نظرية المؤامرة ودبلوماسية القرصنة! يتحدث مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا في هذا القسم عن الاجندة الخفية التي ادارت الأزمة ــ الكارثة في دول جنوب شرق آسيا ويربطها بدبلوماسية القرصنة، التي استخدمها القوى الغربية الاستعمارية في آسيا, ثم يتساءل عن الدوافع التي تقود القوى الغربية واصحاب الاستثمار للتآمر على آسيا؟ ويتحدث المؤلف ايضا عن الاضطراب الذي لحق بالقيم الآسيوية من جراء الانفتاح والتطور الاقتصادي المتسارع ويرى ان بروز آسيا كلاعب رئيسي في الاقتصاد العالم اثبت لنا ان القيم الاسيوية ليست اقل درجة وربما متفوقة في بعض الحالات ويعتقد بأن الانهيار المؤقت يفرض على الآسيويين مناقشة القيم الأخلاقية والانسانية كنقيض للقيم الاقتصادية البحتة ويقول مهاتير محمد: هناك أناس في آسيا يعتقدون ان الغرب هو الذي خطط فعلا ونفذ أزمة العملات وهم يستندون الى تصرفات الحكومات الغربية والمؤسسات المالية باعتبارها شكلا جديدا من دبلوماسية القرصنة الاقتصادية. البعض ذهب الى ابعد من ذلك بالقول بأن الازمة هي نتاج للمؤامرة التي تستهدف اضعاف التنين والنمور الآسيوية. لقد استخدمت القوى الغربية دبلوماسية القرصنة هذه مرارا إبان الحكم الاستعماري. في حرب الأفيون عام 1842 هزم البريطانيون الصينيين وارغموهم على تسليم هونج كونج والاذعان لمعاهدات كثيرة غير منصفة. وفي عام 1854 ابحر العميد البحري بيري وسفنه السوداء في خليج ايدو مرغما اليابان على انهاء 250 عاما من العزلة التي كانت تعيش فيها. وقد كتب الباحث الياباني ايهيتو كيمورا بأن الاتفاقيات التي تم التوصل اليها مؤخراً بين قادة الدول الآسيوية في وجه الضغوط الاقتصادية وخطر الانهيار هي النظير الحديث للمعاهدات غير العادلة التي تمت في القرن التاسع عشر. ورغم ان المحتوى والإخراج يمكن ان يكون قد تغير إلا ان المؤامرة هي تقريبا نفسها لم يعترها اي تغيير. والسؤال الذي ينبغي طرحه هو ما الذي يدفع القوى الغربية والمستثمرين في الغرب الى التآمر للقضاء على آسيا؟ الدوافع المحتملة ربما لا تكون عسيرة التخيل. واذا اخذنا في الاعتبار السرعة التي كانت تنمو وتتطور بها آسيا فإن المنطقة كانت في طريقها لفرض سيطرتها الاقتصادية على العالم. وسواء كانت آسيا فعلا مقبلة على فرض هذه السيطرة أو لم تكن فإن المنطقة كان ينظر اليها على اعتبار انها تشكل خطراً على الهيمنة الغربية. كانت هناك عوامل رئيسية ذات ابعاد جيو اقتصادية اضافة الى بروز الصين كقوة عالمية كبرى وحدوث تحول جيوبوليتكي وكلها كانت تعمل على تغيير الوضع الراهن الذي كان سائداً. فدول شرق آسيا لم تصبح قوى اقتصادية كبرى فحسب بل صارت تشكل تهديدا اقتصاديا خاصة للدولة العظمى الوحيدة في العالم اي الولايات المتحدة الأمريكية. وقد لخصت صحيفة الشعب اليومية الصينية في افتتاحية لها في بداية عام 1998 نظرية المؤامرة هذه بقولها (ان الولايات المتحدة بالتأكيد لاتفرض خطة مارشال جديدة على شرق آسيا وبتقديمها للمساعدة فإنها تضطر شرق آسيا الى الاستسلام والترويج للنموذج الاقتصادي والسياسي الامريكي والحد من تهديد جنوب آسيا للاقتصاد الامريكي. ثم مضى المقال منتقدا صندوق النقد الدولي لاستغلاله الامة في شرق آسيا لخدمة مصالحه الاستراتيجية. شخصيا كنت قد المحت في مناسبات عديدة الى الاحتمال بأن الغرب لا يرغب في بروز مجموعة كاملة من (يابانات صغيرة) تنتشر في المنطقة لتهديد تفوقه الاقتصادي في العالم. وفي كلمة القيتها في نيويورك في بداية عام 1994 قلت ما يلي: بعد بروز المعجزة اليابانية برز الخوف من ان الدول النامية سوف تصبح يابانات صغيرة تغزو أسواق العالم بمنتجات تنافسية وتزيح الموردين التقليديين للسلع المصنعة من موقعهم الذي ظلوا يحتلونه حتى الآن. وكخطوة أولى نحو التفرقة وعدم المساواة فإن الدول الصناعية الناجحة اصبحت تعرف باسم الدول الصناعية الجديدة (إن آي سي) وتم تصنيفها على انها تمثل تهديدات خطيرة. ظلت وسائل الاعلام الغربية تشير الى اعتبار صاحب نظرية المؤامرة بل ان البعض حاول اظهاري باعتباري الزعيم الذي تطغى نزعة الشك والخوف من الاجانب على تفكيره ونظرته للأمور. في صيف وخريف 1997 جعلت وسائل الاعلام من هجومي المضاد على تجار العملة قضية اساسية راحت تروج لها وقالت انه في كل مرة يتحدث فيها مهاتير تنخفض الاسواق. لقد تم تجاهل حق الرئيس المنتخب لدولة ذات سيادة في الدفاع عن بلده بالكلمات وليس بالسلاح. لقد وجهت انتقادات للمليونير والمستثمر الامريكي جورج سوروس في مناسبات عديدة لدوره في انخفاض قيمة العملات الآسيوية. ولم يكن ذلك يقصد به أبداً الهجوم على سوروس كشخص ولكن سوروس كان واحدا من تجار العملة المعروفين بالصراحة وربما اكثرهم نفوذا على نطاق العالم. والتجار مثله لديهم مسئولية عظيمة حيث ان اي كلمة تخرج منها يمكن ان يطال اثرها ملايين الناس. وللأسف فإن هذه المسئولية لم يتم الاعتراف بها فحسب بل ان الاشخاص الذين يتجرأون على الكلام ويتساءلون عن نفوذ تجار العملة يدمغون بالهرطقة والخروج عن المسار المألوف. ليس هناك مؤامرة خفية ولكن هناك الكثير والكثير من العمليات المكشوفة والاتفاقيات التي تتم في الخفاء في عالم المال. وعادة كما في العلاقات الدولية والتعاملات عبر الحدود الجغرافية للدول فإن الممارسات المستخدمة لابد لها ان تتفق مع بعض القوانين الاساسية. وأية دولة تشترك في نظام دولي عادة ما تتقيد باتفاقيات ثنائية أو متعددة الأطراف وتكون لديها على الأقل معرفة أولية بما يجري داخل ذلك النظام. ولكن هذا الأمر لا ينطبق على تجارة العملة. ففي هذه التجارة هناك بالطبع قوانين تجارية أساسية ونظم وخطوط عريضة لعملية البيع والشراء. غير ان الحكومات الوطنية لا دخل لها في إعداد هذه الاجراءات والارشادات وليس لها كذلك نفوذ على الطريقة التي تؤثر بها المتاجرة على عافية اقتصادياتها على الأقل طالما تم الالتزام باتباع قوانين السوق الحرة بدقة. لقد تم خلق نظام يسود فيه الجشع وتعلو فيه قيمة النقود على قيمة أرواح البشر ورفاهيتهم. على الرغم من ان ماليزيا ما بعد الاستقلال لم تخضع قط للسيطرة البدنية للقوى العالمية فان اقتصادها رغم ذلك ظل تحت سيطرة الأجانب في أعقاب الأزمة الاقتصادية. وبخفض قيمة عملتنا وأسهمنا تم وضع شركاتنا ومؤسساتنا الاقتصاية تحت ظروف حرجة ولم تعد قادرة على تحقيق أرباح معقولة ومن دون الحصول على إيرادات من ضرائب الشركات المتعثرة أصبح من الصعب على الحكومة مواجهة نفقات التشغيل وبالتالي تغطية مصاريفها الادارية وتنفيذ السياسات التي تريدها. ان عدم توفر الاعتمادات هذا ربما أدى فعلاً الى حدوث حالة من عدم الاستقرار والضغوط التي تطيح بالحكومة. ان الخطر الذي يشكله هذا النوع الجديد من الاستعمار الاقتصادي لابد وان يؤخذ بجدية. ان الجانب الأهم في أية أزمة اقتصادية يتمثل في الكيفية التي ينظر بها الناس المتأثرون مباشرة الى هذه الأزمة وليس المعتقدات والنظريات التي يروج لها خبراء وول ستريت في المؤسسات الدولية. اذا تم تصوير خطر الاستعمار الاقتصادي على انه حقيقة فإن الأمر أصبح مجرد مسألة وقت قبل ان يقوم رجل الشارع العادي بالرد على ذلك. واذا كانت السيطرة الاجنبية على الصناعات المحلية ينظر اليها على انها مكلفة كثيراً فان الناس سوف يناضلون لاستعادة سيطرتهم. وسوف تتصاعد الاضرابات عن العمل والتظاهرات وتتحول الى عنف وتدمير. الاثر النفسي للمستقبل المسروق ليس كل الأمور يمكن قياسها بالمال وكما نعرف جميعاً فان بعض الأشياء التي نعزها كثيراً لايمكن قياسها بالكم ولا يمكن تقديرها بثمن. لقد كان أعظم الخسائر بسبب الأزمة الاقتصادية في آسيا ذات طبيعة سيكولوجية وهي خسارة حقيقية للناس المعنيين بها مباشرة ولكن يصعب جداً فهمها واستيعابها من الواقفين خارج الساحة. وهي مستحيلة الإدراك من جانب الأشخاص الذين يحددون العالم بأسره بعوامل الربح والمكاسب المالية. انني مدرك لحقيقة ان وسائل الاعلام الغربية ظلت تصبغني وتصورني على أنني مؤيد ومدافع لدرجة الغطرسة عن القيم الآسيوية. وكلما أجرؤ على إبداء وجهة النظر المتمثلة في ان دول آسيا الصناعية الجديدة تشترك في بعض القيم التي ساعدتها على المضي قدماً في مسار متين من النمو الاقتصادي كان ذلك يفسر دائماً على انه شكل جديد متعجرف بل وخطير من أشكال العدوان الثقافي. ويبدو ان العديد من الغربيين يعتقدون ان قيمهم وعاداتهم مقبولة أو ينبغي ان تكون كذلك على مستوى العالم بأسره من جانب كافة الرجال والنساء المتحضرين أينما كانوا. وهناك اعتقاد سائد في الغرب بأن أنصار القيم الآسيوية والمدافعين عنها يسعون من وراء ذلك فقط لتبرير الاضطهاد والدكتاتورية وأنواع السلوك الأخرى غير الديمقراطية. ربما يكون هناك الاجحاف نابعاً من كون الصحافة الغربية والفكر الغربي بصورة عامة يقبل ويدافع عن نظام واحد فقط للقيم. أما الاحتمال بأن يكون لأنظمة قيمية اخرى مختلفة نفس التقدير والاحترام وان تكون قادرة على التعايش مع العالم بسلام فيبدو بمثابة المبدأ الصعب الذي لايمكن استيعابه من جانب زعماء الرأي ووسائل الاعلام في الغرب. واليوم وبعدان تسببت الازمة الاقتصادية في اجهاض الحلم الآسيوي فإن لدي اعتقاداً بأن عدداً كبيراً من رجال الاعلام وزعماء الرأي يشعرون بالرضى في داخلهم من أن أهمية القيم الآسيوية قد سقطت في الاختبار. وأكاد اسمع تنهدات الارتياح بأنها لن تتمكن الآن من اجتياح العالم. ما هي مكونات نظام القيم الآسيوي؟ ما هي إذن تلك القيم الآسيوية التي أصبحت مثار كل هذا النقاش؟ آسيا مثلها مثل قارتي أمريكا وقارة آسيا قارة ضخمة ومقابل كل تعميم واحد يمكن ان توجد الكثير من الاستثناءات. والأمم والشعوب الآسيوية لديها خلفيات تاريخية ودينية شديدة الاختلاف, فدولة ماليزيا دولة يغلب عليها الطابع الاسلامي, واليابان الى حد ما الكونفوشيوسية (كما هو الحال في كوريا الجنوبية) بينما تلعب الشنتونية والبوذية دوراً كذلك, وتايلاند دولة بوذية هينانية. وعلى الرغم من كل هذه الاختلافات الواضحة فإنني أعتقد ان هناك خيطاً من القيم المشتركة والمعتقدات يتبعها معظم الآسيويين كمرشد لهم في شتى انحاء العالم. وهذه القيم المشتركة يمكن ان تسمى (آسيوية) تماماً كما ان هناك جسماً من القيم المشتركة يمكن ان تسمى (غربية). أولاً وقبل كل شيء فإن القيم الآسيوية نابعة من المجتمع والأسرة فنحن نقدر ونجل إجلالاً كبيراً الأسرة ومتطلبات ومصالح المجتمع أكثر من تقديرنا لمصالح الفرد أو حقوقه في الحرية الشخصية المطلقة. فقيامك بمسئوليتك تجاه أسرتك ومجتمعك يأتي قبل حقك في المطالبة بمزاياك الفردية, فاننا في آسيا نؤكد على حقوق المجتمع واذا ما تمادى الفرد بالتعدي على حقوق المجتمع فان ذلك الشخص يكون فعلاً قد سرق من حقوق الأغلبية ويسعى بكل أنانية لخدمة مصالحه الخاصة. وعلى القارىء ان يسأل هنا كيف يمكن إذن التفريق بين السلطة الجيدة والسيئة؟ أعتقد ان المواطنين عادة يعرفون عندما تكون لديهم حكومة جيدة وحكام جيدون. فالحكومة التي تنفذ وعودها وتجلب الازدهار لشعبها دون إساءة معاملتهم هي بالتأكيد حكومة جيدة. إذا كانت الحكومة فاسدة وغير فعالة وقمعية فإن الكثير من الناس سوف يعرفون ان لديهم نوعاً سيئاً من السلطة حيث يقوم الأكثر شجاعة منهم بالثورة على مثل هذا الوضع. لايجب على أي شخص أن يخضع لسلطة دون قيد أو شرط فلابد ان تكون هناك بعض الميزات الجيدة لتلك السلطة تجعل الناس يرغبون في قبولها ان لم يكن الاستسلام لها. ان العديد من الشخصيات التاريخية العظيمة قادت أو ألهبت ثورات اجتماعية عن طريق العصيان المدني لسلطة قمعية بعيدة عن الصواب في تصرفاتها, وهناك مثالان من التاريخ الحديث على ذلك هما مارتن لوثر كينج داعية الحقوق المدنية الأمريكي والمهاتما غاندي الذي قاد الهند إلى الاستقلال من بريطانيا العظمى. لقد مارس غاندي شكلاً رائعاً من الاحتجاج السلمي القائم على العصيان المدني, بما أهله ليكون مثالاً ناصعاً لكيفية محاربة سلطة ظالمة. وانا اذ اكتب ذلك فإنني لا استطيع ان انسى احتجاجاتي شخصياً ضد السلطة عندما كنت يافعاً لما كنت وزملائي الطلبة نثور ضد السلطة البريطانية ابان حملتنا ضد اتحاد الملايو بعد الحرب الثانية. قضية الحرية الأزلية احدى القضايا الحتمية التي تقفز إلى المقدمة كلما احتد النقاش حول القيم الآسيوية في مقابل القيم الغربية هي دور ومفهوم الحرية وعلى الاخص حرية الصحافة. لقد وجهت لي الاتهامات في العديد من المناسبات بكتم حرية الصحافة وتعريض قدسية التعبير للخطر. من حيث المبدأ أنا أومن بحرية الصحافة. ولكن ماذا لو تسببت حرية احد الصحفيين في سلب حرية الكثيرين لكي يعيشوا حياة كريمة؟ واذا قام احدهم بنشر اكاذيب او تسبب في معاناة الناس واذا اصبحت حرية الصحافة مجرد عذر لاشعال نيران الصراع او التحريض على الكراهية عندهايمكن ان تكون هناك حالات يصبح فيها من الافضل الحد من هذه الحرية. انني اتفق مع مبدأ حرية الصحافة ولكن فقط طالما انها لا تستخدم فيها لسلب حرية الآخرين وكرامتهم وسعادتهم. ماليزيا على سبيل المثال يوجد بها العديد من المجموعات العرقية وبالتالي هناك امكانية لأن تحدث اشتباكات بينها اذا تم استخدام بعض القضايا الحساسة لاشعال نيران الحقد والعداء العرقي. في الحقيقة فإن الصحافة الغربية ظلت تضرب على هذا الوتر قائلة انه تحت سطح الهدوء الظاهر توجد توترات خطيرة بين مختلف الجماعات العرقية. واذا كانت مثل هذه المقالات والاخبار الصحفية والتي تستند في حالات كثيرة على معلومات تفتقر إلى المصداقية سوف تتسبب في حدوث توترات لم تكن خطيرة من قبل واذا كان ذلك سوف يشعل مواجهات وعمليات قتل فإن البلاد بأسرها يمكن ان تنحدر نحو الفوضى. وفي مثل هذا الجو فإنه لن يكون باستطاعة الناس ممارسة اعمالهم او كسب عيشهم. وفي هذه الحالة فإنني اعتقد ان الحد من حرية الصحافة سيكون له مبرراته. الحرية والابداع الامريكيون مغرمون بشكل خاص بالقول ان الحرية المطلقة مطلوبة لغرس المقدرة على الابداع في القوى العاملة ولتشجيع النبوغ. اذا نظرت إلى الدول التي توجد فيها درجة عالية من الحرية. ويقولون ان ذلك يعني بالطبع الولايات المتحدة الامريكية, فإنك تجد اناساً من امثال بيل جيتس وعلماء وموسيقيين ومؤلفين عالميين والكثير من الحائزين على جائزة نوبل, حيث تمثلت مكافأة الحرية في وجود مجموعة هائلة من الاشخاص المبدعين الذين يساهمون في اثراء مجتمع نابض بالحياة واقتصاد منتعش. ومن ناحية اخرى فإن نفس هؤلاء الناس يقولون انه في المجتمعات التي يسودها الانضباط الشديد ودرجة اقل من الحرية الشخصية, مثل الصين واليابان او دول شرق آسيا الاخرى فإنك لن تحصل على نفس الانفراج فيما يتعلق بالابداع. وهكذا تسرى هذه المقولة المفصلة لتنطبق على الجميع, وعلى الرغم من انها تحتوي على الكثير من الحقيقة فإنها اغفلت نقطة جوهرية وهي: ما الذي يشكل الحقيقة فعلاً؟ بالطبع فإن جميع الثقافات تتطلب حريات في مجتمعاتها وكذلك مناخ العمل التجاري والاقتصادي ولكن هل الحرية المطلقة دون اية قيود هي فعلاً ما يدعى بأنها الحرية؟ هل الحرية تعطي الفرد الحق في ان يفعل ما يحلو له بغض النظر عن النتائج التي تترتب على باقي افراد المجتمع؟ اشك في ان مثل هذه الحرية غير المقيدة تمارس في اي مكان من العالم حتى في الولايات المتحدة. وحتى بيل جيتس واجه الكثير من المعارضة والعديد من المحاولات للحد من (حريته الاقتصادية) بسبب المخاوف سواء كانت حقيقية او وهمية من انه يقوم باحتكار سوق برامج الكمبيوتر. واذا قدر لك بأن تعيش في ظل مبدأ الحرية الكاملة فإنك ستجد نفسك مضطراً لان تقول ان ابداع ومهارة بيل جيتس التجارية هي التي مكنته من السيطرة على السوق. او ليس من حقه اخراج المنافسين الضعفاء الآخرين من السوق؟ وكيف يستطيع اي من انصار الحرية تبرير تقييد حريته في اقتصاد يقوم على حرية السوق؟ في الولايات المتحدة في الثمانينات وفي احد الاحياء السكنية حيث كان السكان يعيشون حياة آمنة وكريمة قام احد المستثمرين ببناء دار للسينما تعرض افلاماً خليعة. وشعر سكان المنطقة جميعهم بأن هذا سوف يؤدي إلى فساد الاخلاق وتكون له آثار سيئة على الاطفال والشباب ولذلك رفعوا قضية امام المحكمة في محاولة لاغلاق السينما. ولكن الذي حدث ان المحكمة رأت وجوب احترام حق مالك السينما بأي حال من الاحوال. ولم يراع حق مجتمع الحي السكني وهو حق الاغلبية في حماية انفسها واطفالها من الآثار السيئة للافلام الخليعة وتم تجاهله تماماً. بتعبير آخر فإن الحقوق غير القابلة لتصرف الفرد الواحد نجحت في تغييب حقوق الاغلبية. هذه الامثلة توضح بجلاء كيف ان الحرية والحقوق الاساسية التي يتم احترامها بحق لما تحتويه وتمثله من اهداف سامية يمكن ان تصبح هي ذاتها شكلاً من اشكال الظلم وغياب العدل والاضطهاد اذا ما فسرت تفسيراً متشدداً يتسم باللغو. وحتى في الغرب توجد حدود للحرية واعتقد ان من المهم لكل فرد في الغرب ان يعرف هذه الحدود. احد الامثلة الواضحة على ذلك هي المواد الفاضحة. بإمكانك ان تعمل صوراً ورسوماً متحركة بالكمبيوتر في غاية الابداع تصبح في متناول الجميع ولكن بمجرد ان يتم استخدام هذه الحرية لانتاج افلام خليعة تفسر بأنها يمكن ان تؤثر على الصغار فإن ثمار تلك الحرية لا ينبغي قبولها والسماح بها من جانب المجتمع. عندنا في ماليزيا لا اتصور ان امانة ونزاهة العمل التجاري او ابداعه قد اعيقت وتكبلت بنظام القيم الماليزي الذي يحدد حدوداً واضحة لحرية الفرد ويؤكد بصورة عامة على اهمية المجتمع مقارنة بالفرد. على العكس من ذلك تماماً فإنني اعتقد بأن نظام القيم لدينا ظل يمثل الركيزة الاساسية لاستقرار بلادنا ورفاهيتها على الاقل إلى ان اطلت الازمة الاقتصادية برأسها.