يمكنك على الأرجح ان تجد نسخة من كتاب (ميدلتاون) في أي مكتبة عامة محترمة. انه كتاب أمريكي كلاسيكي مع انه نادراً ما يتم تذكره هذه الأيام.. وهو عبارة عن دراسة مكثفة لمدينة عادية في العشرينيات من القرن العشرين وهي مدينة مونسي بولاية انديانا. وسرعان ما أصبح هذا الكتاب الحافل بالحقائق والأرقام من أكثر الكتب مبيعاً, وهذا دليل قوي على إنبهار الأمريكيين بأنفسهم. كان هناك حالة طلاق واحدة تقريباً لكل حالتي زواج, وهي نسبة أعلى بخمس مرات مما كان عليه الحال في عام 1890. وتجادل حوالي 45% من طلاب المرحلة الثانوية مع آبائهم حول (الساعة التي يدخلون فيها البيت في الليل). نحن الأمريكيين نقارن أنفسنا باستمرار ببعضنا البعض. وعادة ما نقيس تقدم الأمة ومشكلاتها بمؤشرات موضوعية على نحو مفترض للسعادة. ونحن مجتمع مهووس بالبيانات. وقد تملكتنا روح الاحصائيات ــ مع انها تعرضت للسخرية عادة ــ بشكل بطىء خلال المئة عام الماضية أو ما يقاربها. والنتيجة هي (أول قرن مدروس) كما يسمي ثيودور كابلو ولويس هيكس وبن واتنبرج كتابهم الجديد. وكما يظهرون في كتابهم, فان الأمريكيين قد صنفوا أنفسهم بعزيمة لايكن. هل يقضي الآباء وقتاً أقل مع أطفالهم من أي وقت مضى؟ يأتي الجواب على هذا السؤال بالنفي. وفي عام ,1924 قضى 60% من الآباء في مدينة ميدلتاون ساعة أو أكثر مع أطفالهم كل يوم. وفي عام ,1999 كانت تلك النسبة 83%. وهكذا كان الأمر مع الأمهات أيضا. ففي عام ,1924 قضت 45% من الأمهات ساعتين أو أكثر يومياً مع أبنائهن, وفي عام ,1999 بلغت تلك النسبة 71%. (والتفسير البسيط) لذلك هو الانخفاض في ساعات عمل الرجل وحجم العمل المنزلي للنساء. ففي العشرينيات من القرن الماضي, عمل الكثير من الرجال قرابة 50 ساعة في الاسبوع. وفيما يتعلق بربات البيوت, قضت 90% تقريباً من الأمهات في ميدلتاون اربع ساعات أو أكثر في اليوم في تنظيف المنزل. وفوق كل شىء, تظهر الأرقام وجود تغير دائم. ففي عام ,1900 كانت الكهرباء متوفرة في 2% فقط من الوحدات السكنية الأمريكية ولم تتوفر المياه الدافقة في الحمامات إلا في 15% من المنازل. ومن بين المدن العشر الأكبر في عام ,1900 لم يبق سوى ثلاث مدن على القائمة في عام 1990 وهي نيويورك وشيكاغو وفيلاديلفيا. أما المدن الاخرى وهي (سانت لويس وبوسطن وبالتيمور وكليفلاند وبافالو وسان فرانسيسكو وسنسناتي) قد تخلت عن مراكزها لمدن جنوبية وغربية بالاساس هي (لوس انجلوس وهيوستن وسان دييجو وديترويت ودالاس وفونيكس وسان انطونيو). وجميع هذه الأرقام تشكل أساس نقاشنا وحوارنا الوطني. ويشير واتنبرج الى ان أحد الامثلة المبكرة على ذلك كان الاعلان عن ان الجبهة قد (اغلقت) في عام 1890. (وحتى عام 1880 كان في البلاد جبهة للاستيطان حسبما كتب المشرف على الاحصاء السكاني بعد احصاء عام 1890. ولكن في الوقت الحاضر تم تقسيم المنطقة غير المستوطنة إلى اجزاء بواسطة اجسام معزولة من الاستيطان بحيث يصعب القول انه كان هناك خط مواجهة امامي). كان معيار (المستوطنة) وجود شخصين او اكثر في الميل المربع الواحد). وانطلاقاً من هذا الواقع, كتب المؤرخ فريدريك جاكسون تيرنر مقالته الشهيرة في عام 1893 بعنوان (اهمية التخوم في التاريخ الامريكي). وذهب إلى القول ان التخوم قد صبغت الشخصية الوطنية بتجول عملي ابداعي في التفكير). واوجدت نزعة (فردية مسيطرة) وحباً للحرية. ومع انتهاء التخوم عبر تيرنر عن قلقه من ان هذه الصفات الامريكية المميزة قد تضعف. وفي عهدنا لا تزال الاحصائيات تغير المدارك والحديث الشعبي. فقبل تقرير كنسي الاول في عام ,1948 (والذي حمل اسم مؤلفه الفريد كنسي) والذي حمل عنوان (السلوك الجنسي لدى الذكور من البشر), كان الجنس من الموضوعات المحظورة على البحث والنقاش العام. وبعد الشهرة الهائلة التي حظى بها تقريره, تراجعت المحرقات, وتلا هذا التقرير دراسات اخرى واصبح التردد في الحديث عن الجنس, مع مرور الزمن, تردداً في الحديث عن اي شىء آخر تقريباً. وتستجيب السياسة على نحو مماثل لما تخبرنا به الارقام حتى وان كنا في اغلب الاحيان نحاول انكار هذه الرسالة. وفي عام 1965 كتب دانييل باتريك موينهان الذي كان في حينه مسئولاً متوسطاً في وزارة العمل وهو الآن سناتوراً امريكياً, تقريراً ذهب إلى القول باستخدام احصائيات حكومية, ان التفكك الاسري بين الامريكيين السود يعتبر العائق الاكبر امام تقدمهم الاقتصادي والاجتماعي. ومن اجل هذا انتقد في البداية لالقائه اللوم على السود في محنتهم. وفي الوقت المناسب سادت استنتاجاته ليس فقط بالنسبة للسود وانما ايضاً بالنسبة للبيض والامريكيين من اصل لاتيني كذلك. بالطبع هناك بعض الامور التي لا تتغير ابداً. ومن هذه الامور على سبيل المثال التناقضات الواضحة في الرأي العام. يقول واتنبرج ان اول سؤال في استطلاع جالوب للرأي في عام 1935 كان الآتي: (هل تعتقد ان الانفاق من جانب الحكومة للتخفيف من آثار الركود الاقتصادي والعودة إلى الوضع السوي قليل جداً او كبير جداً ام ملائم تماماً؟ قال 60% من المستطلعة اراؤهم ان الانفاق (كبير جداً) واجاب 31% بأنه (ملائم) واجاب 9% فقط بأنه (قليل جداً). وبالتأكيد فإن هذا الاستطلاع قد كشف عن مسحة عميقة محافظة. (في عام 1935 بلغ معدل البطالة 20%) ولكن بعد ثلاثة اشهر, وجه معهد جالوب سؤالاً جاء فيه: (هل تؤيد مخصصات التقاعد الحكومية للمحتاجين؟) وكان الرد كالتالي: 89% اجابواً بـ (نعم) و11% اجابوا بـ (لا) وهنا كان انفجار لليبرالية. اي من الوضعين كان ذلك؟ ربما كان الاثنان. بالتأكيد, يمكن ان يقال بأننا نعد وبالتالي نجادل, ونفكر ملياً ونتلاعب بالارقام. هذا عصر تحدد فيه الاحصائيات كل شىء نفكر او نقوم به تقريباً. والناس يهتمون بالارقام لأن الارقام تمثلنا.