يواصل مهاتير محمد في القسم الثاني من الفصل الخامس الحديث عن التجربة اليابانية الاقتصادي العملاقة وعن اسباب نجاحها بسرعة قياسية, ثم يسرد الظروف التي اتاحت للماليزيين الاستفادة من هذه التجربة بسرعة ايضا للحاق بقطار التقدم الصناع الاستفادة من دروس الوحدة اليابانية والعمل الشاق والادارة الصارمة, ويعترف بأن الاستثمارات اليابانية هي التي حولت ماليزيا الى قاعدة صناعية مهمة ويؤكد في هذا الفصل بأن اليابان ستظل قوة اقتصادية رائدة في القرن الحادي والعشرين غير انه حدد المشكلات الداخلية التي تهدد اليابان وهي غياب الزعامة السياسية والهوية الوطنية ويقول مهاتير محمد. لم تكن قيم العمل اليابانية هي الميزة الوحيدة التي وجدنا انها تستحق التقليد ضمن سياسة الاتجاه شرقا. فالطريقة التي نجحت بها اليابان في ايجاد قطاع للتصنيع شديد المنافسة في بلاد خالية من المواد الخام كان احد الجوانب التي تسترعى الانتباه في النموذج الياباني. وعلى الرغم من ان ماليزيا غنية بالمصادر الطبيعية وقد حباها الله بأرض خصبة صالحة للزراعة فإن الحاجة الى بناء قطاع تصنيع قوي كان على رأس قائمة أولوياتنا. استراتيجيات التسويق اليابانية في الأسواق الدولية والتي اتسمت بالنجاح الكبير كانت من النقاط الأخرى التي تسترعي الاهتمام فقد ظل الادعاء السائد من حين لآخر هو ان البيوتات التجارية اليابانية الكبيرة التي تعرف باسم سوجو سوشا ليست فعالة او مريحة ولكن خلال الايام الأولى للتوسع التجاري الياباني في الاسواق العالمية كانت تلك البيوت هي التي فتحت الطريق امام التجارة اليابانية على نطاق واسع للترويج للسلع اليابانية. لذلك ركزنا على العديد من القوى المحركة التي تقف وراء النجاح الياباني بينما كنا نسعى باستمرار الى معرفة الكيفية التي يمكن بها تكييف هذه العناصر لتلائم وضعنا. واحدة من هذه المفاهيم التي برزت من هذا البحث والتي ساعدت بشتى الطرق في تفاعل الطبقة العاملة لدينا كانت فكرة اليابان المتحدة التي تعمل بارتباط وثيق بين اعضاء مجتمعها. إن من بين الاتهامات التي توجهها الشركات الغربية هي ان الشركات اليابانية مرتبطة ارتباطا وثيقا على ما يبدو بالحكومة اليابانية لدرجة انه لا يمكن التفريق بين الاثنين اذ تشعر الشركات الاجنبية بأنها تواجه المجتمع الياباني بأكمله بينما تتنافس مع الشركات اليابانية كما ان نظام التوزيع الداخلي ظل هو الآخر مثار انتقادات لا تنتهي. ويبدو ان اليابان كلها موحدة في شركة واحدة تعمل من اجل مصلحة الأمة وهي امة ظلت غير مستساغة لصناعات الغرب القائمة على النزعة الفردية المنافسة الحادة. بطبيعة الحال فإن الشركات الماليزية تتنافس مع بعضها البعض سواء كان ذلك في تسويق السلع او الفوز بعقود المناقصات وهي فعلا تشكو من السياسات والاجراءات التي تفرضها الحكومة ولكن في معظم الاحيان ظلت الشركات اليابانية دعما قويا وتوجيها سليما للحكومة وبالتالي التمتع بدرجة عالية من الحماية والأمن في الوقت الذي كان فيه الاقتصاد على اعتاب النضوج. ولا غرابة في ان العديد من الشركات الاجنبية وجدت انه من الصعب للغاية اختراق الأسواق اليابانية بسبب الاجراءات الحكومية المعقدة وبالتالي هناك الكثير الذي يبرر الى حد ما بروز تعبير (المؤسسة اليابانية) والذي ينم عن انتقاد وانتقاص. بالنسبة للمخططين في ماليزيا فإن فكرة (المؤسسة اليابانية) كانت بمثابة مصدر الهام اكثر من كونها لعنة اقتصادية. ولم تكن العلاقة بين القطاع الخاص والحكومة في ماليزيا في الماضي مرضية, فتاريخيا اعتبرت الحكومة نفسها انها خصم للقطاع الخاص كما ان القطاع الخاص من جانبه كان ينظر الى الاجراءات والقوانين الحكومية باعتبارها تمثل عقبات امام النشاط التجاري. لقد سادت مرحلة طويلة من العداء بين الجانبين وحتى عندما تفهم المسئولون الحكوميون حاجة الصناعات الماليزية وقاموا بتوفير الدعم والمساندة فإن ذلك كان يتم بتردد ودرجة كبيرة من الشك. فقد فشل موظفو الخدمة المدنية في الماضي في ادراك حقيقة ان الصناعات الوطنية سوف تعاني اذا تم تعطيل النشاط الاقتصادي بسبب الروتين الحكومي على نحو غير ملائم. ورجال الأعمال من جانبهم كانوا يظهرون المودة لموظف الحكومة فقط عندما يكون الهدف من ذلك شراء مساعدة ذلك الموظف. وفي معظم الحالات كانت العلاقة بين النشاط التجاري والحكومة علاقة مواجهة ظاهرة للعيان. ومن نافلة القول ان هذه العلاقة غير المريحة والقائمة على عدم الثقة المتبادلة بدلا من العكس من ذلك لم تساهم ايجابا كما هو مؤكدا في تحقيق النمو الاقتصادي الذي كانت تهدف اليه ماليزيا. ولتشجيع الاداء الاقتصادي ودفعه الى الأمام راقت لنا فكرة ايجاد امة متحدة تتعاون فيها كافة الجهات سواء كانت حكومية او قطاعا خاصا لتحقيق الثروة والازدهار. لذلك كنت اقول لموظفي الدولة من حين لآخر (إن أجوركم تأتي من القطاع الخاص اي من الضرائب التي تدفعها الشركات وبالتالي فإنكم عندما تساعدون القطاع الخاص فإنكم تساعدون انفسكم. اليوم نجد ان موظفي الخدمة المدنية لدينا قد استوعبوا وتقبلوا وجهة النظر هذه وأن النشاط التجاري قد انتعش بدرجة كبيرة بفضل التعاون بدلا من المواجهة مع المسئولين. ويعود الفضل في هذا التغيير الى سياسة الاتجاه شرقا التي انتهجناها, ومع مرور الزمن فإن النتائج التي تحققت تشهد على قيمة انفتاح المرء ذهنيا ورغبته في ان يتعلم باستمرار من النماذج الناجحة سواء كانت في الشرق او الغرب. التطلع إلى المستقبل لقد استمررنا في الاتجاه شرقا حتى خلال حقبة التسعينيات وسألني الكثيرون لماذا استمرار هذا التوجه, وحجتهم في ذلك هي انه اذا كان من الواضح ان اليابان قد فشلت حيث انهار اقتصادها الذي كان يعرف باسم اقتصاد الفقاعة في عام 1990 فلماذا نستمر نحن في التطلع الى اليابان لرسم طريقنا؟ من المؤكد ان اليابان تعاني من مشاكل خطيرة وربما تكون قد فشلت في العديد من المجالات غير انه حتى الفشل يمكن ان يوفر لنا بعض الدروس لنتعلم منها. ولا يزال هناك الكثير من الامور التي يمكن ان نتعلمها من اليابان وانا اعتقد اعتقاداً جازماً بأن اليابان سوف تستمر كقوة اقتصادية رائدة في آسيا في القرن الحادي والعشرين فالمهارات الاستثنائية والتقنية المتقدمة والانضباط والنظام وقيم واخلاقيات العمل جميعها صفات تستحق ان تنقل ويستفاد منها ولم تؤثر عليها حالة الركود الاقتصادي الطويلة التي تعاني منها اليابان. ان ماليزيا وبقية المنطقة في حاجة إلى احياء الاستثمارات اليابانية وسوف يساعدنا ذلك على توفير فرص عمل جديدة وزيادة مداخيل السكان ووضع الاقتصاد على الطريق الصحيح وبوتيرة اسرع مما كنا سنحققه في غياب الدعم الياباني. وبطبيعة الحال فإن ذلك سوف يعيد الحيوية إلى الاسواق الآسيوية ويجعلها اكثر استعداداً لتقبل الصناعة اليابانية. بعض الاموال التي ظلت الحكومة اليابانية تضخها في اقتصادها عقب انهيار ما يعرف باقتصاد الفقاعة يمكن ضخها في اقتصاديات شرق آسيا التي تعاني من الصعوبات. لقد ساعد المستثمرون اليابانيون في الماضي على تحقيق الرفاهية والازدهار لآسيا والآن حان الوقت للعمل سوياً مرة اخرى لصالح جميع الشعوب. الغياب المقلق للقيادة اليابانية ان السؤال الحاسم الذي يواجه اليابان يتمثل في مقدرتها على ايجاد الزعامة والشجاعة المطلوبين للقيام بهذه المهام المفيدة والضخمة. واحد الاشياء التي لم نرغب نحن في ماليزيا في تعلمها من اليابان هي نوعية حكومتهم وخاصة عملية اتخاذ القرار لديهم والتي تتسم بالبطء الشديد. وطوال سنواتي الثماني عشرة كرئيس لوزراء ماليزيا استقبلت على الاقل ثمانية رؤساء وزراء يابانيين مختلفين في كوالالمبور. مشكلة الهوية اليابانية اليابان لا تزال مترددة في تقرير ما اذا كانت تمثل فعلا جزءاً من آسيا ام لا. بعض رجال الاعمال والمواطنين العاديين ربما يعتبرون انفسهم آسيويين حتى النخاع ولكن يبدو ان الحكومة تشعر بانهم فعلاً أو يجب ان يكونوا اكثر التصاقاً بالغرب. وعندما انضمت اليابان إلى مجموعة السبع قبل عدة سنوات تسببوا من غير ان يقصدوا في الحاق الاذى بالدول الآسيوية الاخرى. من الناحية الرمزية والسيكولوجية فقد تسبب ذلك في توجيه رسالة مفادها ان اليابان اكثر حرصاً ورغبة في بناء علاقات مع الدول الغربية من رغبتها في القيام بذلك مع جيرانها في آسيا, وايضاً وبطريقة اكثر وضوحاً لأن الين قد اعيد تقييم سعره بمعدل مرتين ونصف. وبسبب ذلك فإن جميع القروض التي اخذتها ماليزيا من اليابان بالين بما في ذلك جزء يعود إلى الستينات قد اصبحت الآن اكبر حجماً وقيمة بمعدل مرتين عما كانت عليه في السابق فالمبلغ الذي تبلغ قيمته 100 مليون رنجت ماليزي اصبح يعادل 250 مليون رنجت بين ليلة وضحاها دون اية تعديلات للتعويض رغم مناشدتنا المستمرة للحكومة اليابانية. ان على اليابان اليوم ان تترجم كثيراً من قوتها الاقتصادية إلى مبادرة سياسية غير انه من الصعوبة تصور كيفية تحقيق ذلك. وحتى في الوقت الذي واجهت فيه آسيا اكبر ازمة بعد الحرب مع انخفاض قيمة العملة في نهاية عام 1997 كانت اليابان القوة الاقتصادية الكبرى في المنطقة غير قادرة على توفير زعامة سياسية. وتم اجهاض اقتراح انشاء صندوق النقد الآسيوي الذي قدمه وزير المالية الياباني في مؤتمر دولي في هونج كونج في شهر اكتوبر عام 1997 حتى قبل ان ينال حظه من البحث. وكان وراء ذلك الولايات المتحدة المتلهفة لان تظل مسيطرة على النظام المالي العالمي عبر ذراعها الطويل, صندوق النقد الدولي. ولم يستطع اليابانيون حتى اظهار زعامة قوية تقف إلى جانب الدول الآسيوية وقت الحاجة, وتخلوا بكل بساطة عن اقتراحهم المثير للاهتمام بسبب عدم توفر الدعم من الولايات المتحدة. واضاعت الحكومة اليابانية في ذلك الوقت على ما يبدو فرصة عظيمة لمساعدة آسيا وقيادتها حتى تعبر الازمة. اعادة بناء آسيا والتحديات الصعبة يتناول مهاتير محمد في الفصل السادس من كتابه المثير (خطة جديدة لآسيا) التحديات الصعبة التي خاضتها دول جنوب شرق آسيا لإعادة بناء اقتصادياتها بعد الكارثة المالية المدمرة. ويركز في هذا الفصل على الاسباب التي ادت إلى فشل النظام العالمي الجديد, كما هاجم بشدة الدور السلبي لصندوق النقد الدولي في كارثة آسيا الاقتصادية والتي كلفتها مليارات الدولارات, ويدعو مهاتير صراحة الدول عدم الانتظار لوصفات صندوق النقد الدولي لانها مرة ومدمرة, ويقول رئيس ماليزيا: تواجه شعوب شرق آسيا هذه الايام مهمة ضخمة. وعلى الرغم من اننا لم نصبح ضحاياها للحروب التقليدية, فإن مهمة اعادة بناء الاقتصاديات المدمرة لا تقل اهمية عن تلك المتعلقة بإعادة بناء دولة في اعقاب حرب ضروس. هناك فارق رئيسي رغم ذلك يعيق توقعاتنا لتحقيق انتعاش سريع وهو انه وعلى عكس الوضع عقب الحرب فإننا لا ندري بالتحديد من هم حلفاؤنا ومن هم اعداؤنا. كذلك نحن لا نستطيع حتى ان نكون متأكدين من قواعد اللعبة التي نحن على وشك الدخول فيها كما اننا لا نملك ضمانات بعدم حدوث هجمات اخرى ضد اقتصادياتنا. لقد حاولنا الدفاع عن انفسنا بقدر استطاعتنا ولكن بالنسبة للبعض منا فإن اية خطوة لاعادة الحياة إلى اقتصادياتنا تعرضت للهجوم الفوري ووصفت بأنها خدعة لمساعدة أعضاء الحزب الحاكم ومحاسيبهم لأن من المستحيل على الذين يسعون للانتقاص من قدراتنا من الأجانب خارج شرق آسيا أن يعتقدوا بأن زعماء الحكومات الآسيوية يمكن ان يكونوا شرفاء وأمناء مع أنفسهم وشعوبهم. فاذا فعل الزعماء الآسيويون أي شيء لصالح بلدانهم فان ذلك لابد ان يكون قد تم لأن هؤلاء القادة مفسدون ويريدون مساعدة عائلاتهم. وهذا التحامل والنظرة المجحفة للآخرين سوف يستمران لفترة طويلة. ولابد من ان نتذكر بأن الناس الذين يروجون لمثل وجهات النظر هذه هم حفدة الاستعماريين القدماء الذين سعوا لفرض سيطرة الجنس الأبيض على العالم. وهم لايستطيعون التخلي عن أساليبهم التي تهدف الى إثارة الذعر والقلق مهما حققت حضارتهم من تطور مزعوم. اننا ببساطة لايمكن ان نتوقع معاملة منصفة وعادلة للآسيويين والأفارقة وعليه لابد لنا من تجاهل كافة أشكال التحامل والإجحاف ونستمر جاهدين في اعادة بناء اقتصادياتنا. ان عملية البناء لايمكن ان تتم بمعزل عن مهام اخرى, فخلق عالم أفضل أكثر إنسانية واتساعاً للبشر في القرن المقبل يتطلب عملية بحث عميقة عن الذات وهي مهمة لها نفس القدر من العالمية والجهد كما لانتقال رأس المال الكترونياً بحثاً عن الأرباح. ان المطلوب هو اعادة تقييم أساليب عمل الاقتصاد العالمي والأنظمة المالية دون أية شروط ومن دون المبادىء التي يروج لها أساطين المال. فإن اعادة بناء شرق آسيا يمكن ان توفر فرصة تشتد الحاجة اليها لاعادة بناء التركيبة المالية للعالم. فقد ألقت الأزمة المالية الآسيوية في عامي 1997 و1998 بآثارها على العالم بأسرة وأحدثت قلقاً واضطراباً شديداً في روسيا وأمريكا اللاتينية. وحتى أسواق المال الأوروبية والأمريكية لم تستطع تفادي حدوث اضطراب فيها. وفي مختلف الأحوال فان العالم متشابك اليوم لدرجة ان أي حل يتطلب تعاوناً وتنسيقاً دولياً. وإذا نجحنا بطريقة ما في اعادة بناء نظام اقتصادي عالمي أكثر عدلاً واستقراراً فإن هذا سيكون تطوراً هائلاً أفضل بكثير من (النظام العالمي الجديد) الذي تصوره جورج بوش والذي فشل فشلاً ذريعاً في ان يتحقق منذ حرب الخليج ضد العراق. ستكون معجزة اخرى وفصلاً عظيماً في تاريخ العالم اذا أمكن للمعاناة والآلام التي لحقت بالعديد من الآسيويين ان تؤدي الى خلق نظام عالمي جديد حقاً, عالم يصبح فيه من المستحيل على بضعة آلاف من التجار إلحاق الفقر بملايين الناس الأبرياء, عالم يحل فيه الاحترام المتبادل الصادق محل حكم المال الوحشي ويشعر فيه الناس مرة اخرى بالثقة من انهم يسيطرون ولو جزئياً على مصيرهم. في الوقت الراهن لا أملك سوى ان أبدي تشككي الكثير بشأن إمكانية بروز مثل هذا النظام العالمي الجديد من وسط الفوضى السائدة حالياً. فالأمر يتطلب التخلص من الكثير من المحظورات وأن يتخلى الكثير من الناس من بعض سلطتهم ونفوذهم حتى يمكن للاقتصاد الدولي ان يصبح أكثر عدلاً. ان الوقت يمضي بسرعة ولايمكننا الوقوف دون حراك والبكاء على خسائرنا وندب حظنا العاثر سيجعلنا فقط أكثر عرضة لهجمات المضاربين والسماسرة الذين يفسرون أي ضعف على انه فرصة للاستفادة من عمليات الشراء المتاحة بأسعار مجزية. لابد لنا من التقدم الى الأمام لبناء اقتصادياتنا واستعادة الثقة بأنفسنا. ونحن ندرك سلفاً ان الاجراءات التي يتعين علينا اتخاذها سوف تكون مؤلمة والعديد منها سوف تتعرض للانتقاد والهجوم من القوى الدولية. ولكن مثل هذه الصعوبات يجب ألا تعيقنا عن العمل فشعوب شرق آسيا مطلوب منها اليوم ان تعمل سوياً لخلق مستقبل أفضل للآسيويين وحتماً للعالم كله. تعرجات القرن الجديد أهم ما يميز القرن الحادي والعشرين هو من دون شك بروز المجتمعات الالكترونية في كون تسوده العولمة. نحن في آسيا تذوقنا طعم ما قد يأتي ومازلنا نرزح تحت وطأة اختبار عينة من سوق تسوده العولمة تتحرك فيه مبالغ طائلة من الأموال بين الدول والقارات بسرعة لايستطيع الزمن مجاراتها. لقد أصبح التفكير ينطوي على مفارقات تاريخية والتخطيط المسئول للمستقبل في عداد المستحيلات وصارت البندقية وليس العقل هي التي تتحكم. والى جانب رأس المال فإن القرن الحادي والعشرين سوف يشهد كذلك حركة كثيفة عبر الحدود للعمال والمهنيين. وسوف تسمح تقنية الاتصالات الالكترونية للعمال بأن يعيشوا في بلد ويعملوا في بلد آخر في نفس الوقت. ولكن في نهاية الأمر سوف يتحرك العمال من بلد لآخر في عالم بلا حدود. لن تكون هناك دولة ذات عنصر عرقي واحد وستصبح دول العالم متعددة الأعراق والأجناس مثل ماليزيا. ويتعين على الدول التي تنعم ظاهرياً بوجود عنصر عرقي واحد هو الطاغي أن تتعلم كيفية التأقلم مع سكان تتنوع أعراقهم وأجناسهم تنوع ألوان قوس قزح. الدواء المر لصندوق النقد الدولي لقد مضى أكثر من عام منذ وقوع الأزمة المالية في آسيا. وقياساً بالدولار الأمريكي فان المؤشرات توضح ان الانتاج ربما ينخفض بنسبة 2 الى 3% في عام 1998 مما يعكس الأثر الذي أحدثته الكارثة في روسيا وشرق آسيا حيث تعرض المدنيون لضغوط شديدة وانخفضت ايرادات الشركات وتدنت مستويات المعيشة على مستوى العالم. وبدخول الربع الأخير من عام 1998 فإن امكانية حدوث انكماش عالمي أصبح أكثر خطورة مما كان عليه من قبل. ولم يستطع صندوق النقدالدولي أو مجموعة السبعة أن يتعاملا بفاعلية مع المشكلتين المتلازمتين وهما الدولار القوي ظاهرياً فقط والتخفيضات المتسعة في قيمة العملات والتي جرى استغلالها دون هوادة. وبالنسبة للدول المتأثرة بالأزمة فإن هروب رأس المال قصير الأجل وعلى مستوى واسع وانهيار سوق الأسهم والتخفيضات الكبيرة في قيمة وارتفاع معدلات الفائدة وبرامج التقشف التي اقترحها صندوق النقد الدولي كل ذلك لم يساعد على تحسين الوضع. وعلى العكس فقد أدت تلك الاجراءات الى مزيد من التدهور في مستويات المعيشة. ان وصفة صندوق النقد الدولي لمعالجة كل الأزمة الاقتصادية للدول والمتمثلة في معدلات الفائدة المرتفعة والميزانيات المتوازنة وضبط ميزان المدفوعات تفتقر الى بعد النظر بل هي عاجزة عن التعرف على الاختلافات في اقتصاديات الدول الغنية. هذه الاجراءات القاسية تتفاقم خطورتها بسبب الاصلاحات المصرفية التي تبدو انها قصد منها زيادة عدد المؤسسات والشركات المفلسة بينما يطلب الى الدول التي تعاني الأزمات التخلي عن آخر حصون السيطرة الوطنية على الأسواق والانفتاح على العالم. بالنسبة لصندوق النقد الدولي فان الوسيلة تأتي أولاً وتعطى الأولوية القصوى بينما النتائج تعتبر أمراً ثانوياً أو حتى لا أهمية لها. فالصندوق لايهتم بصلب المشكلة ولكن اعطاء دواء خطأ لمريض في مرحلة الخطورة ربما أدى الى نتائج وخيمة. وبالتالي فإنه وبعد تطبيق اجراءات الصندوق فإن اقتصاديات الدول المعنية تتدهور للدرجة التي يتطلب معها تحقيق انتعاشها عشرات السنين وحتى تحقيق ذلك يتطلب سحب بعض الدواء ووقف استخدامه. لقد أقر صندوق النقد الدولي الان انه قد ارتكب خطأ صغيراً في تعامله مع الاقتصاديات الآسيوية. هذا الخطأ ربما يكون بسيطاً في نظر الصندوق ولكن الثمن الذي دفعته الدول الآسيوية كان باهظاً الى أبعد الحدود فقد دمرت ترليونات الدولارات من الثروات التي تحققت بالعرق والجهد وكذلك الطاقات والامكانيات الاقتصادية وأزهقت أرواح وانهارت حكومات وازدادت النعرات والعداوات العرقية. وتعرضت الشراكة بين الدول المتجاورة للخطر والتحالفات الاقليمية لعدم الاستقرار. بوضوح, فان النتيجة التي ترتبت على خطأ الصندوق البسيط هذا لم تكن أبداً بسيطة في ابعادها.