ركز مجلس التعاون عمله المشترك منذ البداية على التنسيق والتقارب الاقتصادي توجها نحو السوق الخليجية المشتركة.. وقد قطعنا شوطا متقدما نحو هذا الهدف واذا كان الشروع في بدء التعرفة الجمركية الموحدة ، خلال فترة قد مثل انجاز قمة الرياض فاننا نتطلع ان يكون انجاز قمة البحرين في هذه الدورة للتمهيد للاتفاق على اصدار العملة الخليجية الموحدة.. هذا مع مواصلة التقارب الاقتصادي على الصعيدين الرسمي والشعبي بين دول المجلس.. وخاصة فيما يتعلق بتسهيل الانشطة الاقتصادية لمواطنيه. هذه المقتطفات من الكلمة التي وجهها امير دولة البحرين الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة الى القمة الواحدة والعشرين لقادة دول مجلس التعاون في جلستها الافتتاحية قدر لها ان تكون عنوانا عريضا للقمة بل وحددت المسارات الرئيسية لقراراتها التي صدرت واجمع المراقبون انها كانت من ابرز القمم الخليجية الناجحة لما اتسمت به قراراتها من واقعية وحملت بين طياتها خطوات عملية تهدف الى انشاء السوق الخليجية المشتركة وتجسيد معاني ومضامين المواطنة الخليجية بكل ابعادها. ولم تغفل القمة كذلك التعامل مع القضايا العالمية الحساسة ذات الصلة الوثيقة لبرامج التنمية الخليجية مثل اسواق النفط والتكتلات الاقتصادية العالمية. والأهم من ذلك ان القمة لم تغفل مهام استشراف افاق المستقبل فحددت المهام المطلوب اداؤها في هذا المجال مستقبلا. وهكذا فانه يمكننا ان نجري قراءة أولية للقرارات الاقتصادية لقمة المنامة من خلال تتبع المسارات الاربعة التالية. ففي المسار الأول يبرز التوجه الاستراتيجية السليم لمجلس التعاون في السعي نحو انشاء السوق الخليجية المشتركة كتجسيد التكامل الاقتصادي لدول المجلس وسوف تقوم هذه السوق على ركيزتين اساسيتين الركيزة الأولى هي الجدار الجمركي الموحد أما الركيزة الثانية فهي الصلة الخليجية الموحدة. وفيما يخص الركيزة الأولى فعلى الرغم انه كان متوقعا ان تسعى دول المجلس الى تسريع الوصول الى التعرفة الجمركية الموحدة قبل حلول عام 2005 كما كان مقررا الا ان عدم الاعلان عن خطوات محددة خلال قمة المنامة لا يعني التخلي عن تحقيق هذه الهدف خصوصا اذا ما اتبعت بقية دول المجلس نفس الخطوة التي اتخذتها البحرين بالاعلان عن برنامج لبلوغ التعرفة الجمركية الموحدة بحلول عام 2003 والتي اشادت بها القمة في بيانها الختامي. كما يلاحظ ايضا ان القادة الخليجيين طالبوا في بيانهم اللجان المختصة بسرعة انجاز القواعد واللوائح اللازمة لاقامة الاتحاد الجمركي الموحد. كما يعتبر قرار القمة بوضع النظام الجمركي الموحد موضع التنفيذ بحلول عام 2002 خطوة مهمة للتمهيد لاقامة الاتحاد الجمركي الموحد قبل عام 2005 أما الركيزة الثانية في اقامة السوق الخليجية المشتركة فهي العملة الخليجية الموحدة وهي من القضايا الصعبة التي استغرقت وقتا طويلا في مناقشتها ولا غرابة في ذلك حيث اننا نلاحظ عدم انضمام دول أوروبية رئيسية مثل بريطانيا حتى الآن الى العملة الأوروبية الموحدة وذلك بالنظر الى ضرورة تسوية العديد من القضايا الحساسة قبل التوصل اليها. فالخطوة الأولى التي قررتها قمة المنامة في هذه المجال هي الاتفاق على المثبت المشترك لعملات دول المجلس وصولا الى العملة الموحدة وفقا لجدول زمني متفق عليه. ومما سوف يسهل من التوصل الى هذا المثبت كون جميع دول المجلس باستثناء الكويت تعتمد الدولار الأمريكي كسعر الاساس في تحديد قيمة عملاتها عالميا وهذا ناجم عن كون الجزء الأكبر من ايراداتها يتأتي من بيع النفط بالعملة الأمريكية. المسار الثاني الذي ركزت عليه القمة الخليجية هو تعميق المواطنة الخليجية حيث اتخذت قرارا بالسماح لمواطني دول المجلس بممارسة جميع الانشطة الاقتصادية والمهن. وسوف يحقق هذه القرار الكثير من المكاسب لمواطني دول المجلس الا ان مدى هذه المكاسب سوف يعتمد على حجم الانشطة المستثناه مرحليا وكذلك على الضوابط الموضوعة حيث اشترطت ضوابط سابقة لممارسة تجارة الجملة لمواطني المجلس الاقامة الفعلية في البلد الخليجي المزمع ممارسة النشاط فيه. وفي المسار الثالث من القرارات الاقتصادية لقمة المنامة برز تعاملها مع موضوعين اساسيين تحت عنوان واحد هو الموقف من التطورات الاقتصادية العالمية الراهنة وابرزها أسواق النفط والتكلات الاقتصادية. ففيما يخص اسواق النفط لوحظ التحول الكبير في موقف دول المجلس ولاسيما السعودية ازاء هذا الموضوع والذي ظل لما قبل اسابيع قليلة جدا يبدي استعداده للتدخل بضخ مزيد من النفط الى الاسواق فيما لو واصلت اسعار النفط الخام ارتفاعها. أما فيما يخص التكتلات الاقتصادية العالمية فقط اتخذت القمة قرارا مهما للتعامل مع هذه التكتلات من خلال اعتماد الاستراتيجية طويلة المدى لعلاقات ومفاوضات دول المجلس معها. وتكمن اهمية هذا القرار على ضوء اصرار دول المجلس بسرعة التوصل الى اتفاقية التبادل التجاري الحر مع الدول الأوروبية يقابلها تلكؤ اوروبي مستمر منذ نحو 12 عاما الامر الذي يلحق الضرر البالغ للمصالح الاقتصادية الخليجية ولاسيما صادرات الالمنيوم والبتروكيماويات. كما من المتوقع ألا تقتصر الاستراتيجية المتفق عليها على هذا الجانب بل ستسعى الى تفعيل الاستثمارات الأوروبية ولاسيما التكنولوجية في دول المجلس خصوصا ان هناك توجها خليجيا استراتيجيا للتركيز على ما يسمى بالاقتصاد الجديد. اما المسار الاقتصادي الرابع الذي ركزت عليه القمة فهو التعامل مع التحديات الاقتصادية الداخلية والخارجية المستقبلية والسعي لاتخاذ التدابير اللازمة لمواجهتها. وعلى سبيل المثال فيما يخص التحديات الداخلية المستقبلية للقضايا المتعلقة بتطوير برامج التعليم ومصادر الطاقة والمياه والمحافظة على البيئة وتطوير استراتيجيتها البحث العلمي وقد اوكل المجلس الهيئة الاستشارية مهمة دراستها وتقديم تقارير بشأنها مما يعني ان جدول اعمال الهيئة سوف يكون زاخرا خلال الفترة المقبلة ويعكس المهام الحيوية التي باتت موكلة لها في تعزيز مسيرة المجلس. اما فيما يخص التحديات الخارجية لعل اول ما يبرز هنا هو التحولات الجذرية في نمط وهيكلية الانتاج العالمي حيث بات العالم يعتمد بشكل اكبر على ما يسمى بالاقتصاد الجديد القائم على المعرفة التقنية وخاصة قطاعات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتجارة الالكترونية. وبالتالي بات امرا ملحا ان تسعى دول المجلس لوضع القواعد الاساسية التي ستمكنها من الاستفادة من هذه التطورات حيث شهد عدد من دول المجلس بالفعل مباشرات فردية هامة في هذا المجال الا ان المطلوب توحيدها بضمن استراتيجية موحدة تستفيد من الدور الاقتصادي المهم الذي تلعبه دول المجلس عالميا. ويلاحظ من مناقشة قمة المنامة وبيانها واعلانها الختاميين ان دول المجلس عازمة على تنفيذ اليات اكثر فعالية في تنفيذ ما تتخذه من قرارات خاصة ان تجربة الماضي تشير بوضوح الى تعطل تنفيذ بعض القرارات المتفق عليها. لذلك فقد ركز بيان القمة على ضرورة وضع استراتيجية خليجية موحدة في كافة المجالات مع ضرورة وضع سقف زمني لتنفيذ القرارات المتخذة سواء التنفيذية أو الاسترشادية.