في هذا الجزء من الفصل السادس يتناول الدكتور مهاتير بالتحليل الدقيق دور صندوق النقد الدولي في تدمير اقتصاد اندونيسيا ثم يقارنه مع الوضع في بلاده لنرى كيف أفلتت ماليزيا من كارثة اقتصادية محققة, ويعيب مهاتير على الغربيين الذين اتهموا ماليزيا بأنها تكسر مبادىء الاقتصاد الحر وتتجه نحو العيش في عزلة ويرى انها جاءت لتثبيط عزيمة الماليزيين الذين التفوا معاً لاحباط محاولات تدمير العملة الوطنية ويشعر مهاتير بالفخر ازاء النجاح الذي حققه في ماليزيا لوقف الاتجار في العملة, ويقول: ان صندوق النقد الدولي الذي من حقه ان يفخر بدوره في اعادة بناء عالم بعد الحرب الكونية الثانية تسوده دول تجارية ذات سيادة غير قادر كما هو واضح على التعامل مع أزمة مالية عالمية مثل تلك التي هزت اقتصاديات شرق آسيا. ليس هناك أية مبالغة في القول بأن مطالب الصندوق التي فرضها على اندونيسيا كانت هي المسئولة بدرجة كبيرة عن أحداث الشغب والثورات التي أدت الى انهيار حكومة الرئيس سوهارتو في التاسع عشر من مايو عام 1998. ورغم ذلك فان الانتقادات الموجهة للصندوق لم تكن مقبولة على الأقل حتى صيف عام 1998 عندما بدأ العديد من الزعماء الاقتصاديين والسياسيين في الغرب في توجيه الانتقادات الواضحة ولأول مرة للطريقة التي تدخل بها الصندوق. وكما قال وزير الخارجية الأمريكي الأسبق الدكتور هنري كسنجر في مقال نشرته صحيفة (انترناشيونال هيرالد تريبيون) بتاريخ الخامس من أكتوبر عام 1998 انه (في اندونيسيا وهي دولة غنية تتمتع بموارد طبيعية هائلة واقتصاد حظي باشادة البنك الدولي لما يتمتع به من ادارة فعالة طالب صندوق النقد الدولي باغلاق 15 بنكاً وانهاء احتكار الغذاء ووقود التدفئة وانهاء الدعم. وقد ادى وقف الدعم الى ارتفاع اسعار الغذاء والوقود مما تسبب في حدوث أعمال شغب كانت تستهدف الاقلية الصينية المسيطرة على معظم النشاط الاقتصادي. ونتيجة لذلك هرب ما يصل الى 60 مليار دولار من الأموال الصينية الى خارج اندونيسيا. وتحولت الازمة المالية الى كارثة اقتصادية. وبحلول شهر ابريل 1998 أزاح الانفجار نظام سوهارتو. وأصبحت الازمة المالية التي تطورت الى أزمة اقتصادية أزمة مؤسسات سياسية وظل أي إصلاح اقتصادي حقيقي معطلاً). من حسن الحظ لم تتعاط ماليزيا الدواء المر الذي وصفه صندوق النقد الدولي فقد اعتبرنا الدواء أكثر خطورة من المرض وكنا عنيدين بما فيه الكفاية لرفضه. واذا كنا قد أذعنا فربما وجدنا أنفسنا في وضع أسوأ مما نحن عليه اليوم بعد ان نكون قد خسرنا ليس فقط أموالنا ولكن مقدرتنا على ان نحكم أنفسنا بأنفسنا وداخل حدود دولتنا. لقد اتخذنا حالاً ودون تردد طريقاً مغايراً واستراتيجية أصابت العالم بالصدمة في بادىء الأمر ولكن يا للدهشة سرعان ما أثارت نقاشاً جاداً حول مستقبل النظام المالي وحدث تبادل لوجهات النظر ما كان يمكن تصوره قبل ذلك. وفي الأسطر التالية سأوضح ما قمنا به ولماذا ولكن أولاً أجد نفسي مضطراً الى ان استشهد بما قاله كسنجر في مقالته ــ انني أشعر بأنه اذا كنت انا الذي نطقت بالكلمات التي أوردها كسنجر فإن معظم الناس كانوا سيرفضونها باعتبارها انها دعاية مهاتيرية ولكننا هنا أمام مسئول سابق في الحكومة الأمريكية ومرجع خبير يحظى باحترام واسع في المسائل الدولية يعبر عن وجهات نظر كان يمكن ان تعتبر ببعض المقاييس تجديفاً خطيراً قبل سنة أو سنتين من ذلك. يقول كسنجر: (ان صندوق النقد الدولي المؤسسة الرئيسية المناط بها مواجهة الأزمة يساهم في حالات عديدة في تفاقم حالة عدم الاستقرار السياسي. والصندوق الذي أجبرته أزمة العملات على تولي مهام لم يخلق أصلاً لها فشل فشلاً ذريعاً في ادراك الأثر السياسي لأفعاله. وباسم معتقد السوق الحر يسعى الصندوق دوماً وبجرة قلم الى إزالة أي ضعف في النظام الاقتصادي للدول المتأثرة بغض النظر عما اذا كانت هذه العوامل هي التي تسببت في الأزمة أم لا. ومثل الطبيب الذي يصف نوعاً واحداً من الدواء لأي نوع من الأمراض فإن علاج الصندوق الذي لايتغير يطالب باجراءات التقشف وأسعار الفائدة المرتفعة لمنع هروب رأس المال وكذلك خفض قيمة العملة للحد من الواردات وتشجيع الصادرات. والنتيجة هي انخفاض هائل في مستوى المعيشة وارتفاع معدلات البطالة بأرقام كبيرة ومزيد من الصعوبات التي تضعف المؤسسات السياسية الضرورية لتنفيذ برامج الصندوق). وبالتالي فبدلاً من اعادة الانتعاش الى الاقتصاديات المنهكة يظل صندوق النقد الدولي يحفر القبور لنفسه وللدول التي تدخل فيها بكثافة. والسؤال الملح اليوم ليس هو ما اذا كان علينا ضبط وتوليف الأساليب التي يطبقها الصندوق والتي تم توضيحها بجلاء أو كيفية عمل ذلك وانما القضية الحقيقية هي ما اذا كنا سوف نسمح طواعية لاقتصادياتنا بأن تظل تحت رحمة طبيب لايملك سوى نوع واحد فقط من الدواء يعالج به كافة الأمراض وتحت رحمة حفنة من المحترفين لا إحساس لهم بالتاريخ أو المسئولية الانسانية. ان إجابتي على هذا السؤال هي لابملء الفم. اجراءات قاسية لمواجهة زمان قاس منذ ان بدأت أزمة العملات في منتصف عام 1997 توجهت بنداءات متكررة للقيام بعمل دولي لوقف تجارة العملة المدمرة ومنع الاستثمارات قصيرة الاجل في سوق الأسهم. في خريف عام 1997 تحدثت في هونج كونج عن الحاجة الى تنظيم نشاطات المضاربين بالعملات لحماية الدول النامية على وجه الخصوص ولكن صوتي كان بمثابة صرخة في واد. لقد قوبلت وجهة نظري بالسخرية في عالم يتحرك بسرعة هائلة نحو العولمة وإزالة الحواجز وتحرير التجارة. وقيل وقتها ان أي نوع من التنظيم سوف يعرقل الاستثمارات الدولية وبالتالي يحدث مزيداً من الضرر للدول النامية. وعندما لم نحصل على استجابة جادة لمطالبتنا بالاجراءات التنظيمية قررت أنا وحكومتي ان نمسك بالثور من قرنيه ونوجد حلاً خاصاً بنا. في بداية شهر سبتمبر عام 1998 وبعد دراسة دقيقة وشاملة لكافة الخيارات قررت ماليزيا ان تستعيد السيطرة على تدفق الأموال وبصورة أساسية عن طريق اجراءين هما عودة فرض سعر ثابت للتداول مقابل الدولار وعودة الأموال المودعة في الخارج بالعملة الوطنية الرنجت وبالتالي الاحتفاظ داخلنا بكامل موجودات بلادنا. اضافة الى ذلك قمنا بفرض قيود جديدة على تجارة الأسهم لتفادي الآثار الضارة لعمليات بيع النسيئة التي تعتمد على هبوط الاسعار وادخال درجة أكبر من الشفافية الى تعاملات سماسرة البورصة. وبموجب ذلك فان عمليات شراء الأسهم التي تتم في ماليزيا لابد ان تتوقف لمدة عام على الأقل قبل ان يتم بيعها مرة اخرى. هذا الاجراء غير شائع في العالم وان كانت شيلي في أمريكا الجنوبية على سبيل المثال لديها قانون شبيه. كان من الطبيعي ان تحدث الاجراءات التي طبقناها تحركات وردود فعل لدى الدوائر المالية وكذلك لدى وسائل الاعلام التي كانت تساير الاجراءات التقليدية. ومما يجدر ذكره هنا ان بعض المحظورات التي تحيط بمعدلات الصرف الثابتة بدأت تتآكل بوضوح في صيف عام 1998. وقال الاقتصادي الشهير الدكتور بول كروجمان من معهد ماساشوسيتش في عدد أغسطس من مجلة فورشون ان الأمر ربما تطلب اجراءات قاسية لمواجهة زمان قاس. وما كان يعنيه بالاجراءات القاسية هو بالضبط ما قمنا به نحن: العودة الى نظام معدلات الصرف الثابتة. وسواء اعتبر الناس ان الطريقة غير العادية التي اتبعتها ماليزيا لمعالجة الأزمة كانت قاسية أم لا فان ذلك لم يكن ضمن اعتباراتنا. لم يكن أمامنا خيار سوى ان نلجأ الى الابتكار واتخاذ أسلوب جديد تماماً حيث ان الاجراءات التقليدية أثبتت عدم جدواها وفعاليتها. من السهل جداً إدانة الأساليب غير التقليدية ولكن يتعين علينا جميعاً ان ندرك اننا لا نتعامل مع وضع عادي هو نتاج فعل. وعلى الرغم من ان الاتجار في العملة ليس بالأمر الجديد إلا ان التطور التقني قد أحدث تغييراً جذرياً في الطريقة التي تتم بها المتاجرة في العملات. لم يعد التجار يحملون معهم مبالغ نقدية أو حتى أوراقاً مالية لتحويلها الى العملة المطلوبة. واصبح بالامكان وباستخدام الكمبيوتر تحويل مبالغ ضخمة فوراً من والى أي مكان في العالم. ولحماية أنفسهم من التغييرات الفورية في معدلات الصرف والتي تجعل من المستحيل عمل حسابات مسبقة بشأن تكاليف النشاط الاقتصادي أو عمليات استيراد وتصدير فإن اصحاب الاعمال يلجأون إلى اسلوب الوقاية وهو نوع من الضمان ضد تذبذب الاسعار. هذه الاساليب الجديدة للاتجار في العملات جعلت الطرق التقليدية المتعارف عليها في التعامل مع الطبيعة المتقلبة لاسعار الصرف غير ذات جدوى ولا فائدة من ورائها. ان اجراءات رفع معدلات الفائدة وتجميد الاعتمادات ومعادلة الميزانية وفرض ضرائب عالية وجميع روشتات صندوق النقد الدولي قد اثبتت فشلها بكل بساطة. ما الذي سوف يعمل اذاً؟ المثل الشعبي لاهل الملايو يقول انك اذا ضللت طريقك ارجع إلى حيث بدأت. ولكي تبتكر طرقاً جديدة لعمل الاشياء فإنه يجدر بك اعادة فحص الاساليب القديمة لتحديد مكامن القوة والضعف فيها ومن ثم تعديلها لابتكار اساليب جديدة تماماً. هذا هو بالضبط ما فعلته ماليزيا في شهر سبتمبر عام 1998. في السابق كانت قيمة العملات تحدد بقيمة الذهب وفي وقت لاحق جاء نظام معدل الصرف الثابت المعروف بنظام برينون وودز. اليوم فإن العودة إلى نظام الذهب لم يعد مجدياً ولكن مداولاتنا اقنعتنا بأن افضل الخيارات يتمثل في العودة إلى معدل ثابت لسعر الصرف والذي كان قد مكن اقتصاديات ما بعد الحرب العالمية الثانية من الانتعاش كما هو واضح. لا تستطيع دولة بمفردها اعادة نظام سعر الصرف الثابت للعالم وكنا في ماليزيا محتاجين إلى طريقة لاستخدام معدل صرف ثابت يتم تطبيقه في دولة واحدة فقط بغض النظر عما اذا كانت دول اخرى سوف تحذو نفس حذونا ام لا. الاجابة الوحيدة القابلة للتطبيق تكمن في توطين الرنجت وجعله يساوي شيئاً خارج البلاد. وبهذا الحل فإنه لا احد باستثناء الناس الذين يمارسون الاعمال التجارية داخل ماليزيا يحتاج إلى سعر الصرف الذي حددته الحكومة الماليزية, فنحن لا نفرض حلولنا على الاطراف الاخرى او نجبرها على ان تلعب بالاسلوب الذي حددناه نحن. وخارج ماليزيا سوف يتم استخدام عملات اخرى وهذه التجارة الخارجية سوف تتم بالكامل في دول اخرى. من المهم معرفة ان قرارنا بتوطين عملتنا الوطنية لم يكن بالقرار غير العادي حقاً. فالتحكم في تدفق الاموال عبر الحدود اجراء شائع حتى في وقتنا الحالي بين الدول المتقدمة. لقد تم اعتقال ومحاكمة ماليزيين في دول متقدمة بتهمة عدم الاعلان عن المبالغ المالية التي يحملونها معهم لدى عبور بعض الحدود. وحتى اعظم قوة اقتصادية عالمية اي الولايات المتحدة لديها قوانين صارمة تحكم المبالغ التي يسمح بإدخالها واخراجها من البلاد. لقد كانت ماليزيا ولا تزال اكثر تحرراً من العديد من دول العالم. لقد كان بإمكانك اخذ اية كمية من الاموال داخل وخارج البلاد دون الحاجة إلى تعبئة بيانات أو الاعلان عن اي شىء. وهذه الحرية الزائدة عن الحد هي التي ادت إلى تدفق اموالنا خارج البلاد ليستخدمها تجار العملات لخفض قيمة العملة الوطنية. وتقوم الدول الاجنبية فعلاً باعطاء معدلات فائدة مغرية لاغراء الرنجت وكسبه مما يجعل بنوكنا تفتقر إلى الاعتمادات. ولابقاء الرنجت داخل البلاد حاولنا في البداية تقديم معدلات فائدة عالية ولكن ذلك لم يكن فعالاً اطلاقاً. وادت الفوائد المرتفعة والنقص في السيولة إلى جعل شركاتنا غير قادرة على تسديد فوائد القروض حتى تستطيع الاستمرار في العمل وتحقيق ربح معقول. وانخفضت اسعار الاسهم مما جعل الشركات اقل قدرة على تسديد الفوائد على القروض التي اخذتها من البنوك. وأطلت في الأفق احتمالات انهيار على نطاق واسع للشركات والانشطة الاقتصادية المختلفة مما هدد بجعل المؤسسات ذات الوضع الجيد لقمة سائغة في ايدي الاجانب. مع انخفاض اسعار الاسهم لادنى معدل لها وخفض قيمة الرنجت فإن باستطاعة الاجانب الاستيلاء على الشركات الماليزية بثمن بخس. ظلت الحكومة مصرة مع ذلك على ان يتم قصر الاسهم الاجنبية في الشركات المحلية على نسبة محددة فقط. وبالتالي تزايد الضغط على العملة واسعار الاسهم لاجبارنا على طلب مساعدة صندوق النقد الدولي واخضاعنا لشروط فتح السوق التي يفرضها الصندوق. ولكي نتفادى هذا المصير قررنا تطبيق تقييد صرف العملة ومنع بيع الاسهم الماليزية عن طريق النسيئة. وبهذه الطريقة يمكن السيطرة ولو جزئياً على الاستغلال الذي تمارسه ما يسمى بقوى السوق. بجعل الرنجت عملة سارية فقط داخل الحدود الماليزية استعادت الحكومة السيطرة على معدل الصرف. وقمنا بتحديد سعر الصرف بمبلغ 8.3 رنجات للدولار الواحد بينما ظل السعر مقابل العملات الاخرى يعتمد على اسعار تلك العملات مقابل الدولار. فوضى عالمية يستكمل رئيس وزراء ماليزيا في هذا الفصل حديثه حول اليد الخفية ولعبة الاموال القذرة التي تدمر ثروات الدول والشعوب ويصف الحالة الراهنة في العالم بأنها عبارة عن فوضى لان اللاعبين الجدد (تجار العملات) تسببوا في تآكل سلطة الدول والحكومات, كما ان قوى السوق اصبحت تمارس مهمة تأديب الحكومات الوطنية بعدما رفضت الاعتراف بالحدود الوطنية, ويشن مهاتير هجوماً قاسياً على قوى السوق والمنظمات الدولية غير الحكومية التي اصبحت معاً شريكاً في الحكم في اية دولة الامر الذي يضع العالم على شفا الفوضى الشاملة. ويعتبر مهاتير محمد ان من اهم مقومات النجاح المثمر في العمل التجاري هو الاستقرار واستقراء المستقبل. فالاجراءات التي اتخذتها الحكومة الماليزية استهدفت تحقيق استقرار شامل ودائم سياسياً واقتصادياً ومالياً واجتماعياً في الحاضر والمستقبل. الاشخاص الوحيدون الذين لن يستفيدوا من الاجراءات التي تم تطبيقها هم تجار العملة والمضاربون في اسواق الاسهم. وفي حالة خسارتهم فلن يذرف احد دمعة عليهم فهم يستحقون الخسارة ومن حق الناس استعادة مستقبلهم الذي سرق منهم. ينبغي الاعتراف رغم ذلك بأن ما تقوم به ماليزيا ليس مضموناً بأن يحقق النجاح المطلوب. ومثل كل الاستراتيجيات هناك جوانب ضعف وثغرات كما ان هناك احتمالاً بأن نتسبب نحن في اضعاف ما نقوم به. بالطبع سوف يحاول الغرب قطع الطريق علينا والبحث عن ثغرات لتوسيعها واستغلالها لتوسيع الهوة. ويجب علينا ان نكون مستعدين كذلك لحماية انفسنا واستراتيجياتنا والاستمرار في ابتكار وسائل جديدة. علينا التأقلم باستمرار مع الوضع واتخاذ كل ما هو مطلوب من اجراءات. لا ينبغي ان نفرح كثيراً لمجرد ان بعض الناس قد أقروا بأننا قد فعلنا الصواب. نحن لا يمكننا في هذه المرحلة ان نتبادل التهاني وبهذه السرعة فنحن لم نستطع بعد الحصول على قبول واسع لدعوتنا لتنظيم عمليات المتاجرة في العملات على نطاق العالم. ومما لا شك فيه سوف توجه لنا التهمة مرة اخرى بالمحسوبية والمحاباة ومحاولة تفضيل بعض الشركات وخداع الشعب. أين هم أصحاب الحظوة؟ على ذكر ما يعتبر محاباة للأهل والاصدقاء فإن الجدير بالملاحظة هنا ما حدث عندما انهار فجأة صندوق (لونج تيرم كابيتال مانجمنت) LTCM في نهاية شهر سبتمبر عام 1998. وهو صندوق بلغ رأسماله تريليون دولار كما ذكرنا من قبل. كان هذا اكبر صندوق لتغطية الخسائر من نوعه في العالم حيث ضم مجلس ادارته العديد من العلماء الاقتصاديين الحاصلين على جائزة نوبل. وعلى الرغم من ذلك لم يستطع اي احد اعطاء انذار بوقت كاف بأن كارثة عظيمة على وشك الحدوث. لقد جرى تنفيذ المناورات الرامية لانقاذ صندوق LTCM بسرعة وحذاقة لدرجة ان العالم لم يلاحظ ما كان يحدث. استطاع الامريكيون بقدرة قادر ان يحولوا الاهتمام بهذا الفشل الكبير وينفوه بعيداً عن الانظار بالاستمرار في القاء اللوم على اليابانيين باعتبارهم سبب معظم مشاكل العالم الاقتصادية. لقد اجبر فشل صندوق LTCM الغرب على امعان النظر جيداً في تجارة العملات. ووجدت الدول الغنية التي ظلت تعلن بكل اعتزاز بأنها محصنة ضد آثار ازمة العملات الآسيوية نفسها انها غير آمنة من شر اعمال تجار العملة ونشاطاتهم المدمرة. حتى صندوق النقد الدولي اقر الآن بالحاجة إلى تنظيم الاتجار في العملات واتضح فعلاً ان الحاجة أم الاختراع. لقد كانت احداث العام الماضي فعلاً مؤلمة للغاية لنا واحدثت لدينا بلبلة شديد. ووجدنا انفسنا فجأة لا حول لنا ولا قوة وغير مستعدين للتعامل مع وضع تسبب فيه الآخرون. لقد اتهمونا بممارسة المحاباة والمحسوبية على الرغم من ان اكبر المحابين موجودين في عالم المال الغربي على ما يبدو. يحاول معظمنا في البداية التعامل مع وضع جديد باستخدام ادوات قديمة وبطرق تقليدية. ومن الصعب دائماً التخلي عن النموذج السائد والنظر إلى العالم من زاوية مختلفة تماماً. معظم الناس لا يرغبون في التشكيك في العرف السائد معتقدين ان الطريقة المعمول بها هي الصحيحة. في ظل الازمة العالمية الحالية فإن الاساليب التقليدية سوف تؤدي إلى الركود او الدمار. فالمحافظون لا يتقدمون ابداً وفي زماننا الراهن وفي ضوء السرعة والحجم اللذين يتحرك بهما الاقتصاد فإن الذين يخشون التغيير سوف يفوتهم القطار ويظلون قابعين حيث كانوا. وفي هذا العالم الحديث فإن سرعة التغيير آخذة في الازدياد واذا فشلنا في مجاراة الزمن فإن مصيرنا سيكون التخلف. بينما تتحرك الاشياء من حولنا بسرعة. ان التدخل وتجربة اساليب جديدة لحل المشاكل يتطلب استخدام العقل ووجود رغبة لنقد الحاضر والبحث عن طرق لتغييره للافضل. كل ذلك ربما يوصف بانه اجراءات متشددة او حتى لا يمكن احتمالها ولكن علينا ان نتذكر كلمات اشهر عالم هو البرت اينشتاين الذي قال ان العالم لن يتجاوز ازمته الحالية باستخدام نفس التفكير الذي تسبب في حدوث الازمة. آدم سميث واليد الخفية اشتهر آدم سميث بأنه الاب المؤسس للاقتصادات السياسية الحديثة. وفي اكثر مؤلفاته شهرة (ثروة الامم) عام 1776 يتحدث عن يد خفية تتولى تنظيم الاسعار وضبط السوق هذه اليد الخفية اصبحت شبحاً مقدساً بالنسبة لانصار السوق الحر الذين يرون ان اي شكل من التدخل الحكومي هو بمثابة معاهدة مع الشيطان. على الرغم من ان آدم سميث لا يناقش هذه اليد الخفية في معالجته فإن علينا ان نتذكر انه مدرك بالفعل للاهمية القصوى للدولة. لقد حاول سميث حسب اعتقادي اقامة توازن بين السوق والحكومة. واشار فعلاً إلى رغبته في الابتعاد عن استراتيجيته القائمة على مبدأ عدم التدخل كلما كانت هناك اسباب قاهرة تستوجب اجراءات حكومية كما هو الحال في العمل المصرفي والعملات وحتى معدلات الفائدة. سميث يجادل ايضاً بقوله ان الحكومات بتوفيرها لمتطلبات الدفاع والعدالة الاجتماعية والبنية الاساسية يمكنها تهيئة الظروف والمتطلبات الرئيسية لاقامة اقتصاد السوق والوفرة العالمية التي تتمدد لتصل إلى اقل الناس طبقة. لم يكن سميث يعتقد بأن الثروة هي كل شيء بل كان يؤمن بعكس ذلك تماماً اذ عمل لانشاء مجتمع مثالي يكون أكثر استقرارا ومدنية ويمكن فيه الحد من نزعات البشر وميولهم السيء نحو الجشع وكنز الأموال. لقد ساعدت الثروة الكبيرة الناس على ان يصبحوا اكثر حبا لعمل الخير. ومن الواضح ان تركيز سميث على الدور الايجابي للحكومة في (ثروة الامم) جرى التقليل منه في كثير من الأحوال. إن الروح التي عبر عنها آدم سميث المتأصلة في نظرته الرفيعة للمجتمع المحترم مع وجود اقتصاد فعال لا تختلف عن أهداف ماليزيا طويلة الأجل. الطريقة التي يعمل بها السوق ليست سوى وسيلة واحدة لتحقيق الرقي والتطوير المستقر. بينما تشكل الحكومة الوسيلة الأخرى. وبخلاف العالم الذي يتصوره سميث فإن علينا البحث باستمرار عن أفضل ما يمكن تحقيقه بالجمع بين الحكومة والسوق, وهو توازن لا يزدهر فيه أحدهما على حساب الآخر. وفي اعتقادي انه طالما لم تدر الأسواق لمنفعة حفنة من الرأسماليين الاغنياء في دولة متقدمة واذا تم ضبطها وتنظيمها والاشراف عليها بصورة جيدة وبحرص شديد يمكن ان تصبح قوة هائلة لصالح المجتمع سواء كان هذا المجتمع محليا أو دوليا. ان نظرة ماليزيا للقرن الجديد المتمثلة في رؤية عام 2020 تعتمد في مجملها على الجهد والطاقات الخلاقة للأفراد والشركات والقوى المحركة للسوق. من المؤكد ان الحكومات تمثل شيئا أكبر من كونها شرا لابد منه. وكما اراها فإن الحكومات تضع وتحافظ على الشكل العام الذي لا يمكن بدونه للأسواق الحرة المقبولة ان تستمر. بالاضافة الى ذلك فإن الحكومة تتعامل مع تجاوزات السوق غير المرغوب فيها لتضمن حماية مصالح المجتمع ولتضمن ان آثار ما يطلق عليه الخبراء الاقتصاديون تعبير المظاهر الجارية (وهذه تنشأ عادة من الجري الأعمى وراء المصالح الذاتية) لن تؤدي إلى استغلال الضعفاء. فسعادة الاغلبية هي التي يجب ان تسود على الدوام وهذا الهدف لا يمكن تحقيقه دون وجود شكل ما من الاشراف الحكومي. ماهية الحكم في زمن العولمة ما هي الحالة العالمية للحكم اليوم؟ بكلمة واحدة يمكن وصفها بالفوضى. لقد اجبرت حكومات على التخلي عن جزء كبير من صلاحياتها ويبدو ان دورها في حكم الدول قد ضعف. اللاعبون الجدد تسببوا في تآكل سلطة وصلاحيات الحكومات وما رأيناه مؤخراً لتصورات آدم سميث. فنحن لم نشهد بالتأكيد خلق الوفرة والغنى العالمي الذي تحدث عنه سميث ولكننا شهدنا العكس تماما من ذلك. ولكي نعيد بناء شرق آسيا والاقتصاد الدولي فإننا في حاجة ماسة الآن للدخول في نقاش جاد حول ما يشكل الحكم الجيد في العالم المعاصر. أي نقاش بشأن الحكم لابد ان يسمو فوق التقسيم المخل بين الحكومة باعتبارها مصدر تقييد وتنظيم والسوق باعتباره مصدر حرية وانطلاق. إن الحكم يستهدف ايجاد التوازن الصحيح المتمثل في الخلطة المناسبة التي تمكننا من توفير اعلى مستويات للمعيشة بما في ذلك الاكتفاء الذهني والمادي لأكبر عدد من الناس بغض النظر عن العرق او اللغة او الجنس او اللون. عندما كنا نتحدث عن الحكم كنا نعني بصورة عامة ممارسة السلطة السياسية والاقتصادية والادارية لادارة شئون الدولة. وهذا التعريف يشمل عموما سلطة معقدة من الآليات والعمليات والعلاقات والمؤسسات التي يقوم عبرها موظفو الخدمة المدنية والحكومة بإدارة الشئون المتعلقة بالحياة العالمة. غير ان الظروف الحالية قد اوضحت ان الحكم لم يعد يقتصر على سيطرة الدولة الشاملة. فالعديد م الجهات التي قامت باختيار نفسها بنفسها اصبحت اليوم تدعي الحق في ان يكون لها دور في حكم البلاد بما في ذلك ما يسمى بالمنظمات غير الحكومية (NGO) والتي تعمل بتناسق مع دول اخرى وكذلك مجموعة المنظمات الدولية مثل منظمة التجرة العالمية وصندوق النقد الدولي ومنظمة التنمية الاقتصادية وغيرها وهي في غالبيتها انشأت بواسطة الدول الغنية في الغرب. الدور الذي تقوم به هذه المنظمات المختلفة سواء على المستوى الوطني أو العالمي لم يتم تحديده بالضبط حتى الان. وعلى الرغم من وجود العديد من المنظمات غير الحكومية الفعالة والجادة فإن الكثير منها تعمل على أخذ القانون في يدها وتمارس نفوذا مشبوها باتباع طريق ابعد ما تكون عن الديمقراطية. وتمارس كل هذه الجهات التي تتخطى الحدود الدولية واساليبها الخاصة بها على بقية العالم متجاهلة تماما مبادىء السيادة الوطنية التي تدعي هي بكل فخر بأن اجدادهم هم الذين بشروا بها. لقد دخل الى مجال الحكم الآن مناخ جديد له قوة هائلة. وفي عالم مشغول دائما بالثروة الاقتصادية لدرجة التخلي عن الرفاهية الاجتماعية والسياسية فإن قوى السوق اصبح لها دور مسيطر في الحكم. ومما لاشك فيه فإن قوى السوق التي ترفض الاعتراف بالحدود الوطنية اصبحت تفترض الآن بأن من حقها حتى تأديب الحكومات الوطنية. ولا عجب في ان الهم الوحيد القوي للسوق اصبح مضاعفة الارباح بغض النظر عن الضرر الذي يمكن ان يسببه ذلك للناس بخلاف المستفيدين المباشرين. من الطبيعي بل والضروري للحكومات ان تخلق وتحافظ على مناخ ملائم للنشاط الاقتصادي, ففي النهاية فإن معظم ايرادات الحكومة تأتي من نشاطات وارباح الأعمال التجارية. ولكن ينبغي ايضا على الحكومات ان تهتم وتتجاوب مع حاجات المجتمع والضروريات السياسية. النشاط التجاري عموما لا يهتم كثيرا بالحاجات الاجتماعية والسياسية وبالنسبة له فإن الحكومات موجودة للحفاظ على استقرار المجتمع والوضع السياسي حتى يتمكن رجال الاعمال من ممارسة نشاطهم في جو مستقر ويحققوا الربح. ما هي قوى السوق هذه؟ اذا تحدثنا بصورة شاملة فإن كافة المستهلكين وكل شخص يشترك في عمل تجاري سواء كان صغيرا او كبيرا يجب ان يشكلوا جزءا من قوى السوق. ولكن مؤخراً اصبحت قوى السوق الحقيقية والتي تلعب دورا مهما في اية نقاشات حول الحكم الدولي هي اساسا الرأسماليين والصناديق الذين يستثمرون في الاسهم ويتاجرون في العملات. لقد اصبح هؤلاء يشكلون قوى السوق الحقيقية لانهم ببساطة يستطيعون ممارسة نفوذ هائل على طريقة اداء اقتصادات الدول. لقد نادت قوى السوق وكسبت الدعم للانتقال الحر لرؤوس الاموال غير المحددة عبر الحدود حتى تستطيع استثمار دون قيود ومضاعفة ارباحها. وهي تصر على ان هذا يجسد روح التجارة الحرة اذ انه بدون التدفق الحر لرأس المال عبر الحدود لن تكون هناك تجاة حرة. لقد عجل احتمال مساهمة تدفق رأس المال بكميات كبيرة في تحقيق النمو السريع لاقتصاد الدولة بقبول الدول النامية بما يسمى بالسوق الحر. بإمكان الدول الفقيرة بالتأكيد ان تنموا بسرعة وتصبح غنية في زمن قصير بالسماح لرأس المال الاجنبي بالاستثمار في الاسهم والسندات الى جانب بناء المنشآت الانتاجية التي يمكن ان تستفيد من ميزة المنافسة التي توفرها الايدي العاملة الرخيصة وتدني مستويات المعيشة. ولكي تحسن جاذبيتها كمراكز للاستثمار فإن معظم الدول النامية تبنت نظام التحويل الحر لعملاتها الوطنية مما يجعلها تحت رحمة نظام لمعدلات الصرف لم يعد تحت سيطرة الحكومات. هذه الاستراتيجيات نجحت لبعض الوقت واستطاعت تحقيق المعجزات. فجأة بدأت الدول الفقيرة تنمو بمعدلات غير مسبوقة. وارتفعت اسعار الاسهم لمستويات فاقت كثيرا الموجودات او الاداء التجاري نفسه. وقويت العملات تمشيا مع الاقتصاد المزدهر. وغمرت البنوك العالمية الحكومات والشركات بالعروض المغرية لتوفير قروض كبيرة لتمويل كل ما يخطر على البال. وبدا ان مبدأ حكم السوق الحر سليم وفعال. بعدها انفجر الوهم سمحت الدول النامية طواعية واختيارا ان يتم تحديد اجندة حكم السوق الحر من قبل انصار السوق الحر وقوى السوق. كان يتعين علينا ان نكون اكثر حذرا وننظر الى المخاطر المترتبة على التخلي عن الكثير من استقلالنا. ليس هناك اي حكم مغروس في نظام السوق الحر الذي من آخر اهتماماته الحفاظ على توازن بين الارباح ومصلحة رجل الشارع. وفي الواقع فإن نوع الحكم الذي اتت به قوى السوق كان اساسا انتقاميا يهدف الى تأديب الحكومات التي يزعم انها فاسدة او غير فعالة. بالتالي عندما تمارس كبريات المؤسسات والشركات الآسيوية نظام التوظيف مدى الحياة وتريح الحكومة من عبء توفير ضمانات اجتماعية لمواجهة اخطار البطالة فإن قوى السوق تطالب بأن تقوم الحكومة بتوفير شبكات للسلامة حتى يمكن لاصحاب العمل فصل العمال بسهولة. واليابان على سبيل المثال تجد نفسها اليوم في وضع صعب غير قادرة على الاحتفاظ بنظام التوظيف مدى الحياة الذي كان مثار فخر واعتزاز للأمة كلها. اذا رفضت الحكومة الغاء نظام التوظيف فإن قوى السوق يمكن ان تهاجم الاقتصاد وفي اي وقت عن طريق تخفيض العملة واسعار الاسهم. وهذه الهجمات يقصد منها تأديب الحكومة حتى تقبل بالنظام الجدي الذي يسهل فيه فصل الموظفين. وسواء رضينا ام ابينا فإن المنظمات الدولية وغير الحكومية وقوى السوق اصبحت الآن تشكل جزءا مكملا للحكم في اية دولة. وقوى السوق بالتحديد لا تعرف الرحمة ولا تهتم بمصير المواطن العادي. ويتعين على الآلة الادارية ان تتكيف مع الوضع الجديد بحيث لا يكون لها سوى سلطة محدودة لكي تحكم وهو ما يؤدي بالتالي الى التقليل من فعالياتها. والسؤال هو: هل بإمكان الحكومات في الوقت الحالي التكيف مع الوضع الجديد بحيث تقل سلطة الحكومة وتزيد سلطة الحكم الذاتي؟