتمثل في ازدواجية المشاريع الاقتصادية التي يتم تنفيذها بدول المجلس على الرغم من محدودية الطاقة الاستيعابية للطلب المحلي لدول المجلس وعدم قدرة هذه المشاريع على المنافسة في السوق العالمية, وقد ادت تلك الازدواجية في المشاريع الى حدوث مضاربات سعرية, او وضع قيود وعراقيل امام حركة السلع والبضائع ذات المنشأ الوطني, هذا على الرغم من المواد الواردة في الاتفاقية الاقتصادية والتي تنص صراحة على اهمية التنسيق في المشاريع, واقامة المشاريع المشتركة!! وهناك شكل ثالث لتلك الحروب ويتمثل في تباين الانظمة والقوانين والتشريعات الاقتصادية المعمول بها في دول المجلس والتي قد تراعي مصالح خارجية دون مراعاة مصالح اقتصاديات او رأس المال الخليجي وهذا ما يتنافى مع نصوص الاتفاقية الاقتصادية الموحدة التي تؤكد على ضرورة توحيد القوانين او التنسيق فيما بين دول المجلس عند الشروع في القوانين والانظمة الاقتصادية. كذلك تتمثل تلك الحروب وغياب التنسيق عند التعامل مع الاستثمارات الاجنبية حيث ان دول مجلس التعاون تتسابق لاستقطاب رؤوس الأموال الاجنبية دون ان تكون هناك رؤية موحدة تجاهها وخير دليل على ذلك قيام دول المجلس بسن تشريعات حول الاستثمارات الاجنبية دون ان يكون هناك تنسيق فعلى بين دول المجلس وهذا من شأنه ان يترك آثار وانعكاسات خطيرة على دول المجلس عند تنفيذ تلك القوانين اذ اعطت كل دولة وفي اطار التنافس المجموم فيما بينها على رؤوس الاموال الاجنبية مزايا واعفاءات وتسهيلات للاستثمارات الاجنبية على حساب الاستثمارات الخليجية وهذا من شأنه ان يؤدي إلى تخريب الاستثمارات الخليجية واستغلال الاستثمارات الاجنبية للاتفاقية الخليجية في ضرب المشاريع الوطنية بدول المجلس خاصة وان الاستثمارات الاجنبية سوف تتواجد في السوق الخليجية وهي مسلحة بامكانيات ضخمة, وتاريخ طويل من الخبرة ولن يكون هناك تكافؤ في المنافسة, وهنا سوف تهيمن رؤوس الاموال الاجنبية فيما سوف تخرج الاستثمارات الاجنبية لكي تمارس نشاطها في السوق الخليجية دون ضوابط او آليات من شأنه ان يلحق ضرراً كبيراً باقتصاديات دول المجلس ولكن ذلك يعكس حقيقة الصراع الاقتصادي بين دول المجلس, وهذا يحدث في ظل قيام التكتلات الاقتصادية في مختلف دول العالم فيما يشهد مجلس التعاون تحجيماً للعمل الاقتصادي الموحد من خلال منظومة المجلس!!. ان انسياق دول مجلس التعاون إلى التوقيع او الدخول في عضوية منظمة التجارة العالمية WTO بشكل انفرادي ودون ان تكون هناك رؤية مشتركة او تنسيق فعلي في الشروط او المزايا التي يفترض ان تحصل على هذه الدول من انضمامها لهذه الاتفاقية انما يعكس حقيقة الاختلاف والخلاف على الاهداف الاقتصادية في دول المجلس وخضوع دول المجلس بشروط المنظمة على النحو الذي حدث انما سوف ينعكس وبشكل خطير على الاوضاع الاقتصادية لدول المجلس وعلى مسيرة العمل الاقتصادي المشترك وهذا يعني ان الاتفاقية الخليجية الموحدة سوف لن يكون لها اثر خلال الالفية الثالثة!!. حيث اصبحت دول المجلس ملزمة بتنفيذ اتفاقياتها الموقعة مع منظمة التجارة العالمية ووفقاً للشروط التي امليت عليها من قبل المنظمة!! وخاصة بعدما تم استبعاد البترول والبتروكيماويات من شروط الاتفاقية. كذلك فإن السنوات الماضية قد شهدت تعطيلاً حقيقاً لحركة السلع والخدمات والبضائع ذات المنشأ الوطني حينما توقفت قوافل الشاحنات عند الحدود الاقليمية لبعض دول المجلس مما عكس حقيقة الاختلاف وعدم التعاون بين دول مجلس التعاون كما انه وعلى الرغم من بنود ومواد الاتفاقية الاقتصادية فهناك تعطيل وعراقيل تضعها دول المجلس امام انسيابية رؤوس الاموال الخليجية والايدي العاملة المواطنة على الرغم من ان دول مجلس التعاون تستوعب الايدي العاملة الموجودة بدول اخرى اعضاء حيث تعاني من بطالة تشكل خطراً امنياً واجتماعياً, فيما تعاني دول اخرى اعضاء في مجلس التعاون تعاني من نقص في الموارد البشرية وتعتمد على قوة عمل اجنبية لها مخاطرها الامنية والاجتماعية والاخلاقية وهذا دليل آخر على حقيقة الصراع بين دول تنتمي لمنظمة واحدة هي مجلس التعاون. ولعل سياسة الاغراق التي انتهجتها دول اعضاء في مجلس التعاون حينما عمدت إلى تصدير سلع غذائية معينة باسعار منخفضة بهدف التأثير على المصانع والشركات التي تنتج نفس السلعة انما يعبر عن حقيقة الصراع وعدم التعاون الاقتصادي الفعلي بين دول المجلس حيث تتجسد تلك السياسة كحرب اسعار بين دول يفترض ان تدرس اوضاع اسواقها قبل الشروع في توسيع حجم انتاجها خاصة في ظل محدودية الطاقة الاستيعابية لسوق محدودة!! في المرحلة المقبلة سوف تتأجج تلك الحروب سواء الخارجية او الداخلية خاصة في ظل التنافس المحموم على رقعة السوق الاستهلاكية, وخاصة في ظل التسابق المحموم على الاستثمارات الاجنبية وخاصة في ظل تفاقم عجوزات موازين المدفوعات لدول المجلس او عجز موازنات الحكومات الخليجية اذ سوف تتزايد الاعباء المادية بحكم التزايد السكاني وبروز ظاهرة البطالة في اوساط المواطنين, ثم تزايد الانفاق الرأسمالي والانفاق الحكومي خاصة على مشاريع البنية التحتية التي تحتاج إلى مستمرة, حينها سوف تتفاقم المشاكل المعيشية والاجتماعية والاقتصادية صيانة سوف تجد حكومات دول المجلس انه لا مناص من استنزاف النفط من الارض وتصديره في هيئته الاولية على الرغم من ضرورة حمايته كسلعة استراتيجية ولكونه يجسد احتياطياً للاجيال القادمة. وحينما تتفاقم المشاكل الاقتصادية سوف تجد الحكومات الخليجية انها مضطرة إلى التعامل مع الاسواق والاقتصاديات الاجنبية وفق شروط سوف يخضع لها ودون اعتبار للاوضاع الاقتصادية لدول المجلس الاخرى وسوف نجد ان الاتفاقية الاقتصادية حبراً على ورق!! العلاج: وللخروج من هذا المأزق ولتخفيف حدة الصراعات الاقتصادية فإنه لا مناص من التعامل من المتغيرات الاقتصادية الخارجية والداخلية من خلال تعزيز التكتل الاقتصادي الموحد في اطار الاتفاقية الموحدة وتفعيل اهداف مجلس التعاون الذي نص عليها نظام تأسيسه, وبالتالي فإن الخروج من هذا المأزق لا يتم الا من خلال رؤية اقتصادية موحدة تحفظ الحقوق الاقتصادية والاستراتيجية لدول وشعوب مجلس التعاون وعدم الانسياق خلف اتفاقيات اقتصادية تستهدف الاخلال بكيان المجلس واهدافه ان مسؤلية قمة التعاون مسئولية تاريخية باتخاذ قرارات تاريخية تعزز من العمل الاقتصادي الموحد وصولاً إلى تحقيق الوحدة الاقتصادية الخليجية والانطلاق نحو تحقيق تعاون وتكامل اقتصادي عربي يحقق للانسان العربي وجوده وحضوره وكرامته. نجيب عبدالله الشامسي Massar @ emirates.net.ae