يعتقد المراقبون ان الاقتصاد العالمي في حاجة الآن اكثر من اي وقت مضى إلى ان يكون منفتحاً. والسياسات التجارية هي روح الاقتصاد المفتوح, فعندما تتم معاملات تجارية بين الدول لابد ان يكون هناك اسس وقواعد متفق عليها. لكن من يضع هذه القواعد؟ وكيف ينبغي ان تكون. ظلت الولايات المتحدة واوروبا تجيب على هذه الاسئلة وحدهما طوال نصف قرن من الزمان. لكن عصر الهيمنة قد ولي وانتهي الآن فمن الذي يشارك في وضع اجابات لهذه الاسئلة. ظلت السياسات التجارية العالمية محل جدل مستمر منذ ما حدث في سياتل عام ,1999 عندما حاولت الدول الاعضاء في منظمة التجارة العالمية اطلاق جولة جديدة من المحادثات التجارية ولم تفلح في ذلك. ولم يكن سبب فشل هؤلاء المجتمعين في سياتل هو غضب المتظاهرين كما يظن الكثيرون بل يرى كثير من المراقبين ان اخفاق الطليعة الامريكية والاوروبية التي عينت نفسها وصية على التجارة العالمية في الرد على اسئلة الدول النامية وتهدئة مخاوفها هو السبب الحقيقي لاخفاق انعقاد جولة سياتل. ومنذ ذلك الحين والعملاقان القويان, الولايات المتحدة واوروبا منغمسان في نزاعات تجارية ثنائية ويختلفان حول دخول الصين في عضوية منظمة التجارة العالمية. فلا غرو اذن ان الدول النامية تبحث عن ابطال جدد وترتيبات جديدة من اجل التجارة. ولكن تحجم كثير من الدول عن الوثوق في الولايات المتحدة واوروبا في المسألة التجارية مما انعكس نمو التجارة العالمية منذ جولة اورجواي التي تمت في عام 1994. وبرغم مهمة جولة اورجواي في تحسين وتمكين صادرات الدول النامية من الوصول إلى الاسواق, فإن نصيب الولايات المتحدة واوروبا من الصادرات العالمية هو الذي ارتفع. ويعكس ذلك سرعة اكبر في نمو اقتصاديات الدول المتقدمة وخاصة الولايات المتحدة. غير ان الدعم الحمائي ودعم الاسعار ازداد ايضا مع ارتفاع نمو اجمالي الناتج المحلي لهذه الدول. على اي حال تشعر كثير من الدول النامية الآن ان حالها لم يتغير منذ جولة اورجواي للمحادثات التجارية وهي عازمة على عدم اتاحة الفرصة لحدوث ذلك مرة اخرى. ظهور نجوم جدد لقد كان ذلك سبباً في دهشة العملاقين الكبيرين, اللذين بالاشتراك مع اليابان وكندا يتفاوضان في شكل مجموعة واحدة وفي بعض الاحيان نتجت قوة غير متوقعة لدول اصغر حجماً عن طبيعة الهيئات متعددة الجنسيات التي تعمل باسلوب الاجماع التي تهيمن عليها تقليدياً الدول الكبرى. مثلاً في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وفي منظمة التجارة العالمية يحق لكل الدول ان تعترض او تمارس حق الفيتو ضد الدول الاكبر منها. واصبح بعض هذه الدول يستخدم هذا الحق الآن. المكسيك على سبيل المثال اوقفت اتفاقية منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية للاستثمارات الاجنبية في يونيو بعدم موافقتها على القواعد الجديدة للاتفاقية. فقد خشيت المكسيك ان تكون معايير العمالة والبيئة ذات العلاقة, عظيمة التشدد بالنسبة لها. كما تعمل المكسيك على التوصل إلى اتفاقية ثنائية مع الصين لانها تحتاجها لدخول منظمة التجارة العالمية. ودخول الاثنين في عضوية منظمة التجارة العالمية من اهداف السياسة التجارية الامريكية وتعطيها اولوية كبيرة. ويقول مايك مور مدير عام منظمة التجارة العالمية ان دخول الصين في عضوية المنظمة قد يكون اهم من عقد جولة محادثات تجارة عالمية جديدة. هناك قوة تجارية جديدة ايضا تظهر على الساحة العالمية هي البرازيل التي مرت بعدة تغييرات في المواقف خلال الاعوام القليلة الماضية. فقد اعتادت البرازيل ان تكون اقتصاداً كبيراً مغلقاً, وعرف عنها مناوشاتها مع كندا بشأن الدعم المحلي لشركات تصنيع النفاثات الصغيرة. ثم قررت الحكومة اجراء ثورة في قطاع الزراعة البرازيلية بقبول المحاصيل المعدلة وراثياً وتصديرها من حقولها. ومن خلال هذا التغيير في الموقف اصبحت البرازيل مرشحة كدولة هامة في محادثات التجارة العالمية في منظمة التجارة العالمية بسبب معايير زراعة وتجارة المحاصيل المعدلة وراثياً. ووقعت موافقة البرازيل وتأييدها لعقد جولة محادثات تجارية عالمية جديدة وقع الموسيقى على اذان الدول الغنية. غير ان البرازيل عندما فكرت في الامر ملياً قررت التوصل إلى اتفاق حول الزراعة يقوم على فتح اسواق الدول الغنية امام منتجاتها الزراعية كشرط لعقد جولة المحادثات الجديدة. موقف الهند وتوازي موقف البرازيل مع موقف الهند زعيمة الدول الفقيرة في محاولة ضمان الحصول على وعد من الولايات المتحدة واوروبا بفتح اسواقها امام منتجات الفقراء في جولة اورجواي. وكان على الدول الغنية ان توافق على فتح اسواقها امام منتجات الدول الفقيرة من المنتجات الزراعية والمنسوجات وترحب بذلك مقابل ان تعيل الدول الفقيرة معايير دولية لحقوق الملكية الفكرية. وكان المفترض ان يعني ذلك رفع الدعم عن الصادرات التي تجعل المحاصيل رخيصة بصورة غير طبيعية في الأسواق العالمية وفي كل من الولايات المتحدة وأوروبا لكن بالرغم من وجود جدول زمني لدى الولايات المتحدة لرفع هذا الدعم وتعتزم أوروبا أيضاً تنفيذ نفس الاجراء, لم يقترح أي منهما ازالة الدعم إلا بعد فترة طويلة عندما يقررا أن هناك حاجة لعقد جولة محادثات تجارية عالمية اخرى. وفي الوقت نفسه بدأت الدول الغنية تعاني من آثار تطبيق معايير الملكية الفكرية التي تعود عليها بالضرر. فقد قررت الهند مثلاً ان المعرفة الخاصة بالعلاج بالأعشاب يرجع الى الطب التقليدي الهندي وتحاول منع الشركات الغربية من استخدام مواد كيماوية لتصنيع نفس الأنواع من الأدوية دون ان تدفع رسوماً لقاء ذلك للهند. قد يبدو ذلك مؤسفاً بالنسبة للدول الغنية لكنه أيضا مؤشر على ان الدول النامية عازمة على ان تحقق أكبر استفادة ممكنة من هذا النظام. كما حققت مصر وجنوب أفريقيا نوعاً من التفوق, رغم انهما تتحولا الى نجوم كبيرة في هذا المجال لكن لديهما ما يكفي لفرض ما ارادتهما مثل الصناعات المتقدمة ونسبة المتعلمين وانظمة قانونية قوية نسبياً وبنية تحتية جيدة تجعلهما تختلفان عن بقية الدول النامية. وتجمعت دول اخرى مع بعضها في تنظيم واحد حتى يكون لها قوة مماثلة. هناك مثلاً مجموعة جيرنز التي تضم كندا ومصدري المحاصيل من دول الباسفيكي وأمريكا اللاتينية, التي حذت حذو الأمريكيين والأوروبيين, وطرحت اقتراحات لاجراء اصلاح زراعي. استيقاظ العمالقة النائمة حتى أكثر الدول تحفظاً مثل البرازيل والهند والمكسيك سوف تشعر بالخجل عندما تدخل الصين في عضوية منظمة التجارة العالمية وعندئذ سوف تواجه الولايات المتحدة وأوروبا احتمال ان تلعب الصين دوراً رئيسياً. ولاتزال حيثيات دخول الصين في عضوية المنظمة قيد الجدل بسبب التطرق الى قضايا تقنية وخلافات حول الجدول الزمني لتطبيق الاتفاقيات التجارية. ولاتريد الصين ان تقبل تقديم مزيد من الالتزامات مقارنة بالدول النامية الاخرى بشأن حرية التجارة وتريد أن تكون مثل الدول النامية التي تعاملها منظمة التجارة العالمية معاملة خاصة. لكن أوروبا والولايات المتحدة تصران على ان الصين ليست دولة نامية عادية. لكن المحادثات التي جرت مؤخراً في جنيف انتهت الى الاتفاق على غالبية القضايا الخلافية بشأن دخول الصين في العضوية. وتقول مصادر أمريكية وأوروبية ان الصين يمكن ان تحصل على العضوية مع بداية هذاالعام. وقد لايكون هذا التفاؤل محله حتى مع التحفظ, على وضع القضايا الفنية التي لاتزال عالقة في الاعتبار. لكن أكثر الاشارات ايجابية على ان الصين سوف تدخل في عضوية المنظمة تأتي من خارج الصين ذاتها. وقد استأنفت روسيا التي يدور حول عضويتها جدل كبير أيضا, محادثاتها مع أمريكا وكندا وأوروبا بعد سبع سنوات من تقدمها بالطلب, ساد فيها حكم ديمقراطي غالبية هذه الفترة. وتخلف روسيا كثيراً عن الصين في عضوية منظمة التجارة العالمية سوف يكون أمراً محرجاً لها ويعزلها أيضا عن المنظمة التي تتحكم في معايير التجارة الدولية. وفي القريب العاجل قد تصبح منظمة التجارية العالمية مثل مجلس الأمن الدولي حيث يتمتع جميع الاعضاء بحق الاعتراض (الفيتو). ويقول مايك مور عن ذلك أن طريقة الاجماع في قرارات المنظمة هي سلاح ذو حدين, فيه القوة والضعف في نفس الوقت. وفي ظل نظام الاجماع نجد من الغريب ان تعلن الممثلة التجارية الأمريكية والمفوض التجاري الأوروبي من قبل عن اتخاذ الترتيبات اللازمة لعقد جولة المحادثات التجارية العالمية الجديدة, خاصة عقب فشل جولة سياتل. جاذبية الترتيبات الاقليمية ومايزيد الامر تعقيداً ويصعب المفاوضات التجارية هو ان منظمة التجارة العالمية لم تعد الساحة الوحيدة للمفاوضات التجارية. لقد انتعشت الاتفاقيات الثنائية والاقليمية خلال العقدين الماضيين وأدى ذلك الى آثار متضاربة. ورغم ان الاتفاقيات التجارية بين مجموعات من الدول قد تؤدي الى تعزيز حرية التجارة وتعقيدها, فقد تضربها أيضا عن طريق تشتيت التجارة بعيداً عن المنتجين الأعلى كفاءة. وانتقد مايك مور بعض الدول بسبب التفافها على منظمة التجارة العالمية للتوصل الى اتفاقيات خاصة بها. لكن اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية ومنطقة التجارة الحرة بين استراليا ونيوزيلاندا تصبان في قناة التأثيرات الايجابية على حرية التجارة, بمعنى انهما أديا الى زيادة التجارة بين الاعضاء في الاتفاقيتين وخارجهما أيضا. في الوقت نفسه يعتقد بعض المراقبين ان اتفاقية التجارة الحرة )ميركوسر( التي تشمل الارجنتين والبرازيل وباراجواي واروجواي أدت الى تشتيت التجارة. ورغم عدم وجود بيانات عن آثار اتفاقيات اليابان التجارية الثنائية, فان كلا من الممثلة التجارية الأمريكية والمفوض التجاري الأوروبي يرحبان بهما في اطار تعزيز التجارة الحرة وفقاً لنظام منظمة التجارة العالمية. وهناك اتفاقية ثنائية مثيرة للجدل هي التي توصلت اليها الولايات المتحدة مع الاردن لأن الولايات المتحدة تعهدت لأول مرة بان شريكتها لن تخفض معايير العمالة والبيئة من أجل تحقيق مكاسب تجارية. وترى الدول الفقيرة ان هذه الاتفاقية تثير القلق وسابقة حمائية. ويرى مايك مور انها قد تدفع البعض الى التراجع عن طريق نظام التجارة الجماعية أو متعددة الاطراف. ويرى بعض المراقبين ان نظام التجارة الحرة متعدد الأطراف قد يتعرض للخطر مع تقسيم العالم الى مناطق تجارة حرة منفصلة تضم مجموعات من الدول. باختصار فان اقليمية التجارة تجعل من الاهمية بمكان الاستمرار في العمل على حرية التجارة حسب نظام وقواعد منظمة التجارة العالمية. صراع العمالقة هناك ايضا مشكلات يجب ان تحل بين الولايات المتحدة وأوروبا برغم قلقهما على عضوية الصين وجولة التجارة الحرة الجديدة والاتفاقيات التجارية بين الدول. وقد شهدت الفترة الاخيرة تقدما كبيرا في حل النزاعات التجارية الكبرى بين الولايات المتحدة وأوروبا واهمها, انظمة الاستيراد الأوروبية التي ترفض بشكل قاطع استيراد لحوم المواشي تغذت على هرمونات والموز, والنظام الضريبي للمؤسسة الامريكية للصادرات التي تعطي دعما كبيرا للمصدرين. ويبدو نظام الاستيراد الأوروبي (الرافض للهرمونات في تغذية المواشي) هو المرشح للحل الاسرع. يبدو ان المفاوضين توصلوا الى اطار للاتفاق وهو ان تسقط الولايات المتحدة التعريفات العقابية على المنتجات الأوروبية (التي تسمى عقوبات كاروسل) مقابل حرية اكبر لدخول منتجات اسواق الدول الأوروبية حتى من اللحوم المعالجة بالهرمونات. وبالتالي الغاء العقوبات التي تكلف أوروبا 117 مليون دولار سنويا, بشكل تدريجي على عدة سنوات لتعطي الفرصة لمصدري اللحوم الأمريكيين لتخفيض نسبة اللحوم المنتجة عن طريق تغذية المواشي بالهرمونات. كما قطعت خطوات التفاوض بشأن استيراد اوروبا للموز مسافات ليست قصيرة. فقد ابدت سبع دول في امريكا اللاتينية اقتراحا سابقا للمنتجين في منطقة الكاريبي وغالبيتها مستعمرات أوروبية سابقة كانت اوروبا تريد حمايتها وأيد اكبر منتجي الموز الأمريكيين ايضا مقترحات دول الكاريبي. لكن شركة شيكيتا العملاقة ايضا في انتاج الموز من مزارع الكاريب رفضت الاقتراح. ويرجع الأمر الان للحكومة الامريكية والشركات المنتجة في افريقيا ودول الباسفيكي للتعامل مع المشكلة. وفي الوقت نفسه تستمر الولايات المتحدة في فرض رسوم عقابية على منتجات اوروبية تكلف اوروبا 191 مليون دولار سنويا وفقا لحكم منظمة التجارة العالمية بأن نظام اوروبا يميز بين المنتجين في كل من الامريكتين الشمالية والجنوبية. خلافات داخلية في أوروبا وتواجه أوروبا ايضا خلافات تجارية على المستوى الداخلي, فقد بدأت تطبيق اتفاقية مع امريكا وكندا واليابان لضمان وصول السلع بلا قيود الى اسواقها قادمة من افقر دول العالم. لكن اقتراحا للجنة الأوروبية بالغاء كل الرسوم والحصص على منتجات 48 دولة فقيرة في العالم باستثناء الاسلحة تعارض مع نداءات الممثل التجاري الأوروبي بعدم التعرض لصعوبات غير متوقعة بين الدول الأعضاء. واكبر مشكلة بين هذه السلع هي السكر, حيث تريد بعض دول الاتحاد الأوروبي ان تستثنيه من الاتفاق. كما تواجه أوروبا وامريكا ايضا مشكلة الرأي العام الداخلي ومن امثلة الاعتراضات للرأي العام, السلع المعدلة وراثيا من اهداف جولة المحادثات التجارية الجديدة تعميم معايير استيراد الاغذية المعدلة وراثيا, لكن السلطات الأوروبية ترى انه لم يثبت بعد اذا كان لها اضرار صحية ام لا ولذلك من الصعب, ان لم يكن من المستحيل ان توافق اوروبا على هذه المعايير. بارقة أمل اعتادت الولايات المتحدة وأوروبا ان تلوح بجزرة صغيرة من اجل تمرير وتحقيق اهداف يدور حولها الجدل مثل التعارض بين الحماية المحلية وفتح اسواق جديدة, لكنهما تلوحان ايضا بعصا كبيرة في اليد الاخرى للشركاء التجاريين المحتملين. لكن هناك اختلافا بين قوة الولايات المتحدة وقوة اوروبا في وضع جدول اعمال محادثات التجارة العالمية وقدرة كل منهما على تحقيق تقدم فيها. وقد المحت الدول النامية والاسواق الصاعدة انها لن تنخدع بسهولة بعد الآن. لقد ولت الايام التي كانت فيها الولايات المتحدة وأوروبا تضعان وحدهما قواعد اللعبة التجارية. إن مواقف القوى الكبرى وشركائها الصغار في التجارة واضحة. فقد تخرج الاسواق الصاعدة وتتولى هي القيادة التجارية. ولابد لقادة الولايات المتحدة وأوروبا ان يعتادوا على ذلك اذا كانوا يريدون تعزيز نظام التجارة العالمية متعددة الاطراف. وفي ظل مخاطر تراجع الاقتصاد العالمي المحتملة خلال السنوات الاربع المقبلة _خلال اي منها, فإن تحقيق هذه المهمة يصبح اكثر الحاحا.