يرى الخبراء الاقتصاديون ان القرارات الأخيرة التي صدرت عن قمة مجلس التعاون الخليجي التي عقدت أخيراً في المنامة وخصوصاً فيما يتعلق بمسألة العملة الخليجية الموحدة واعتماد الدولار الأمريكي بشكل خاص, كمثبت مشترك لعملات دول التعاون, يأتي بمثابة حجر الأساس نحو قيام اتحاد خليجي قوي من شأنه ان يلعب دوراً اقتصادياً وسياسيا على الصعيدين الشرق أوسطي والدولي, ويدعم هذا التوجه التقارب الحاصل في وجهات النظر حول هذه المسألة الحساسة على الرغم من بعض التحفظات التي ابدتها بعض الدول والتي يعتبرها الخبراء (شبه عادية) طالما انها لم تمس الجوهر. العملة الموحدة ويرى هؤلاء الخبراء ان التوصل إلى اعتماد العملة الخليجية الموحدة سيكون أفضل انجاز اقتصادي في مطلع الالفية الثالثة سيخلق تكتلاً اقتصادياً جديداً على الخارطة العالمية, شرط ان تسير الاجراءات المطلوبة بسرعة وأهمها ايجاد مصرف مركزي ونظام مالي ومصرفي موحدين, مع الاخذ بالاعتبار ان هذه المسألة لن تكون معقدة اذا ما اخذ بالاعتبار التجربة الأوروبية الأخيرة والمتعلقة باليورو. ويساهم في هذا الاطار ان دول التعاون باستثناء السعودية كانت تستخدم عملة واحدة وهي الروبية الهندية حتى مطلع السبعينيات عندما بدأت كل دولة تعتمد عملتها الخاصة بعد نيلها الاستقلال. ويعتبر الخبراء ان التحفظ الذي ابدته سلطنة عمان ازاء العملة الخليجية الموحدة, له مبرراته شرط الا حجر عثرة امام الاجراءات التنفيذية, مشيرين في الوقت نفسه إلى تجربة عدم دخول بريطانيا في معاهدة ماستريخت لم يحول دون اعتماد اليورو مما يجعل التحفظ العماني شبيه بهذا الموقف. الانطلاق بعد 5 سنوات وتتوقع بعض المصادر ان يتم اطلاق العملة الموحدة في غضون الاعوام الخمسة المقبلة استناداً إلى الحماس والاندفاع الذي ابدته الدول المعنية لتطبيق هذه الفكرة, لان هناك عوامل عدة ستجعل عملية تطبيقها اسهل في عملية اعتماد اليورو في أوروبا أهمها تشابه الأنظمة الاقتصادية في دول التعاون بالاضافة إلى الثقافة المشتركة والعادات والتقاليد التي يجمع فيما بينها الدين الواحد. الدولار هو المثبت المشترك وتبقى مسألة اعتماد مثبت مشترك لعملات دول مجلس التعاون هي أهم الأمور التي تساعد على تخطي العقبات التي قد تعترض هذا المشروع الضخم, وقد جاء قرار المجلس الأعلى لمجلس التعاون باعتماد الدولار الأمريكي في هذا الاطار, ليؤكد مدى الجدية في السير في هذا الطرح وازالة العقبات التي قد تعترضه. إلى ذلك تعتبر بعض المصادر ان هذا القرار يحمل في طياته مغزى هاماً يتمثل في ادراك دول التعاون, ان المرحلة الراهنة تتطلب أكثر من أي وقت مضي, تسريع الخطى نحو توحيد العملة الموحدة لمواكبة المتغيرات الاقليمية والدولية, مشيرة إلى انه على الرغم من طرح موضوع المثبت المشترك لعملات دول مجلس التعاون منذ ما يزيد على عشر سنوات, الا انه لم يتم اتخاذ قرار بشأنه الا في قمة المنامة الأخيرة, عندما تكونت القناعة بأن هذا التوقيت هو المناسب للقيام بهذه الخطوة الهامة. وأشارت إلى ان تنفيذ قرار اعتماد مثبت مشترك لعملات دول مجلس التعاون لن يكون صعباً ولكنه يحتاج فقط إلى آلية مدروسة حتى تتحقق الفوائد المرجوة من هذا القرار والتي من أهمها توفير الاستقرار النسبي للعملات الخليجية من خلال هذا المثبت موضحة ان معظم عملات دول مجلس التعاون مرتبطة بعملة واحدة وهي الدولار باستثناء الدينار الكويتي الذي يرتبط بسلة عملات لذلك سيكون تنفيذ قرار اعتماد المثبت المشترك ميسراً إلى حد ما حيث سيتم الاتفاق على سعر استرشادي تتحرك أسعار العملات الخليجية خلاله. محمد الحوسني وأكد محمد على الحوسني مدير عام هيئة المنطقة الحرة: لامارة أبوظبي (السعديات) ان قرار اعتماد مثبت مشترك للعملات الخليجية يعد خطوة أولى وأساسية وضرورية نحو توحيد هذه العملات مشيراً إلى ان هذا القرار سيعمل على تسهيل عمليات التبادل التجاري بين دول مجلس التعاون والعالم الخارجي مما سيؤدي إلى دعم الاقتصاديات الخليجية واستقرار أسعار صرف العملات الخليجية. وقال محمد على الحوسني ان وجود مثبت مشترك لأسعار عملات دول المجلس يعد خطوة ايجابية هامة ستفيد دول المجلس بصورة اكثر من ارتباط عملاتها بعملات مختلفة مؤكداً ان هذا القرار من شأنه ان يساهم على المدى المتوسط والبعيد في دعم فرص استقطاب الاستثمارات ورؤوس الأموال العالمية إلى المنطقة مشيراً إلى القرار الذي اتخذ في القمة الخليجية الأخيرة بالمنامة سيساعد على استقرار أسعار العملات الخليجية ضمن نطاق معين نظراً لان المثبت المشترك سيكون عبارة عن سعر استرشادي يمكن ان تتحرك أسعار العملات في اطاره. سليمان المزروعي واعتبر سليمان المزروعي مدير التسويق لدى مجموعة بنك الإمارات والمنسق العام لمنتدى الامارات الدولي, ان اعتماد عملة خليجية موحدة له مزايا عديدة ستنعكس بشكل ايجابي على اقتصاد دول التعاون من جهة وعلى مواطني هذه الدول من جهة ثانية. حرية انتقال الأفراد والسلع وأكد ان استخدام عملة موحدة سيلغي مسألة تبديل العملة عند الانتقال من دولة خليجية لاخرى مما يعطي حرية اكبر في انتقال الافراد بين دول المنطقة ويشجع التجارة البينية والسياحة بين دول المنطقة. وأضاف ان هذا الامر سيؤدي أيضاً إلى حرية انتقال السلع ودعم التجارة البينية معرباً عن توقعاته ان تشهد معدلاتها نمواً كبيراً. ورأى ان اعتماد العملة الموحدة سيجعل من دول المنطقة كتلة اقتصادية واحدة لها ثقلها على الخارطة العالمية بدلاً من حالة التشرذم القائمة ويعتقد بان استخدام العملة الواحدة سيدفع بدول عديدة وخاصة الاتحاد الأوروبي إلى اعادة النظر في علاقاتها الاقتصادية مع دول المنطقة التي ستكتسب ثقلاً جديداً. تجربة اليورو ودعا المزروعي إلى ضرورة الاستفادة من تجربة العملة الأوروبية الموحدة (اليورو) ومحاولة تجنب معظم السلبيات التي واجهها اليورو. تحفظ عمان ورأى عدم توقيع بعض الدول الأوروبية على معاهدة ماستريخت مثل بريطانيا والدانمارك لم يحول دون انطلاق اليورو في اشارة إلى التحفظ الذي ابدته سلطنة عمان ازاء استخدام عملة خليجية واحدة كما دعا إلى التعامل بواقعية مع السلبيات التي قد تحدث والمتمثلة بمخاطر العملة وعدم قدرتها على المحافظة على قيمتها كما حدث مع اليورو الذي فقد قيمته بسبب ضعف الاقتصادات الأوروبية موضحاً ان اليورو يعكس تركيبة الاقتصادات الأوروبية مقارنة مع الاقتصاد الأمريكي أو الاقتصاد الياباني. لكنه اعرب عن اعتقاده بان احد عوامل انخفاض اليورو نفسية بسبب عدم طرحه كعملة ملموسة في الأسواق ورأى ان اليورو قد يسترد قيمته الفعلية حين يصبح عملة قابلة للتداول من قبل ملايين الأوروبيين. الغاء الكيانات الخليجية وأضاف المزروعي ان من السلبيات الاخرى الناجمة عن استخدام عملة خليجية موحدة هو الغاء الكيانات الخليجية باعتبارها خصوصية لكل دولة مشيراً إلى ان السبب الرئيسي وراء تحفظ سلطنة عمان هو رغبتها في الحفاظ على خصوصيتها باعتبار ان العملة رمز للثقافة والعادات والتقاليد. وتابع ان هناك عوامل مشتركة تربط دول المنطقة كالعادات والتقاليد واللغة والدين مما يجعل امكانية صورة مشتركة للعملة الموحدة أمر سهل المنال. وأوضح انه يمكن استخدام صور مستوحاة من جميع بلدان المنطقة للفئات المختلفة للعملة معرباً عن امله ان يتحول حلم العملة الموحدة حقيقة واقعة في الألفية الجديدة. جاسم الشامسي وقال جاسم راشد الشامسي مدير إدارة الميزانية بوزارة المالية والصناعة ان قرار اعتماد المثبت المشترك لعملات دول التعاون خطوة هامة تجعلنا نتطلع إلى قرار آخر باعتماد عملة خليجية واحدة تنطلق في ظل العولمة والتكتلات الاقتصادية التي تعمل كثيراً على تجاوز الخلافات الاقتصادية والسياسية والتنافسية بين دول المجلس مشيراً إلى دول المجلس تعمل منذ البداية على تنظيم اوضاعها في ظل الاقتصاد العالمي عبر تحرير التجارة والخدمات المالية والرساميل العابرة للقارات. وأكد ان قرار قمة المنامة يعطي انطباعاً بأن دول المجلس استشرفت القرن الجديد برغبة حقيقية في التكامل الاقتصادي الخليجي طارحة جانباً المزاحمة فيما بينها على ان تستعيض عنها بالتكامل الاقتصادي والاتحاد والتلاحم. وأضاف ان كثيراً من الخبراء يرى الوحدة النقدية الأوروبية فرضت حتميتها من منطلق ان مزايا السوق الموحدة وثمارها لا يمكن تحقيقها ونيلها الا بعملة موحدة مشيراً إلى رأي الكاتب الفرنسي فرانسوا دي شياكر بأن اعتماد اليورو من قبل دول الاتحاد الأوروبي كان بمثابة تنازل مشترك من جانب هذه الدول عن احد أهم مظاهر السيادة الوطنية الذي يتمثل في العملة الوطنية وانطلاقاً من هذا المفهوم يكون اليورو قد ترجم بالفعل الطبيعة المزدوجة للاقتصاد العالمي المتمثلة في ظاهرة العولمة الاقليمية. وقال الشامسي انه بهذا الرأي وبالتجربة الأوروبية نستشرف قرار قمة المنامة بالتطلع لقرار اعتماد العملة الخليجية الموحدة. وأكد ان قرار اعتماد المثبت المشترك لعملات مجلس التعاون سيؤدي إلى القدرة على رسم وتنفيذ السياسة النقدية الموحدة الخاصة بدول مجلس التعاون بشكل أكثر دقة وتشجيع وتسهيل اجراء العمليات المصرفية بشكل أفضل مشيراً إلى ان القرار لم يحدد المثبت المشترك ونوعه وتركه ضمن البرنامج الزمني حسب رغبة دول مجلس التعاون أي (لا منع ولا الزام) حيث لا يمكن منع طرف من استخدام الدولار وفي ذات الوقت لا يجوز اجباره على استخدامه. وقال ان هذا المثبت يعطي القدرة على استخدام معادلة محددة تشمل بعض المؤشرات الاقتصادية في دول المجلس كمعيار لحساب سعر الصرف مثل التضخم ومعدلات أسعار الفائدة ونسبة الدين العام والناتج المحلي الاجمالي كما سيساهم في قيام سوق موحدة قوية ونشطة بدلاً من الأسواق المالية المشتقة خاصة اذا تم توحيد العملة الخليجية لاحقاً. جون برينجل من جهته قال جون برينجل مدير عام بنك لويدز تي اس بي في الإمارات ان استخدام العملة الخليجية الموحدة له عدة مزايا ايجابية اهمها دعم التجارة البينية بين دول الخليج واعرب عن توقعاته ان يسهم استخدام العملة الموحدة في زيادة حجم التبادل التجاري بين دول التعاون ككتلة اقتصادية واحدة مع الاتحاد الأوروبي. وأشار إلى ان اعتماد الدولار كمثبت للعملات الخليجية يعود إلى ارتباط الأخير بأسعار النفط الذي يباع بالدولار في الأسواق العالمية. وتوقع برينجل ان يستغرق اعتماد العملة الموحدة تمهيداً للانتهاء من الأنظمة المالية والاجراءات الاقتصادية الاخرى, مضيفاً (لا اعتقد ان دول الخليج ستعارض العملة الواحدة كما حدث في أوروبا حين عارض الأوروبيون اليورو في بداية الأمر بسبب تمسكهم بعملاتهم على اعتبارها رمزاً لهويتهم).
العملة الموحدة خطوة كبيرة نحو قيام اتحاد خليجي قوي وفاعل ، الاعتراضات لن تعرقل الاجراءات والتنفيذ يستغرق 5 سنوات
