يشير الدكتور مهاتير محمد في خاتمة كتابه المثير الى ان الكوارد التي لحقت بالعالم طيلة القرن الماضي سببها الأوروبيون ويؤكد في ذات الوقت بأن محاولات أوروبا للسيطرة على العالم سوف تفشل, كذلك محاولات احتواء الصين وآسيا لن تنجح كما ان آسيا لن تتمكن في السيطرة على العالم, ويخلص الى ضرورة التعايش بين جميع الحضارات, ويعتقد بأن وجود عالم بلا حدود هو مجرد خيال لدى البعض, وهاجم الماكينة الدعائية الأوروبية التي تبرر ما يقوم به الأوروبيون من أفعال ضد الشعوب وضد استقرار الحكومات والدول. ويقول الدكتور مهاتير في خاتمة الكتاب ان الأوروبيين ميالون للحرب ولاكتساب وامتلاك الاشياء, ولم يحدث ان مر عام واحد في تاريخهم من دون ان يكونوا مشغولين بحرب أو قتال. السلم بالنسبة لهم لايعني عدم القتال وإنما هو مجرد حالة من الحرب غير الرسمية. اليوم تراهم يقومون بانفاق الأموال على مقدرتهم الحربية فقط للاستمرار في محاربة الآخرين والتغلب عليهم. ومن حين لآخر سيقومون بالقاء قنابل وصواريخ لاشباع نزعاتهم الميالة للحرب. هذه الخصائص التي تتميز بها حضارتهم جعلتهم يطورون أكثر الآلات الحربية فعالية والمجهزة بأكثر الأسلحة قدرة على الدمار. ولهذه المعدات التي يجري تطويرها باستمرار شنوا الحرب ضد بعضهم البعض ومع كل شخص في أي مكان في العالم. تاريخهم بالتالي هو سلسلة لاتنتهي من الحروب كل واحدة منها أشد ضراوة ودماراً من التي سبقتها. وحتى قبل ان ينتهوا من واحدة يبدأون فوراً في الاعداد للحرب المقبلة تحت ذريعة مفادها انه اذا أردت السلام فلابد لك ان تستعد للحرب. اللوجستيات هي التي تحدد حجم وانتشار حروب الغزو والاستيلاء لديهم. عندما طوروا علم الملاحة عبروا المحيط الأطلسي بنجاح لم تعد هناك حدود لحروبهم. آلات ومعدات الحرب الخاصة نقلت عبر المحيطات للدخول في حروب غير متكافئة ضد شعوب أقل نزعة نحو الحرب وأضعف تسليحاً تسكن آسيا وأفريقيا والأمريكيتين. لم يتم اعطاء أي اعتبار لحقوق هذه الشعوب التي سكنت هذه الاراضي قبل قرون من وصول الأوروبيين. بالنسبة للأوروبيين فإن أي ارض تطؤها أقدامهم تعتبر مكتشفة حديثاً وبالتالي أصبحت قابلة للاحتلال. فقد اخترعوا حتى الفكرة التي تقول ان الله أرسلهم لجلب الحضارة الى الشعوب الوثنية. واذا قاوم السكان المحليون احتلالهم المتحضر فإنه ببساطة سيجري تجاهلم أو إزاحتهم من على وجه البسيطة. لقد انقرضت العديد من القبائل والأجناس التي كانت تسكن تلك المناطق مع قيام الأوروبيين بتوسيع نفوذ حضارتهم. وفي أوروبا نفسها استمروا في التنازع حول غنائمهم فيما وراء البحار. ومرة اخرى خاضوا حروباً لتقسيم واعادة تقسيم الاراضي التي استولوا عليها في كافة انحاء العالم. وبحلول العقد الثاني من القرن العشرين كانت كل مناطق الأمريكيتين وأفريقيا تحت الحكم أو الاحتلال الأوروبي. في آسيا جرى اقتسام الامبراطورية العثمانية بين البريطانيين والفرنسيين والروس. وسقطت آسيا الوسطى تحت السيطرة الروسية بينما تم تقسيم جنوب وجنوب شرقي آسيا بين البريطانيين والفرنسيين والهولنديين والأمريكيين. بقيت دول آسيوية قليلة مستقلة من بينها الصين واليابان وتايلاند. وباستنثاء اليابان التي كانت قد اتقنت تكنولوجيا آلة الحرب الأوروبية فإن الدولتين الاخريين كانتا من الضعف بحيث لم تستطيعا مقاومة الهيمنة الأوروبية. على الرغم من ضعفها فان الصين كانت تشكل مشكلة خاصة. وبمساحتها الواسعة والعدد الهائل لسكانها المجتهدين الاذكياء فإن الصين كانت من الضخامة بحيث لم تستطع أي من القوى الأوروبية استعمارها. وفشلت محاولات تحويل الصين الى الديانة المسيحية وحتى تسميمهم بمخدر الافيون. وعليه فقد اقتنع الأوروبيون باقامة مقاطعات صغيرة كانت مهمتها الأساسية تذكير الصينيين باذلالهم على أيدي الأوروبيين. ورغم حجمها ومواردها البشرية الهائلة لم تستطع الصين مقاومة الهيمنة الأوروبية ولكنها ظلت مصدر تهديد أمام السيطرة الأوروبية الكاملة وتمثل الخطر الأصفر. كانت الحرب العالمية الثانية هي نتيجة لاستمرار التنافس الأوروبي المستمر على إمبراطورياتهم. وكانت شرسة ومدمرة لأبعد الحدود واخترعوا خلالها أسلحة بعد أسلحة من أفتك الأنواع لقتل أكبر عدد ممكن من الناس. وسعى كل جانب لاختراع السلاح النهائي وهو القنبلة الذرية. وعندما استخدمت القنبلة كان من الطبيعي ان تلقى على دولة آسيوية. وحتى الأوروبيون انفسهم أصيبوا بالصدمة لرؤية حجم الدمار الذي أحدثوه. مرة اخرى سحبوا العالم بأسره في هذه الحرب وكان على كل دولة ان تقف مع أحد الجانبين. وعلى الدول التي استقلت حديثاً ان تختار بين القوتين العظميين. لم يكونوا يعرفون وقتها ولكن اتخاذ هذا الخيار ضمن فعلاً استقلال تلك الدول. كانت تواجه إغراءً من كلا الجانبين واذا حدث وأصبح أحدهما لايطاق فإنها تتحول الى الطريق الآخر وبهذه الطريقة حافظت على استقلالها. المواجهة بين الغرب الأوروبي والشرق الأوروبي بدأت وكأنها قد تستمر الى مالانهاية. ولكن فجأة انهار الأوروبيون الشرقيون وانتهت الحرب الباردة بانتصار الأوروبيين الغربيين. وبدا كأن السلم العالمي سوف يتحقق أخيراً. غير انه وكما أشير اليه سابقاً فان الأوروبيين ميالون الى الحرب, والاستيلاء والسلام بالنسبة لهم مجرد مخدر. لابد لهم من حرب ولكي يحصلوا على الحرب فإنهم لابد ان يجدوا عدواً. الان وبما ان الأوروبيين على الأقل في سلام مع بعضهم البعض فإن الوقت قد حان لكي يتجهوا نحو شعوب غير أوروبية. أصبحت المطالبة هي حرب بين الحضارات. الحضارة الأوروبية لابد ان تحارب الحضارة الكونفوشوسية والبوذية والاسلامية. واذا أزيلت من على وجه الارض فان ذلك سيشفي لبعض الوقت النزعة الاستيلائية لدى الأوروبيين. رغم ذلك يبدو ان الأوروبيين قد فقدوا شهيتهم للموت والمجد, فقد أصبحوا يخشون وصول التوابيت التي تحمل جثث جنودهم الى بلدانهم ولايحتملون عدم معرفة ما اذا كان مفقودو الحرب قد ماتوا فعلاً. فهم يريدون حرباً نظيفة يقتل فيها الاعداء فقط ويصابون. بينما يبقى جنودهم سالمين حتى يعودوا الى بلادهم وسط هالة من التمجيد والاعزاز. بناء على ذلك يجري تطوير أسلحة جديدة باستمرار يمكن اطلاقها من مسافات بعيدة دون أي خطر على الأشخاص الذين يقومون باطلاقها. ولكن بالصدفة أو التخطيط اكتشف سلاح يمكن ان يجبر العدو على الركوع على قدميه دون الحاق حتى أقل درجة ممكنة من الخطر على مستخدمه. بل وبإمكان الشخص الذي يستخدم هذا السلاح كسب بلايين الدولارات عن طريق تشغيل هذا السلاح المتمثل في النقود أو رأس المال. لقد أصبح من الممكن بشراء أو إستدانة عملات الدول ثم بيعها بعد ذلك لتخفيض قيمتها وبالتالي إفقار تلك الدول وشعوبها. ربما كانت هناك مؤامرة وربما لم تكن غير ان مراكز البحوث الأوروبية العظيمة ليست ببعيدة عن اختراع هذا السلاح المالي من اجل تحقيق النصر مع الربح. في غضون أيام كان هذا السلاح الشيطاني الذي لايبدو انه من النوع المميت قد أجبر دول شرق آسيا, التي أخذت تبرز الى الوجود بكل طموح وقوة, على الركوع والاستسلام. لقد كان أمراً غريباً رؤية هذه الدول المتعافية اقتصادياً والتي برزت في شرق آسيا متحدية سيطرة الأوروبيين على الاسواق تنهار فجأة. لقد أصاب الفشل بنوكها ومصانعها وفقد الملايين وظائفهم وأصبحوا في مواجهة الجوع والموت واندلعت أعمال الشغب وأطيح بالحكومات. غير ان عملية اخضاع واستعمار هذه الدول لم تكتمل بعد. ولإكمال العملية فان هذه الدول يجب ان تخضع للسيطرة الكاملة للأوروبيين. ولتحقيق ذلك يجرى استخدام تشكيلة متنوعة من المعدات والوسائل من أبرزها صندوق النقد الدولي. حالما تجد الدول التي هاجمها تجار العملة وسماسرة سوق الأسهم نفسها في مواجهة صعوبات مالية بحيث تصبح غير قادرة على تسديد القروض وتمويل النشاط التجاري وتفادي العجز الكبير في ميزانية الدولة واحتمال حدوث حالات إفلاس فإن صندوق النقد الدولي يتدخل عارضاً تقديم القروض. لا أحد غير الصندوق يقدم القروض واذا عرضت أية دولة تقديم الدعم لانقاذ الوضع فانها تبلغ بكل بساطة بأن تتخلى عن ذلك, فالصندوق وحده هو الذي يقدم المساعدة وخطة الانقاد. قروض الصندوق لا تأتي مجاناً فهي مرتبطة بمجموعة كبيرة من القيود. وليس أمام الحكومات سوى ان تجعل نفسها تحت السيطرة الكاملة للصندوق ولايجوز اتخاذ أية قرارات دون موافقة الصندوق. معظم هذه الدول تطورت وحققت نمواً بتقديم نوع من الحماية لنشاطاتها التجارية وصناعاتها وهذه هي الطريقة الوحيدة التي تمكنها من التنافس مع الدول الغنية المتقدمة. وبالوقوف خلف بعض الرسوم الجمركية وغيرها من الحواجز فان الدول تستطيع ليس فقط تحقيق النمو والازدهار وانما تصبح فعلياً قادرة على منافسة الدول المتطورة في الأسواق العالمية. الان الصندوق يصر على إزالة الرسوم الجمركية وفتح الاقتصاد أمام الاجانب وهم الشركات والمؤسسات الأوروبية الضخمة ذات النفوذ الواسع. ويتعين بذلك السماح لبنوكهم ومؤسساتهم بالمجيء لتعمل بحرية دون أية قيود وتقوم بشراء البنوك والشركات المحلية. السكان المحليون لايجوز تفضيلهم واعطاؤهم أولوية لأن ذلك يشكل محسوبية ومحاباة. الأجانب بل ان الأوروبيين لايعتبرون في عداد المحسوبية ويجوز تقريبهم. المحصلة النهائية لذلك هي الاستيلاء الكامل على الاقتصاد من جانب الأوروبيين. وبمجرد تحقيقهم لذلك يصبحون في موقف يمكنهم من السيطرة على السياسة كذلك في تلك الدول. في أمريكا الوسطى الحكومات تخضع لسيطرة مدراء مزارع الموز الاجانب. وليس من الصعب تصور ان تتم ممارسة هذه السيطرة بواسطة البنوك والشركات والبيوتات التجارية الكبرى المملوكة للأجانب بمجرد ان يستولى هؤلاء على كافة النشاط الاقتصادي. فعلياً فان الدول المستقلة سابقاً لن تعود مستقلة كما كانت وسوف تصبح مجرد جزء من الامبراطورية الاقتصادية الجديدة للامبرياليين الأوروبيين الجدد. في اثناء ذلك فإن ماكينتهم الدعائية الهائلة تعمل بكل قوة ووسائل إعلامهم المكتوبة والالكترونية سوف تبرر ما يقومون به من أفعال. اذا تسببت عملياتهم في تقويض استقرار المجتمعات والدول وفي حدوث مجاعة على نطاق واسع وأعمال شغب ونهب واغتصاب وقتل فان ماكينتهم الدعائية ستلقي باللوم على الضحايا وحكوماتهم. ويتم تجاهل كون هذه الدول والشعوب قد قامت بتحقيق استقرار وتطور بلدانهم بكل نجاح قبل حدوث الازمة المالية العاصفة. فهم قد حققوا كل ذلك بطريقة خاطئة اذ عملوا على تقييد المشاركة الاجنبية في انشطتهم التجارية المربحة, وتفضيل بني جلدتهم وأهلهم فهم بالتالي متهمون بالمحاباة والمسحوبية. بناء على ذلك فانهم يستحقون ان يزعزع استقرارهم ويتم افقارهم. ولابد لهم الان ان يخضعوا لمشيئة الأوروبيين. ان الأمر ليس استعماراً وانما هي مهمة ومسئولية الأوروبيين لجلب أسس وتعاليم الحضارة للسكان المحليين. لكن الصين مازالت تمثل عقبة. عندما قررت الانفتاح على العالم احتفظت بنظامها السياسي وبسيطرتها على عملتها. ونتيجة لذلك تطورت بسرعة هائلة وهي في طريقها لأن تصبح قوة دولية حقيقية يساندها اقتصاد ضخم. ولأنها لم تسمح بأن يتم تدويل عملتها لم يستطع تجار العملة تخفيض قيمتها وإفقار شعبها كما فعلوا مع الدول الاخرى في شرق آسيا. ولم يكن بالمستطاع استخدام السلاح المالي المعياري ذي المواصفات الموحدة ضد الصين. ولكن ماذا سيحصل للصين لو احتفظت عملتها بسعر صرفها كما هو بينما انخفضت اسعار عملات شرق آسيا؟ عملياً سترتفع قيمة عملتها. ولكما انخفضت قيمة عملات شرق آسيا كلما فقدت الصين المقدرة على المنافسة ضد هذه الدول. وهذا سيؤثر على النمو الاقتصادي الصيني. النمو السريع للصين جاء نتيجة لانخفاض تكلفة منتجاتها التي ظلت تغزو أسواق العالم. والدول الوحيدة التي بإمكانها منافسة الصين هي دول شرق آسيا. وعلى افتراض ان دول شرق آسيا أصبحت فعلياً تحت حكم الأوروبيين وانها استخدمت العملات المحلية ذات القيمة المنخفضة وكذلك المقدرة الانتاجية لهذه الدول لتنافس الصين, فإن مقدرة الصين التنافسية سوف تزول عندئذ. وسيتعرض تحركها السريع لكي تصبح دولة متقدمة بالكامل مع كل ما يحمله ذلك من تبعات للابطاء أو حتى التوقف. من الطبيعي ان ذلك لم يدر بخلد الأوروبيين عندما حثوا الصين على عدم تخفيض عملتها اليوان. وسواء شاءوا أم أبوا فإن أثر اليوان القوي نسبياً على العملات الاخرى لشرق آسيا كان واضحاً. فنفس الفوضى وعدم الاستقرار السياسي الذي حدث في جنوب شرق آسيا سيصيب الصين. ومع انشغال الصين ومعاناتها من مشاكل داخلية فان الغرب سيكسب الوقت الذي يمكنه من تعزيز نفوذه. وسيساعد عملية التعزيز هذه كثيراً استخدام الامكانيات الاقتصادية الهائلة لجنوب شرق آسيا. وربما تم اقناع جنوب شرق آسيا لتهاب الصين وتعتقد ان من مصلحتها الارتباط الوثيق مع الغرب لاحتواء الصين. هذه بالطبع مجرد تخيلات. فالأوروبيون تخلوا عن الأفكار الخاصة بالامبراطورية الدولية, والعولمة يمكن توقعها فقط باعتبار ان العالم قد انكمش وأصبح كتلة واحدة وساهمت سهولة الاتصالات في جعلنا جميعاً جيراناً متقاربين. ويتعين علينا الان إزالة كافة الحواجز القائمة بيننا وهي الحواجز التي تحول دون تدفق رؤوس الأموال. اما الحواجز أمام انتقال التكنولوجيا وأمام هجرة الناس فلابد ان تبقى. اذ لايمكن ان تكون هناك هجرة واسعة من الدول الفقيرة الى الدول الغنية حتى مع وجود عالم بلا حدود. هذا أمر آخر جديد تماماً. وهذا ليس هو المقصود بالتحرر والعولمة وإزالة القيود. فالأمر لايعدو ان يكون نعم لحرية انتقال رؤوس الأموال ولا لحرية انتقال التقنية والناس. القرن الآسيوي قبل أزمة العملة كان الآسيويون ممتلئين ثقة في المستقبل. القرن الحادي والعشرون كان سيصبح قرنهم أي القرن الآسيوي. الدول الآسيوية خاصة في الشرق الأقصى كانت تحقق معدلات نمو خرافية. ولم تكن تزداد غنى وثروة فقط بل كانت أكثر تقدماً كذلك فيما يتعلق بالتطور التكنولوجي والصناعي. ومع وجود مليارين من المواطنين المثابرين الأذكياء فان بامكان شرق آسيا ان تصبح قوة اقتصادية أكبر من أوروبا وأمريكا مجتمعتين. سواء كانت هناك هزة اقتصادية أو لم تكن فان هذا التصور الآسيوي للمستقبل كان يعاني من التصدع. القرن الحادي والعشرون لن يكون من نصيب أية قارة, لكنه سيكون القرن العالمي. الازمة الاقتصادية التي تسبب فيها الأوروبيون لن توقف القرن العالمي. فتيسير وسائل السفر والاتصالات من كل نوع أدت بالفعل الى ان يصبح العالم قرية صغيرة وسينكمش العالم أكثر من ذلك. سواء شئنا أم أبينا فاننا جميعاً سنجد انفسنا سائرين الى جانب بعضنا البعض, نربت على أكتاف بعضنا البعض, نحن الذين ننتمي الى كل قارة ولون وجنس. الناس سيتحركون. الحواجز الجغرافية أو تلك من صنع البشر لن توقفهم عن التحرك من دولة لأخرى. سيتحركون بأعداد قليلة في البداية ولكن الحركة ستتسارع وتتعاظم كلما تقدم القرن. الشعوب ستتراوح وتتعايش مع بعضها. أطفالها سيكونون من أبوين مختلطين لا هم بالسود ولا هم بالبيض أو السمر أو الصفر. لونهم سيصبح صعب التحديد. ثقافاتهم ستختلط كذلك. بالنسبة للكثيرين لن تكون هناك أية ديانة ينتمون اليها. وسيكون هناك صراع بين الذين يريدون ان يحتفظوا بمعتقداتهم الدينية وبين الذين يرفضون أي نوع من الروحانيات. هناك شيء واحد مؤكد, لن يكون هناك شيء قاطع وواضح مئة في المئة. كل شيء جائز ويمكن ان يحدث, محاولات البقاء متميزاً ومحدداً ستفشل.لن يكون هناك صراع بين الحضارات وانما سيتصارع الناس الذين ينتمون الى حضارات مختلفة محلياً داخل نفس الحيز الجغرافي. لكن الحضارات التي ستتصارع هي ذلك الجزء من العالم الذي ربما لايزال مرتبطاً لجزء آخر من العالم أو ربما تم دمغه فعلاً على أنه غير واضح المعالم. محاولات احتواء الصين أو آسيا لابد ان تفشل عاجلاً بل آجلاً. التقدم البشري والتطور في آسيا ربما يكون قد تعرض لعملية إبطاء بسيطة ولكن لايمكن وقفه الى الأبد. المحاولات الأوروبية للسيطرة على العالم سوف تفشل كما ستفشل كل محاولة اخرى من جانب أية حضارة أو مجموعة عرقية. من المؤكد ان الآسيويين لن يسيطروا على العالم غير انهم والشعوب المختلطة التي تعيش في آسيا سيحتلون مكانتهم المستحقة ويأخذون نصيبهم المستحق من العالم في القرن الجديد.