عندما اعلنت البنوك التي تدعمها الدولة في كوريا الجنوبية من افلاس شركة دايوو للسيارات في مطلع نوفمبر العام الجاري كان ذلك دواء مراً لكن لابد من تجرعه. وقد يؤدي حكم المحكمة إلى ان يكون للمديرين الذين عينتهم السلطة لتسريح نحو حمس عمال الشركة حتى تصبح الشركة المتعثرة جذابة لمستثمرين اجانب مثل شركة جنرال موتورز وفيات وتوفير الفرصة ايضاً لبقية العاملين للاحتفاظ بوظائفهم. لكن دايوو للسيارات ليست هي الشركة الوحيدة المعرضة للخطر. فعندما تكون شركات كبيرة بهذا الحجم على حافة الهاوية تكون عشرات او آلاف الشركات الصغيرة الموردة لها ايضا في مهب الريح. فقد توقفت شركة دايوو للسيارات عن الدفع لنحو 3500 شركة موردة ومقاول من الباطن. هذه الشركات ليس من المتوقع لها ان تصبح عملاقة او شهيرة, لكنها اذا اغلقت ابوابها سيؤثر ذلك على 300 الف عامل كوري. ويقول الخبير الاقتصادي ونج هيوك اذا توقفت الشركات الكبيرة عن المسيرة ولم تمتد يد العون للشركات الصغيرة الموردة لها سوف يكون تأثير ذلك على الاقتصاد خطيراً. ويفسر ذلك سبب عدم اتخاذ الحكومة اجراءات اصلاحية قوية مع الشركات الكبيرة العملاقة, لان ذلك قد يؤدي إلى اطلاق موجة من افلاس الشركات الصغيرة المرتبطة بها التي غالباً ما تعتمد على عقد او عقدين من الشركات العملاقة حتى تستمر في العمل والحصول على التمويل. من ناحية اخرى فإن قطاع الاعمال الصغيرة والمتوسطة يوفر وظائف لنحو ثمانية ملايين شخص في كوريا, اي اكثر من ثلث اجمالي العمالة لذلك يبحث اصحاب القرار عن وسيلة لمساعدة الشركات الصغيرة لتستمر قبل ان يعملوا معاول الاصلاح في الشركات العملاقة. وليس هناك وقت طويل متاح فالمشكلات المالية التي تواجه بالفعل شركات مثل دايوو وهيونداي وسانج يونج وغيرها من الشركات العملاقة تؤدي إلى انهيار ائتماني بين الموردين والمقاولين الذين يتعاونون معهم. ويضم الاتحاد الكوري للمشروعات الصغيرة والمتوسطة 6500 شركة تبلغ مستحقات كل منها 2.1 مليون دولار في المتوسط وهي متأخرات لم تدفع بسبب افلاس الشركات الكبرى التي تدين بهذه المبالغ. وهناك نحو 200 شركة من هذه المشروعات الصغيرة والمتوسطة تواجه الافلاس لاسباب منها رفض البنوك لتمويلها وانقاذها. لقد وقع صغار الموردين ضحية للمشكلات العصيبة التي تواجه الشركات العملاقة فضلاً عن نظام التحصيل الكوري العقيم, الذي يعطي للشركات الكبرى كل المميزات ويحرم الشركات الصغيرة منها. فالشركات الكبرى تسوي حساباتها دون ان تدفع نقداً, وتنتظر الشركات الصغيرة في الغالب اشهراً حتى تحصل اوامر الدفع التي تسوي الشركات العملاقة بها حساباتها, ثم تبيع هذه الاوامر للبنوك بسعر مخفض اوحتى تستخدمها في دفع التزاماتها كصكوك مالية. والمشكلة ان هذه الصكوك تصبح بلا قيمة عندما يعلن عن افلاس الشركة التي تصدرها وتوضع تحت التصرف القانوني للدائنين. ويرجع ذلك إلى ان قليلاً من الشركات الصغيرة والمتوسطة لديها قوة مالية تجعلها قادرة على الانتظار سنوات قبل ان تحصل على مستحقاتها. وتصل قيمة هذه الصكوك في كوريا إلى نحو 70 مليار دولار او نحو 16% من اجمالي الناتج المحلي. واذا كان افلاس مجموعة من الشركات العملاقة يعني تجميد قدر هائل من صكوك المستحقات فسوف يؤدي ذلك إلى تدهور وتبخر الانتعاش الاقتصادي الكوري. فقد ادى افلاس شركة دايوو للسيارات وحدها إلى تجميد صكوك بقيمة 1.1 مليار دولار اصدرتها لمورديها ومقاوليها خلال الاشهر الاربعة السابقة على اعلان افلاسها. ويقول هوانج بيونج هي صاحب احدى الشركات التي تورد مكونات لدايوو منذ عام 1979 ان افلاس دايوو عاد عليهم بعقاب مضاعف, فقد فقدوا مصدر العائدات فضلاً عن عدم تحصيل مستحقات عن المكونات التي وردوها. ولا تتوقف مشكلة تجميد صكوك المدفوعات عند الموردين للشركات العملاقة فقط, بل تحولت هذه الصكوك على مدى السنوات إلى ما يشبه العملة, تستخدمها الشركات الكبرى في الدفع لمقاوليها من الباطن, بحيث يحصل عليها المورد وبالتالي يدفعها لهذا المقاول الذي يسعى إلى تحويلها الى نقد بعد ذلك. وقد استمر هذا النظام بسبب عدم قدرة الشركات العملاقة على توفير السيولة النقدية لكن افلاس شركات كبيرة مثل دايوو قد يدمر هذه السلسلة لان الصكوك تتجمد ولا يمكن ان تتحول إلى نقد بعد الافلاس. ويقول نام جوها استاذ الاقتصاد بجامعة سيول ان هذا له تأثير متسلسل يعقد ازمة السيولة النقدية. الاكثر من ذلك انه عندما تريد الشركات جمع النقد او تحصيله غالباً ما تبيع هذه الصكوك للبنوك بسعر منخفض عن قيمتها الاسمية والبنوك غير ملتزمة بالاحتفاظ بالصكوك اذا ثبت انها غير قابلة للتحويل إلى نقد. وباعت احدى الشركات صكوكا من دايوو بقيمة 8.1 مليون دولار لبنك كوريا الصناعي بثمن يصل إلى 25.93 % من الثمن الاصلي لها. وفي الظروف العادية يقوم البنك بالحصول على القيمة الكاملة للصكوك من شركة دايوو عند تاريخ الاستحقاق لكن عندما اعلن افلاس شركة دايوو اجبر البنك الشركة التي اشترى منها الصكوك على استعادتها مرة اخرى واعادة ثمنها. هذه الطلبات قد تقضي على كثير من الشركات الصغيرة. ويقول احد المحللين في مؤسسة التعاون الصناعي للسيارات في كوريا ان البنوك طلبت استعادة ما قيمته 790 مليون دولار من شركات باعته صكوك من دايوو بهذه القيمة. ويضيف انه اذا لم تقدم الحكومة عوناً طارئاً فإن كثيراً من 179 شركة موردة تعتمد على دايوو في عملياتها سوف يقضي عليها بنهاية العام الجاري. وسببت موجة افلاس الشركات الضخمة اضراراً لكثير من القطاعات منها الاسمنت والآلات والاثاث لكن اكثر القطاعات تضرراً كان قطاع الانشاءات. فهناك برامج اعادة لهيكلة الديون تشمل 112 شركة مقاولات وانشاءات تبلغ عائداتها 4.22 مليار دولار. ويقول احد الخبراء ان البنوك ترفض بالفعل شراء صكوك دفع من غالبية هذه الشركات ويواجه آلاف مورديهم او مقاولو الباطن تهديدات بالافلاس ايضا. وليس هناك خيار آخر امام الحكومة الا ان تهرع لانقاذ هؤلاء. وكشفت الحكومة عن مشروع لاستبدال الصكوك غير القابلة للتحويل إلى نقد صكوك اخرى يمكن بيعها للبنوك باسعار مخفضة. وسيضمن صندوق حكومي توفير 352 الف دولار في شكل صكوك قابلة للتحويل لكل مورد متعثر لكن هذا المبلغ لا يكفي وسوف تتحمل البنوك غالبية المخاطر. من ناحية اخرى يضغط المسئولون على البنوك من اجل تقديم قروض للموردين الذين اضطروا لاستعادة الصكوك التي تريد البنوك التخلص منها. وهناك صندوق حكومي يضمن توفير قروض للموردين الذين يمكن ان يعدلوا اوضاعهم لكن يواجهون مشكلات سيولة نقدية مؤقتة. وخصصت الحكومة ايضاً 53 مليون دولار في شكل قروض حكومية طارئة للموردين المتعثرين. وتعتزم الحكومة تطبيق اعفاءات ضريبية على الشركات العملاقة التي توافق على تسوية مدفوعاتها نقداً دون اللجوء إلى الصكوك. وتتمتع المشروعات الصغيرة المهددة بتأييد حزبي في المجلس النيابي. وتحث المعارضة البنك المركزي على توفير مزيد من القروض الميسرة بسعر فائدة 3% للبنوك التي ترغب في الاستمرار في توفير القروض للموردين المتعثرين. وقال عضو برلماني من الحزب الوطني الكبير انهم سوف يؤيدون ويدعمون الخطوات القانونية الممكنة لانقاذ الشركات الصغيرة من الازمة النقدية المؤقتة. ولابد للحكومة ان تجد مخرجاً ما لانه اذا قضى على الشركات العملاقة سوف يقضي على الشركات الصغيرة التي يعمل بها ملايين من العمال.