لم يحدث جدل كبير حول أى من المشروعات الاستثمارية الاجنبية فى مصر مثلما حدث مع مجموعة سينسبرى لتجارة المواد الغذائية والتى بدأت نشاطها فى مصر منذ عامين واصبحت خلال شهور قليلة تمتلك اكثر من 114 فرعا فى انحاء متفرقة. وقد أحدثت الشركة (وهى شركة متعددة بريطانية متعددة الجنسيات وعبارة عن شركة مساهمة دولية متعددة الملاك والجنسيات) ربكة شديدة للسوق المصرى من خلال تخفيضات هائلة فى اسعار المواد الغذائية. كما اربكت قدامى التجار وهم فى الاغلب يعملون من خلال محلات صغيرة محدودة الامكانيات. وفوجىء التجار بأن البساط سحب فجأة من تحت ارجلهم وذهلوا من هذا التزاحم الجماهيرى غير المسبوق على فروع تلك الشركة والتى كانت في البداية محدودة وحقق الفرع الاول فى منطقة الهرم بالجيزة نجاحات غير مسبوقة . وبدأ بعد ذلك فاصل هام من مسيرة هذا الاستثمار الاجنبى في مصر حين تكتل كبار وصغار التجار مطالبين بتدخل حاسم يضمن المنافسة العادلة وعدم الاضرار بمصالح القاعدة العريضة من التجار مؤكدين ان سينسبرى يبيع اقل من اسعار التكلفة. وأعقب ذلك مفاوضات مكثفة مع ممثل الشركة في مصر رجل الاعمال عمرو النشرتى انتهت بتوقيع اتفاق فى نهاية العام الماضى بين التجار يضمن منع البيع اقل من التكلفة ورعى هذا الاتفاق الدكتور عبد المنعم سعودى رئيس اتحاد الصناعات. وهدأت حدة المعركة بين التجار عقب الاتفاق ورفع سينسبرى اسعاره لتتماشى مع الاسعار السائدة في السوق بالرغم من تأكيدات الدكتور يوسف بطرس غالى وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية فى اكثر من حديث صحفى ان الظاهرة ايجابية بكل المقاييس وان على صغار التجار الاندماج سويا لانه لامستقبل الا للكيانات الكبيرة. وقال يوسف بطرس غالى وزير الاقتصاد ان الاستثمارات الضخمة قادرة على الوصول الى تكلفة انتاج منخفضة وبالتالى يمكنها البيع باسعار تنافسية كما ان تلك السلاسل تتعامل مباشرة مع المصانع فتصل الى سعر اقل بينما مع صغار التجار يتعدد الوسطاء ومن ثم ترتفع التكلفة على المستهلك النهائي. ومع دخول سينسبرى الى السوق المصرى دخلت شركات اخرى وحققت ايضا نجاحات واسعة ولعل اشهرها مجموعة مترو التى يمتلكها رجل الاعمال محمد لطفى منصور رئيس الغرفة التجارية الامريكية بالقاهرة الا انها لم تثر نفس الجدل الذى تحقق في حالة سينسبرى وربما يرجع ذلك الى ان مترو استهدف شريحة من ذوى الدخول المرتفعة وتميزت منذ بدايتها بارتفاع الاسعار وارتفاع الجودة بينما سعت سينسبرى الى الوصول الى اكبر قاعدة جماهيرية وهو ما ادخلها فى دوامة صراعات السوق وحروب التجار. ولم يجد بعض المنافسين الضعفاء في مواجهة هذه التجارة الحيوية الا حرب اطلاق الشائعات لفرملة النمو المتصاعد لهذه النوعية من الشركات الموجودة في كل اسواق العالم بشكل اساسى بينما لم يعتمد عليها الشعب المصرى ومازال يفضل عم عبده البقال التاجر الصغير امام المنزل فى الحى الشعبى. فبدأت شائعة قوية تسيطر على وجدان الشعب المصرى تؤكد ان سينسبرى ملاكه من اليهود وقد ازدادت هذه الشائعة سخونة مع بدء الاحداث المؤسفة ضد الشعب الفلسطينى فى الاراضى المحتلة في سبتمبر الماضى مستغلة حالة السخط الشعبى ضد الممارسات الاسرائيلية في الاراضى المحتلة. ولاقت هذه الشائعة قبولا واسعا فى اغلب الاوساط واندفع الصبية الصغار للانتقام للشعب الفلسطينى محطمين واجهات تلك المحلات وتكبيدها خسائر فادحة والاضرار بسمعتها في السوق وذكى هذه الممارسات بعض التجار المضارين من تفوق سينسبرى وغير القادرين على مواجهة المنافسة وهم لايعلمون انهم على حافة تحرير كامل للتجارة في كافة المجالات وان الاسواق فى طريقها للانفتاح امام كل مستثمري العالم وان لامفر من قاعدة البقاء للاصلح. وارتفعت استغاثات سينسبرى على صفحات الصحف اليومية الكبرى تؤكد وطنيتها وتقسم بانها مصرية وبان عمالها بهذا الاسلوب في طريقهم الى التشريد وهم يتجاوزن 5 الاف عامل مصري. وحتى مترو التى لم تكن طرفا فى هذه الحرب خشت ان تمتد اليها هذه الحرب الضارية فسارعت الى الاعلان عن مصريتها وعن ولائها لخدمة الاقتصاد المصري. ويقول سعيد الطويل رئيس جمعية رجال الاعمال المصريين ان هذه الشركات عالمية مساهمة ولايعرف عدد ملاكها ولا انتماءاتهم وان الامر باعثه الوحيد والحقيقى هو حروب السوق وتضرر صغار التجار من مناخ المنافسة الجديدة. وحذر من تداعيات هذه الاحداث على مستقبل مناخ الاستثمار الاجنبى في مصر مشيرا الى اهمية مشاركة رؤوس الاموال الاجنبية في التنمية الاقتصادية فى مصر خلال السنوات المقبلة خاصة في ضوء التحرر الاقتصادى وانفتاح الاسواق. ثم بدأ الفصل الاخير في الجدل الثائر حول عمل سينسبرى في السوق المصرى حيث تردد مؤخرا أن الشركة تعتزم تصفية اعمالها في السوق المصري بعد خسائر فادحة تعرضت لها الا أن عمرو النشرتى مدير الشركة فى مصر نفى قيام الشركة بتصفية اعمالها مؤكدا انه لاصحة لما نشرته الصحف المصرية فى هذا الصدد. ثم عادت الشركة واعلنت ان الشركة الام قررت تقليص نشاطها وتواجدها في الاسواق الدولية خاصة فى مصر وجنوب افريقيا وانها تكتفى في المرحلة الحالية بتركيز نشاطها فى المقر الرئيسى بالعاصمة البريطانية لندن. وقد اعلن الدكتور عاطف عبيد رئيس الوزراء ان انسحاب الشركة من مصر لايسىء الى مناخ الاستثمار فى مصر وهو قرار خاص بادارة الشركة العالمية فى لندن وهو قرار ادارى اكثر منه قرار مترتب على الاحداث السابقة . الا ان رجل الشارع شعر ان هذه القرارات المعلنة من قبل الشركة ليست حقيقية وانما هى رد فعل على الاضرار الجسيمة التى الحقتها بها الشائعات فى السوق وتصور البعض انه انتصار على الشركة المتهمة بالانتماء الاسرائيلى ظلما. واخيرا اعلنت الشركة أمس انها تراجعت عن قرار سحب استثماراتها من السوق المصرى وان ذلك جاء عقب اجتماع لممثلى الشركة مع الدكتور يوسف بطرس غالى وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية وان الذى يجرى حاليا هو عملية استبدال الشريك المصري بشريك مصرى اخر. ولا يعلم احد اذا كان الجدل حول سينسبري سينتهى عند هذا الحد ام ان هناك احداثاً جديدة وجدلاً جديداً فى الطريق وما يهمنا هو عدم الحاق اى اضرار بمسيرة التنمية الاقتصادية في مصر. ـ أ.ش.أ