تضاربت ملامح الصورة التى رسمها البنك الدولى لمستقبل الاقتصاد العالمى والدول النامية فى السنوات العشر المقبلة. ففي الوقت الذى كشف فيه خبراء البنك عن فورة التجارة الدولية وبلوغها مستويات قياسية خلال عام 2000 وتوقعات استمرارها فى الاعوام المقبلة, أحيط مستقبل اقتصادات الدول النامية بقدر لا بأس به من الغموض والالتباس والتشاؤم لاسيما على الاجل البعيد. وبدت عبارتا (الا ان) و(غير ان) في الحديث عن العالم النامى هما الغالبتان على شكل التقرير السنوى للمؤسسة الدولية الذى صدر تحت عنوان آفاق الاقتصاد العالمى والدول النامية لعام 2000 والذي استعرض بيئة الاقتصاد العالمى ومسيرته خلال عام 2000 والتوقعات المرتقبة له فى العقد المقبل بالاضافة الى تداعيات و أثار ذلك على العالم النامى. ورغم صبغة التفاؤل التى بدت على تقرير البنك الدولى حول التقدم الملموس فى معدلات النمو الاقتصادى لعام 2000 والعامين التاليين له الا ان بقية سنوات العقد يشوبها (حسبمااورد التقرير) المزيد من التحديات والانعكاسات التى ما زالت تحيط بمستقبل الدول النامية من الزاوية الاقتصادية والمعيشية لشعوبها. أما العوامل الخارجية التى احصاها التقرير السنوى الاخير للبنك الدولى الذى تلقته النشرة الاقتصادية الدولية لوكالة انباء الشرق الاوسط فمنها ماهو ايجابى مثلما حدث فى الاشهر الاولى لعام 2000 حيث ساهم انتعاش الاقتصاد الامريكى الذى وصفه التقرير بأنه (قاطرة الاقتصاد العالمى) في تحريك مستويات النمو في العديد من الاقاليم وكذلك تعافى الاقتصاد اليابانى من ركوده وافلات الدول المتضررة نسبيا من تداعيات الازمة المالية العالمية التى حلت فى يوليو من عام 97 واستمرت انعكاساتها خلال عامي 98 و99. وفى اطارالعوامل الخارجية قال تقرير البنك الدولى ان العام 2000 شهد فورة قياسية لمعدل نمو التجارة الدولية بصورة غير مسبوقة منذ الصدمة الاولى لارتفاع النفط فى السبعينيات وقد ساهم ذلك فى انعاش معدلات النمو المتوقعة فى البلدان النامية رغم أن نصيب تلك الدول باعتراف المؤسسات الدولية لايزال ضئيلا للغاية نظرا لضعف قدراتها التصديرية وهياكل انتاجها وقدرة منتجاتها على المنافسة والنفاذ الى الاسواق الخارجية. واعترف تقرير البنك الدولى بأن هناك عددا من المصاعب التى ينتظر ان تعانيها الدول النامية على المدى الطويل فيما يتعلق بمسألة الصادرات والتجارة الدولية. وتسعى الدول الصناعية المتقدمة خلال السنوات المقبلة إلى تبني مفهوم حظر استيراد السلع التى تنتجهاالدول التى تفتقرالى معايير العمالة والبيئة المواتية لظروف الاسواق الخارجية مما سيلقى بمزيد من الضغوط والعثرات أمام طريق منتجات الدول النامية في سبيل نفاذها الى الاسواق الخارجية الدولية. وأشارالتقريرالى أن الامر لم يتوقف عند هذا الحد بل تعتزم بعض الدول ذات الميول الحمائية فرض عقوبات على سلع ومنتجات الدول التى لاتلتزم بمعايير العمل والبيئة مما سيؤودى الى الاضرار بصورة مباشرة بشريحة العمال فى الدول النامية حيث ينتظرأن يضعف الطلب على منتجاتهم مما سيكون له أثر بالغ على مستويات المعيشة ومعدلات البطالة بين شعوب تلك الدول التى تعانى فى الاصل من أزمات بطالة بمعدلات مرتفعة. وقال التقرير ان مزيجا من المعوقات تواجه مسيرة التصدير في العالم النامى تتمثل فى ضعف البنى التصديرية للعديد منها بالاضافة الى افتقار تلك الدول الى خدمات التصدير المعاونة وارتفاع أعباء النقل فضلا عن تداعيات الاضطراب فى اسعار صرف العملات المحلية امام العملات الرئيسية المستخدمة فى التداول على المستوى الدولى كالدولار والين عملتى أكبر اقتصادين فى العالم واليورو ممثل الاتحاد الاوروبي. وعلى الجانب المضئ من الصورة توقع تقريرالبنك الدولى في قراءته لمسيرة الاقتصاد العالمى خلال السنوات العشر المقبلة أن تسهم ثورة التحديث التكنولوجى الراهنة وخصوصا الانترنت فى دعم كفاءة واندماج الاسواق ولاسيما بالنسبة للدول النامية التى تعانى من فقر معلوماتي فقد أكد خبراء البنك أن الانترنت سيعمل على زيادة الانتاجية ورفع كفاءة أنظمة التشغيل الانتاج فى البلدان النامية وتقوية المراقبة على المخزونات وتقليل تكاليف ابرام صفقات التجزئة فضلا عن الغاء أو تحويل نمط ودور الوساطة فى حركة المبادلات التجارية في تلك الدول. وعول خبراء البنك الدولى على تحقيق ثورة الانترنت لنتائج ايجابية جمة للدول النامية حيث تكهنوا بأن يؤدى ذلك الى خفض تكلفة النفاذ الى اسواق الدول الصناعية المتقدمة ومن ثم تحقيق وفورات ومكاسب كبيرة جراء ذلك. ويرى تقرير البنك الدولى ان شركات الدول النامية ستنتفع بصورة لافتة من الفرص المتاحة أمامها للوصول الى استخدام تكنولوجيات أكثر تطورا والاستفادة من انتعاش التجارة الالكترونية على مستوى العالم. غير ان التقريراوضح أن النمو المتسارع المتوقع فى التجارة الالكترونية قد يضعف من الوضع التنافسى للدول التى تفتقر الى المهارات الفنية والبنى الاساسية اللازمة للمشاركة بفعالية. ـ أ.ش.أ