تلقي التحولات الحادثة في قطاع الزراعة بألمانيا على كاهل الكثير من المزارعين بمشكلات اقتصادية وشخصية وأسرية في الوقت ذاته. ففضلا عن المشكلات المتمثلة في الصراع بين الاجيال والمتاعب الزوجية, ثمة الشكوك التي تلقي بظلالها على مستقبل الزراعة ذاته. وهذه كلها مشكلات كان المزارعون يناقشونها في السابق في الحانة القريبة من المنزل أو مع راعي الابرشية المحلي. أما الان فإن المزارع الذي يشعر بالقلق من كل هذه المشكلات يبحث الامر عبر الهاتف بدلا من ذلك. ويستخدم مئات المزارعين في ألمانيا حاليا خطوطا هاتفية مخصصة للدعم النفسي ويلجأون إلى مجموعات الاستشارة الاسرية الخاصة التي تنظم معظمها الكنائس المحلية. غير أن الخطوة الاولى في لجوء المزارعين لتلك الوسائل المساعدة ليست بالسهلة. ''فالعزلة المتزايدة للمزارعين تسبب مشكلات'' كما يقول هارتموت شنايدر رئيس رابطة استشارات أسر المزارعين وخدمات الدعم الهاتفي بشفالمشتات بولاية هيسين. وتتمثل المشكلات التي يواجهها المزارعون في ألمانيا حاليا في أنه بينما كان الجميع يتعاونون في العمل في المزارع في السابق فإن انتشار الالات والمعدات الزراعية اليوم جعل الرجل أو المرأة الذين يشرفون على المزارع يعملون طيلة اليوم بمفردهم. وقال شنايدر (لم يعد أمام المزارع أي شخص يمكنه التحدث إليه) . وأضاف أن كثافة العمل تزايدت مما يعني أنه لم يعد أمام المزارعين وقت ليمضونه في النادي المحلي أو لمزاولة الانشطة الاجتماعية. وقال شنايدر (يشعر المزارعون الاكبر سنا بأنهم معزولون ويساء فهمهم ويتعرضون للتهميش). وفي ضوء تدفق المواد الغذائية من كافة أنحاء العالم في وقتنا الحالي فإنهم يشعرون كأن ''أحدا لا يرغب في وجودنا''. ويقول شنايدر أن ثمة مشكلات في المزارع أيضا بسبب تبني المزارعين الاصغر سنا أفكار شديدة التباين حول الكيفية التي يجب إدارة الامور بها. ويضيف قائلا (كثيرا ما كان الناس يتجنبون التحدث عن أي من مشكلاتهم لان العوامل الاقتصادية كانت تجبرهم على قبول أقدارهم''. إلا أن الاوضاع تغيرت الان لا سيما بعد وجود بدائل من جهة الوظائف وبعد تلقي السيدات تدريبا مهنيا. وفي 24 مركزا للدعم النفسي تنتشر في أنحاء ألمانيا المختلفة, يتواجد 400 موظف حاصل على تدريب على الدعم النفسي ومستعد للتعامل مع ما يرد إليه من اتصالات يبث خلالها المزارعون شكواهم من المشكلات اليومية التي تواجههم. وتبدو بعض الحالات غريبة للغاية لا سيما لمن ينظر إليها من الخارج. ففي مزرعة بعينها ظل زوجان متخاصمين لاعوام ولا يتخاطبان إلا من خلال الرسائل الكتابية. وترد إلى المراكز اتصالات تحمل هموما من نوع آخر مثل التأقلم مع الامراض المستعصية التي تصيب فردا من الاسرة أو حتى مع محاولات انتحار. ويأتي كافة المستشارون من أسر مزارعين, ولا يبدأون في العمل إلا بعد أن يقسموا على الحفاظ على سرية ما يتلقونه من اتصالات. ''وأحيانا ما يكون مجرد الحديث كافيا, ولكن في حالات كثيرة تقدم مساعدة طويلة المدى للاسرة أو يتم إحالتها إلى معالج نفسي متخصص. وعادة ما يتردد المزارعون, بشخصياتهم المنغلقة, عند اضطرارهم للحصول على نصائح زوجية. إلا أن عددا من الكليات الزراعية بدأ في الاعوام الاخيرة في تنظيم دورات دراسية تتناول كيفية التخاطب بين الاطراف المنخرطة في الصراعات. وقال شنايدر أن ''القضايا الدينية نادرا ما تلعب دورا في الاستشارات''. ويعتمد الجانب الاجتماعي من مركز المساعدة إلى حد ما على ما إذا كان مدارا من قبل كنيسة بروتستانتية أو كاثوليكية, وإن لم تقتصر الخدمات المقدمة على أبناء الطائفة وحدهم. ويستفيد من المساعدات النفسية الهاتفية هذه على نحو خاص مزارعو المناطق الشرقية من ألمانيا لا سيما وأنها كانت غير معروفة بالنسبة لهم إبان الحكم الشيوعي المتشدد الذي انتهى عام 1989. وأدى نجاح فكرة خطوط الدعم النفسي الهاتفية إلى انتقالها إلى قطاعات أخرى. فقد أعلنت سلطات ولاية بادن- فيورتمبيرج عن تفكيرها في اعتماد فكرة تطبق بالفعل في الولايات المتحدة وتقضي بتخصيص خطوط هاتفية لتقديم الدعم النفسي للتجار وصغار المستثمرين ممن يواجهون في كثير من الاحيان مشكلات مشابهة لما يواجهه المزارعون. ـ د.ب.أ