يواصل مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا حديثه عن القيم الآسيوية ومقارنتها مع القيم الامريكية ويخلص إلى نتيجة هامة مفادها ان القيم الآسيوية تظل اسيوية والامريكية او الغربية تظل غربية، ولن تلتقياه ويفند اتهامات البعض له بأنه يؤيد الدكتاتورية حينما يدعو للحفاظ على القيم ولم ينكر وجود انتهاكات خطيرة لحقوق الانسان في معظم مناطق آسيا وانعدام المساواة وانعدام الاحترام للمرأة والطفل والايمان بالسحر والخرافات والتمزق الاجتماعي ويستعرض دراسة مقارنة حول القيم الآسيوية والأمريكية بقوله: اجرى ديفيد هيتشكوك المدير السابق لادارة شئون شرق آسيا والمحيط الهادي في وكالة الاعلام الامريكية دراسة قارن فيها بين القيم الشرق آسيوية والامريكية. وفي عام 1994 طلب من عدد من الامريكيين ومواطني شرق آسيا (يابانيين وتايلانديين وصينيين وكوريين وماليزيين وسنغافوريين واندونيسيين وفلبينيين) أن يختاروا ست قيم اجتماعية وخمس قيم شخصية يعتقدون انها اساسية في حياتهم. وتم نشر النتائج في مطبوعة تدعى (آسيان فاليوز آند ذي يونايتد ستيتس) (وترجمتها القيم الآسيوية والولايات المتحدة): مستعرضاً مدى التضارب بين الاثنين. ووجدت دراسة هيتشكوك ان القيم الاجتماعية الست الاكثر رواجاً بين سكان شرق آسيا هي: وجود مجتمع منظم ومرتب, وثانياً التجانس الاجتماعي وثالثاً ضمان محاسبة المسئولين الحكوميين, ورابعاً الانفتاح على الافكار الجديدة, وخامساً حرية التعبير وسادساً احترام السلطة. ومن جانب آخر كانت القيم الست الاكثر شيوعآً بين الامريكيين هي اولاً حرية التعبير, وثانياً حقوق الفرد, وثالثاً الحرية الشخصية ورابعاً النقاش المفتوح, وخامساً التفكير في الذات وسادساً ضرورة محاسبة المسئولين الحكوميين. ومن المثير هنا ان عدداً اكبر من الآسيويين مقارنة بالامريكيين اكدوا على اهمية الافكار الجديدة والمسئولية العامة. وحقيقة ان الآسيويين اختاروا النظام والانسجام واحترام السلطة بينما وضع الامريكيون اهمية اكبر لحقوق الفرد والنقاش المفتوح لا يجب ان تثير الاستغراب. لقد وجد هيتشكوك اختلافات جوهرية ليس فقط فيما يتعلق بقيم المجتمع وانما كذلك فيما يخص القيم الفردية, فالقيم الخمس الاكثر اهمية لدى الامريكيين هي: اولاً الاعتماد على الذات وثانياً الانجازات الشخصية وثالثاً العمل الجاد ورابعاً تحقيق النجاح في الحياة وخامساً مساعدة الآخرين. بينما اختار القيمة الشخصية السادسة والتي هي الاكثر اهمية اي تنفيذ الالتزامات تجاه الآخرين ما نسبته 39 في المئة من المواطنين الآسيويين مقابل 19 في المئة فقط من الامريكيين اختاروا هذه القيمة. ومن ناحية اخرى بينما اكد 59 في المئة من الامريكيين على تحقيق النجاح في الحياة كانت النسبة وسط الآسيويين هي النصف فقط. وبينما اكد 59 في المئة من الامريكيين على اهمية الانجاز الشخصي, اكد 33 في المئة من الآسيويين على ذلك. ومن بين المقارنات الاخرى التي وردت في الدراسة ما يلي: 69 في المئة من الآسيويين اكدوا اهمية احترام المعرفة مقارنة بنسبة 15 في المئة فقط من الامريكيين, وبينما اكد 48 في المئة من الآسيويين على الانضباط الذاتي كانت النسبة هنا وسط الامريكيين هي 22 في المئة فقط. من المستحيل طبعاً تحديد درجة دقة المدى الذي يعكسه هذه الدراسة الامريكية من الواقع. غير ان بيانات هيتشكوك رغم ذلك توفر نتائج تبدو متوافقة مع الافتراضات البديهية لمعظم مواطني شرق آسيا وغيرهم من خارج القارة الذين يعرفون ويفهمون شرق آسيا جيداً. انا اقر فعلاً بأن العديد من القيم الآسيوية التي يرددها الكثير من الآسيويين يبجلونها قولاً اكثر منها فعلاً يتم تجاهلها وخرقها اكثر من ممارستها. ان بعض القيم الآسيوية تعكس بوضوح مرحلة التقدم التي نعيشها وفي المستقبل ربما يتم تحديدها او حتى التخلي عنها سواء كان ذلك للافضل او الأسوأ, مع تقدم آسيا إلى الامام مرة اخرى. من الملاحظات المضللة الاخرى التي يستنتجها المرء من دراسة هيتشكوك هي ان الكثير من القيم التي تعتبر الآن آسيوية كانت في وقت ما قيماً غربية كذلك, وهي لا تزال فعلاً تمثل قيماً اساسية لمجموعة كبيرة وذات نفوذ قوي من الامريكيين تدعى اليمين المسيحي. والكثيرمن هذه القيم مثل احترام السلطة والاسرة والنظام الاجتماعي والانضباط الذاتي يمكن ايضاً ان تسمى (قيماً فيكتورية) نسبة إلى العصر الفيكتوري وهي معتقدات كان الغرب قد تخلى عنها او فقدها مع مرور الزمن. مستقبل القيم الآسيوية آمل الا تكون تعليقاتي حول القيم الآسيوية قد تم تفسيرها بحيث توحي بانني مؤيد للدكتاتورية والاستبداد والحكم المطلق والممارسات غير الديمقراطية وكبت حقوق الانسان والتعذيب واستغلال الاطفال في العمل وحرمان النساء من حقوقهن او التدمير المسرف للبيئة. ان الاختباء تحت عباءة النسبية الثقافية بغيض اخلاقياً لدى التعامل مع امور خطيرة كهذه. كما ان البطش وغيره من الممارسات الفظيعة متى وأين مورس لا يمكن قبوله بأي حال من الاحوال. ويتعين احترام القيم الانسانية الآن وفي المستقبل في آسيا وفي أي مكان آخر. ومن الواضح ان هناك الكثير الذي يمكن لآسيا ان تتعلمه من بقية العالم. وهناك بعض القيم الآسيوية التي ينبغي طردها جانباً او القضاء عليها تماماً. والله وحده يعلم كيف عملنا وناضلنا بكل قوة ضد الكثيرمن هذه القيم المؤذية في الماضي. ان العديد من مناطق آسيا تتفشى فيها القيم المادية الطاغية بينما تشكو اجزاء اخرى من المعارضة المفرطة ضد المادية. واذا ما جنحت الروحانية إلى الغلو والتشدد فإنها تظهر نفسها في اكثر الاشكال بعداً عن الروحانية اما عبر العنف او اضطهاد بعض المجموعات بعينها في المجتمع. ان احد الجوانب المتناقضة للأزمة الاقتصادية الآسيوية هي انها ادت إلى حدوث بحث مثمر عن الذات حتى في الغرب حول اكثر نظم القيم قدسية عندهم كما تعبر عنها رأسمالية السوق الحر. لقد اجبر فشل الاجراءات الاقتصادية التي حددت لحل الازمة حتى اعظم انصار الحرية المطلقة في السوق على اعادة تقييم الفوائد التي يحصلون عليها كما تشهد بذلك تصريحات من اليابان إلى أوروبا في خريف عام 1998. وهذه الشخصيات الهامة مثل رئيس الوزراء البريطاني توني بلير والمستشار الالماني جيرهارد شرويدر ووزير المالية الياباني وغيرهم تقدموا باقتراحات لوضع نوع من القيود على الحركة غير المنظمة بالكامل للعملات ورأس المال. وهذا التراجع في حد ذاته يمثل خطوة مطلوبة بشدة.وان كانت غير كافية نحو نقاش مثمر حول القيم الخاصة بالحرية والحقوق لعدد قليل من التجار المضاربين مقابل الحقوق التي تضمن حياة كريمة لملايين الآسيويين. ان القيم الآسيوية الاساسية التي ذكرتها هنا كان لها في الحقيقة اثر ضئيل للغاية على مكامن الازمة الاقتصادية الآسيوية وبالتالي فإن من العبث القول الآن بأن صعوباتنا الاقتصادية يجب ان تثبت خطأ انظمة القيم الآسيوية. اذا كان قد ثبت ان اي نظام للقيم قد كان على خطأ فإن ذلك سيكون القيم ذات التوجه الربحي المحض والممعنة في المادية والمغروسة في النظام المالي العالمي الذي خلقه الغرب. بالنظر الى المستقبل فإن من الواضح ان بعض القيم الآسيوية لابد بل وسوف تتغير ولكن ستظل هناك بعض التقاليد التي نرغب في التشبث بها. سوف نكافح ضد انحلال وتفكك المؤسسات الاجتماعية التي ابتليت بها العديد من المجتمعات الغربية. وعلى الرغم من ان معظم الدول الغربية هي في غالبيتها مسيحية فقد شهدت في السنوات الأخيرة انفصالا تاما للدين من الحياة العلمانية, واسوأ من ذلك, استبدال الدين بقيم تدعو للمتعة واللذة. لقد اصبحت المادية والارضاء الفوري للحواس والشهوات والانانية وعبادة الفرد اشياء مثل المبادىء الثقافية. قد تراجع المجتمع ليسود الفرد ورغباته. ان المطلوب فعلا عندما نفكر في انظمة للقيم مستقبلا هو ما اسميه الاحترام المتبادل ان هناك الكثير من الغرب الذي يستحق الاحترام ولكن آسيا ايضا يجب اعطاؤها ما تستحقه من احترام وتقدير. ان الاحترام المتبادل يتطلب قبول مبدأ ان الذين يحملون وجهات نظر مختلفة ليسوا بالضرورة قد تم التغرير بهم وتضليلهم او انهم اناس اشرار. إن الاحترام المتبادل يتطلب حدا ادنى من التواضع من كل الاطراف ان الدول الغربية لها الحق في ان يكون لديها اولوياتها وافضلياتها ولكن ليس من حقها فرض هذه الأولويات على كل شخص آخر رغما عنهم ان الدول العربية والآسيوية لها الحق في ان تلجأ بكل قواها الى استخدام قوة الاقناع ولكن ليس من حقها اللجوء الى الاقناع عن طريق القوة سواء كانت هذه القوة عسكرية او اقتصادية. لقد تعلمنا نحن في آسيا الكثير من الغرب لدرجة ان ما تعلمناه في مجال الأمور المالية كان من الكثرة بحيث اضطررنا الى التخلي عن بعضه لتفادي الاعصار الذي اصابنا. ونحن الماليزيين تعلمنا ايضا الكثير من جيراننا في الشرق خاصة من اليابان. ولاشك لايزال امامنا الكثير لنتعلمه سواء من الشرق او الغرب او الشمال او الجنوب. ونحن نعتزم الاستمرار ان نتعلم ونستفيد من افضل ما يمكن ان يعطيه تاريخ وثقافات العالم. ان القيم الآسيوية تظل قيما آسيوية, والقيم الغربية تظل قيما غربية وليس هناك اي خطأ في ذلك. ولكن وعلى العكس مما كتبه كيبلنج فإن الاثنين يمكن ان يلتقيا ومن ذلك اللقاء سوف يبرز دون شك بعض التفاهم الجديد المشترك والتقدير الجديد لحكمة كل جانب وقبول جديد لكل ما هو جيد ورفض لكل ما هو سيىء وردىء. النظر شرقا مرة اخرى خصص رئيس وزراء ماليزيا مهاتير محمد الفصل الخامس من كتابه (خطة جديدة لآسيا) للحديث عن علاقة اليابان بالدولة الآسيوية. منذ اندلاع الحرب العالمية الثانية وحتى الازمة الاقتصادية الاخيرة, ويعترف بفضل التجربة اليابانية في دفع عجلة النمو الاقتصادي بدول جنوب شرق آسيا, ويعتبر مهاتير صاحب نظرية الاتجاه شرقا نحو اليابان وهذا من وجهة نظره هو الطريق الامثل للتقدم الاقتصادي بدلا من الانتظار لما يقدمه الغرب من وعود معتقدا ان الغرب او الدول الغربية عموما لا تقدم شيئا بالمجان على الاطلاق.. ويتحدث عن الدور الياباني في احياء آسيا بقوله: استغرقت ز يارتي الأولى لليابان في عام 1961 اسبوعين. ومازلت حتى اليوم بعد مرور اكثر من ثلاثين عاما عليها اتذكر بوضوح انطباعي الأول عن امة تعج بالنشاط والمشروعات الاقتصادية. في ذلك الوقت كانت اليابان في اوج استعداداتها لاستضافة دورة الالعاب الأوليمبية لعام 1964 وكان العمل مستمرا في بناء طريق سريع عبر مدينة طوكيو الى جانب العديد من المشروعات الطموحة الاخرى. وكان الاقتصاد الياباني حينئذ لايزال متخلفا ولم تكن التكنولوجيا المستخدمة عندهم متطورة وسياراتهم من النوع ذي الثلاث عجلات ويشمل ذلك حتى الشاحنات الصغيرة التي تحمل السلع وتجوب شوارع طوكيو من والى مواقع الانشاءات والبناء. وكان من الواضح ان ارض الشمس المشرقة كانت فعلا تنهض بسرعة وبخطى تفوق كل ما عرفه العالم من قبل وهي التي كانت قد خرجت لتوها من دمار الحرب العالمية الثانية محطمة واقتصادها منهار تماما لتحتل في بداية الستينيات موقعا مرموقا في الاقتصاد الدولي. وفي السنوات التي تلت ذلك اصبح نجاح اقتصادها الرائع بحق مثالا يحتذى للعديد من دول شرق آسيا المتطلعة الى تدشين معجزاتها الاقتصادية الخاصة بها. اليابان ــ أداء اقتصادي من الوزن الثقيل ان تخصيص فصل من هذا الكتاب للدور الياباني في آسيا مهم في نظري لعدة اسباب. ففي الوقت الحالي حيث معظم مناطق آسيا تعاني من الازمات الاقتصادية, فإنه لا يمكن التقليل من اهمية اليابان. انظر فقط الى حجم الاقتصاد الياباني: فإجمالي الناتج القومي أكبر بعدة مرات من اجمالي الناتج القومي لدول شرق آسيا مجتمعة بما في ذلك الصين. وعلى الرغم من ان الصين تشهد نموا سريعا وربما فعلا قد امتلكت اهمية سياسية اكبر من اليابان فإنه لا يزال امام الاقتصاد الصيني عدة عقود من الزمن قبل ان يلحق بالاقتصاد الياباني. اما اذا اخذت الامر من ناحية الدخل الفردي فإنه ذلك ربما لا يحدث أبدا. ان اليابان بحق وحقيقة هي قوة اقتصادية ذات وزن ثقيل في آسيا وهي دولة تنظر اليها الدول الآسيوية نظرة خاصة لدرجة ان كل خطوة تخطوها وكل اجراء تقوم به تتم متابعته بدقة من جانب هذه الدول. وعندما يرتفع او ينخفض سوق الاسهم الياباني يكون له ردود فعل قوية عبر المنطقة بأسرها. وبعض الزعماء الآسيويين ربما يهمس قائلا انه اذا حزمت اليابان امرها واعادت تنشيط اقتصادها فإن الازمات والمشاكل التي تعاني منها بقية آسيا سوف تنتهي. لكنني لا اعتقد بأن الأمور بهذه البساطة مع ان تأثير اليابان على الاقتصاد العالمي ضخم للغاية. ومن الأسباب الاخرى التي تؤكد اهميتها القصوى لاقتصادات شرق آسيا هو استثماراتها الضخمة في مجالات الانتاج ومشاريع البنية الاساسية في كافة انحاء المنطقة. وكما ورد سابقا فإن 23 في المئة من اجمالي الناتج القومي لماليزيا تساهم به الشركات اليابانية العاملة في البلاد. وفي دول اخرى في آسيا قد لا تكون النسبة بهذه الضخامة ولكن رغم ذلك فإن من الواضح ان القرارات المستقبلية والخطط طويلة الأجل للشركات اليابانية سوف يكون لها اثر كبير على الانتعاش الاقتصادي لمعظم دول شرق آسيا. واذا ما قدر للشركات اليابانية ان تقوم باغلاق المصانع والاستغناء عن العاملين على نطاق واسع فإن الوضع سوف يصبح اكثر سواء لشعوب شرق آسيا. واذا ما استمر اليابانيون ملتزمين باستثماراتهم واستطاعوا تخطي الازمة فإنهم سوف يفوزون بتعاطف كبير باعتبارهم حلفاء حقيقيين وقت الشدة. سبب أخير لأهمية اليابان في آسيا يكمن في التاريخ. ففي أعين الغرب ينظر الى اليابان باعتبارها فقط المعتدي الذي تسبب في الحرب العالمية الثانية والذي احتل بصورة وحشية معظم شرق آسيا والصين خلال السنوات المخيفة من 1942 وحتى 1945. لقد وجهت الانتقادات لليابانيين بسبب الدمار الواسع الذي سببوه لآسيا ولا داعي للقول بأن الاحتلال الياباني لماليزيا لم يكن تجربة سارة. ان كثيراً من الناس الذين أعرفهم قد تعرضوا للضرب وأجبروا على حمل حجارة كبيرة فوق رؤوسهم وعوقبوا لأتفه الأسباب مثل عدم الانحناء للجنود اليابانيين. ومن ناحية اخرى وحيث انني كنت قد عملت في السوق المحلي في مدينة أكور سيتار فإنني أعلم جيداً بأن الجنود اليابانيين قد دفعوا أسعاراً جيدة للسلع التي كانوا يشترونها. وكأحد أصحاب الأكشاك التجارية فإنني لم أتعرض قط لسوء معاملة من الجنود اليابانيين. سياسة الاتجاه شرقاً عندما أصبحت رئيساً لوزراء ماليزيا عام 1981 كانت السياسة الاقتصادية الجديدة التي قصد بها إزالة الفوارق الاقتصادية بين الملايو والمجموعات العرقية الاخرى في عامها الحادي عشر وتسير بصورة جيدة. وكان واضحاً لدي رغم ذلك ان خطة التنمية هذه وحدها لن تكون كافية لتحويل ماليزيا الى دولة متقدمة بالكامل اذ كنا بكل وضوح في حاجة الى شيء آخر. واذا كان تحقيق هذه الحاجة غير ممكن في ماليزيا فإننا على استعداد للاتجاه نحو العالم الخارجي لتوجيهنا والبحث عن نموذج اجنبي يعطينا الإلهام والأساليب القادرة على تحسين أخلاقيات العمل والاداء الاقتصادي ككل. بمجرد ان قررت الحكومة إعطاء المواطنين التوجيه بشأن التجارب التي ينبغي عليهم نقلها لم يكن من الصعب اختيار النموذج المناسب. كانت قصة تحول اليابان, والى حد ما, كوريا الجنوبية من الفقر الى الغنى معروفة للجميع. وبعد اجراء الدراسات الدقيقة حول هذا الموضوع بدأنا رسمياً في تنفيذ سياسة الاتجاه شرقاً في أواخر عام ,1981 مستهدفين فيه ان نتعلم ونقلد العناصر المفيدة وبصورة أساسية من الثقافة اليابانية الاقتصادية لكننا لم نكن نهدف أبداً الى محاكاة كل ما هو ياباني اذ كنا مدركين جيداً ان المحاكاة والنقل بالكامل سيكون أمراً مستحيلاً بسبب الاختلاف الكبير في الخلفيات العرقية والتاريخية لبلدينا. ولم تكن سياسة الاتجاه شرقاً تعني أننا سوف نرفض بالكامل العناصر الايجابية من الغرب. كان الاتجاه شرقاً وليس غرباً يمثل كذلك التخلي عن قرون من الاعتماد الذهني على الدول الغربية والفكر الغربي. في بداية الثمانينات كانت الدول الغربية تبدو وكأنها قد فقدت القوة المحركة لها ــ كانت مستغرقة في أزمة نفطية وغير قادرة كما يبدو على التغلب على الركود الاقتصادي في الوقت الذي كانت فيه قوة اقتصادية جديدة وحيوية تتفجر في اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان. وبالنسبة لي كانت نتيجة طبيعية انه اذا كان لنا ان ننقل نجاحات الأمم الأجنبية فإن أفضل النماذج وأكثرها إثراءً لم تعد تؤخذ في أوروبا أو الولايات المتحدة وإنما على مقربة منا. فكان علينا ان نتجه شرقاً. نقل أخلاقيات العمل اليابانية يبدو ان أكثر العوامل أهمية في نهضة اليابان الجبارة يكمن في أخلاقيات العمل لديهم والتي من الواضح انها تختلف اختلافاً كبيراً عن تلك الموجودة في الغرب. الفكرة التي تقول بأنه يمكن الحصول على شيء دون مقابل تبرز بوضوح في النظرة الحالية تجاه العمل في العديد من الدول الغربية. ولذلك فإن العمال وبأسلوب يتسم بالمزاح يطالبون بزيادة الأجور وتحسين المزايا التي يحصلون عليها دون ان يربطوا ذلك بالانتاجية ودخل المؤسسة ككل. عندما كانت القوى الاستعمارية تتحكم في الأسواق العالمية فإن مثل هذا الاتجاه الذي لايمكن مقاومته ربما لايحدث ضرراً كبيراً. فالقوى الاستعمارية كانت تتمتع بالحرية الكاملة للوصول الى الأسواق في الامبراطوريات التي كانت تحتلها وكان بإمكانها بالكامل فرض أسعار البيع والشراء التي تحددها. أما في الاقتصاد الحديث حيث لا توجد دولة تستطيع السيطرة على السوق بمفردها أو احتكار تكنولوجيا الانتاج أو معدلات التسعيرة فإن أية زيادة في الأجور لاتكون مرتبطة مباشرة بزيادة متناسبة في الانتاجية يمكن ان تؤدي فقط الى خسارة المقدرة التنافسية في السوق العالمية. اذا كانت قيم وأخلاقيات العمل اليابانية قد ساهمت في تحقيق النجاح الاقتصادي والتجاري للبلاد, واذا كانت قيم العمل هذه يمكن امتلاكها وتطويرها بمعرفة وإدراك شعوب أخرى فإن النتيجة البديهية هي ان بإمكان ماليزيا كذلك تحسين قيم العمل لديها وبالتالي وضع البلاد في اتجاه مستقيم نحو تحقيق النمو والتطوير. أسفرت سياسة الاتجاه شرقاً عن سياسات ومبادرات عديدة شهدها عالم التجارة والاقتصاد. وشخصياً كنت متحمساً للغاية بشأن هذه المحاولة لتحسين نظرة الشعب الماليزي تجاه العمل, وكلما سنحت لي الفرصة كنت أقدم دعمي لمختلف المبادرات التي يجري تطبيقها. إن فضائل العمل الجاد متعددة ولكن بالطبع فإن مجرد العمل باجتهاد ليس كافياً, كانت قيم العمل اليابانية التي سعينا لتطبيقها تشمل كذلك الاخلاص والالتزام بالجودة والمواعيد المحددة لتسليم السلع. إضافة الى ذلك فإنني كنت مفتوناً بالديمقراطية المتأصلة في المؤسسات التجارية اليابانية. بعض العلماء ورجال الاقتصاد يعزون الانجازات اليابانية الاقتصادية الخارقة الى الثقافة اليابانية المتميزة قائلين ان هذه العناصر الثقافية الفردية لايمكن نسخها بواسطة الأمم الأخرى ولكنني كنت دائماً أختلف مع هذا الرأي. وعلى الرغم من ان الثقافة اليابانية لعبت دون شك دوراً محورياً فإنه لايوجد شىء لايمكن تعلمه بما في ذلك عناصر العائدات الثقافية. فقط أنظر الى تاريخ اليابان وسوف تجد ان هناك عدة حقب زمنية استوعبت فيها اليابان الكثير من العناصر الثقافية, أولاً من الصين في القرنين السادس والسابع ومؤخراً من الغرب في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وفي اعتقادي فإن قيم العمل اليابانية المتميزة والتي تعامل بكل تقديس ليست هي عنصراً ثقافياً تقليدياً مغروساً في المجتمع بقدر ما تمثل نظاماً للقيم جرى صقله وتهذيبه بعناية شديدة. ان العادات القديمة وكذلك الثقافة تعتبر بالتأكيد مهمة وذات قيمة ولكن اذا أجرينا تحليلاً متأنياً للممارسات التجارية اليابانية في الماضي يتضح ان الطريقة القديمة كانت مختلفة كثيراً عن الممارسات الحديثة التي تقف وراء النجاح الاقتصادي للبلاد. ان المنتجات اليابانية اليوم قد اشتهرت بجودتها العالية ولكن جعل النوعية والجودة موقفاً عاماً لم يكن معروفاً قبل حرب المحيط الهادي عندما كان شعار (صنع في اليابان) مرادفاً لكلمة الرداءة.