في الفصل الثالث من كتابه (خطة جديدة لآسيا) يتساءل مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا عن الذين افسدوا الحلم الآسيوي وحولوا نهضة آسيا من المعجزة إلى الحضيض؟ واعرب عن صدمته لتحطم الاسطورة الآسيوية فجأة, والقاء اللوم على الآسيويين باعتبارهم هم المتسببون في افقار انفسهم! ثم يعود إلى الوراء قليلاً وتحديداً إلى صيف 1997 حينما حلت الكارثة وتحولت المعجزة الآسيوية الحقيقية إلى وضع أقرب بالحضيض. ثم يحاول مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا التعرف على سبل الاستشفاء للاقتصادات المريضة والبحث كذلك عن حلول لتجاوز الازمات الخطيرة التي لحقت بالبلاد. ويعترف بأن الخطأ كان في الاعتماد على نصائح الخبراء الاقتصاديين والمؤسسات الدولية. ويبدي انزعاجه الشديد من وسائل الاعلام الامريكية الكبرى التي كانت تكيل المديح للمعجزة الماليزية ثم كيف انقلبت فجأة ومعها المؤسسات والصناديق المالية الدولية التي راحت تتهم ماليزيا بالفساد والرشوة وغياب الشفافية ويقول: أتردد في القول بأن الاحداث التي وقعت في شهر يوليو من عام 1997 كان لها جانب هزلي خاصة اذا اخذنا في الاعتبار حجم المعاناة الانسانية التي تبعت ذلك. ولكن اذا كنت مراقباً حريصاً, وكما في حالتي, شريكاً رائداً مع بعض كبار المحللين والمؤسسات المالية فإنك لن تستطيع إلا أن تصاب بالدهشة من تقلباتهم الكاملة. إذ ان هناك خللاً حقيقياً وعدم مساواة بين تقييمهم لآسيا قبل وبعد يوليو 1997 وأورد هنا بعض الأمثلة: في عام 1997 وقبل أشهر قليلة فقط من حدوث ازمة العملات ورد في كتاب المنافسة السنوي الذي يقوم بإصداره المعهد الامريكي الدولي لتطوير الادارة, وهو مؤسسة مرموقة, حديث موجه للشعب الماليزي مفاده اننا نواجه مشاكل اقتصادية قليلة هنا وهناك وأن بعضها يتسم بالخطورة. ولكن واستناداً إلى ما اسماه التقرير (تقييماً شاملاً بقوة ومتانة الاقتصاد المحلي على المستوى الاوسع) فإن ماليزيا تمثل ثاني اكبر اقتصاد تنافسي في العالم. وكنا ضمن افضل مجموعة اذ جاءت الولايات المتحدة في المركز الاول وسنغافورة في المركز الثالث ولوكسمبورج في المركز الرابع. وحققت معظم الدول الآسيوية الاخرى التي تأثرت كثيراً بالأزمة الاقتصادية نتائج جيدة وفقاً للمعيار المعمول به والذي يستند إلى 244 عامل قياس تم استخدامها في التقرير. لم يكن معهد تطوير الادارة هو الجهة الوحيدة التي اعطت اقتصادنا اعلى الدرجات حتى منتصف عام 1997. فحتى صندوق النقد الدولي لم يكن لديه ادنى فكرة بأن شيئاً سوف ينحرف عن مساره الطبيعي في آسيا. في منتصف شهر يونيو عام 1997 أي قبل أسبوعين فقط من انهيار الباهت التايلندي في الثاني من يوليو كان مايكل كامديسس المدير التنفيذي لصندوق النقد الدولي يقوم بتوزيع باقات الورد على ماليزيا مكافأة لنا على ادارتنا الجيدة للاقتصاد. واشاد بالاسس المتينة التي يقوم عليها اقتصادنا وابلغ مؤتمراً دولياً حول تدفق رؤوس الاموال كان قد عقد في مدينة لوس انجلوس ما يلي واورد هنا كلماته التي قرأها على الاجتماع: (ان ماليزيا تعتبر مثالاً جيداً لدولة المسئولون فيها على دراية تامة بالتحديات المتمثلة في التغلب على الضغوط الناتجة عن معدلات النمو العالية والاحتفاظ بنظام مالي جيد وسط حركة تدفق كبيرة لرأس المال وسوق منتعش للعقار والاملاك). لكن في عام 1998 كان شيئا غريبا حقاً ان يستمع المرء إلى تحليلات نفس تلك المؤسسات والخبراء بعدما حدث ما حدث. فحكومات جنوب اسيا التي كانت حتى ذلك الحين تحظى بالاشادة والمديح على تحقيقها للمعجزات الاقتصادية وكفاءتها الادارية وسياساتها الاستثمارية المتحررة مع توفير حوافز سخية للمستثمرين الاجانب, هذه الحكومات اصبحت الآن تلام على انخفاض قيمة عملاتها والنتائج التي ترتبت على ذلك. قيل لنا اننا تسببنا بأنفسنا في فقدان ثقة المستثمرين لاننا خططنا لمعدلات نمو لا يمكن المحافظة عليها وكان لدينا عجز كبير للغاية في المدفوعات الخارجية وسمحنا لقطاعنا المصرفي بأن يصبح مكشوفاً امام المضاربات في الاراضي والاملاك. ولكن لماذا اصبح ينظر إلى النمو الاقتصادي الآن على اعتبار انه لا يمكن المحافظة عليه فهذا امر لم يتم توضيحه لنا ابداً. ان تجار العملة والمضاربين في الاسواق المالية كانوا قد ساهموا في اطالة عمر الوضع الذي يعتبرونه الآن غير قابل للاستمرار وفعلوا ذلك لفترة طويلة من الزمن قبل ان ينسحبوا من الميدان ويجعلوا النمو الاقتصادي غير قابل للاستمرار. واذا كان هذا الامر يبدو مشوشاً فإن السبب في ذلك هو انه من الصعب جداً سبر اغواره حتى من جانب الاشخاص الذين لهم باع طويل في الاقتصاد وصنع القرار. على الرغم من النمو القياسي لاقتصاديات شرق آسيا والنجاح الذي تم احرازه في تقليص الفقر والاستثمارات الآسيوية الكبيرة في مشاريع البنية الاساسية وزيادة الطاقة الانتاجية في المستقبل وليس فقط على المدى القصير فإن حكومات جنوب اسيا اخذت فجأة تسمع كلاماً من الآخرين بأن انفاقها كان زائداً اكثر من اللازم ويفتقر إلى الحرص والتدبر. وقد قيل لنا ان كل هذه الاشياء تضعف اقتصادياتنا وبالتالي تضعف ثقة المستثمر. ويقال لنا الآن ان سياساتنا كانت سيئة ومؤسساتنا ضعيفة وهو كلام يردده نفس الناس الذين اشادوا بنا قبل اشهر قليلة. اننا نقر بأننا مخطئون فيما يتعلق ببعض هذه الاشياء ولكن بالتأكيد ليست كلها. كانت نقطة الضعف الوحيدة لماليزيا هي وجود عجز كبير في ميزان المدفوعات ولكن هذا العجز كان قد تحسن فعلاً وبدرجة ملحوظة عندما حلت الازمة. كان العجز في ميزان المدفوعات قد وصل ذروته عام 1995 ولكن بحلول عام 1996 تم خفضه إلى النصف تقريباً وفي الاشهر الاولى من عام 1997 انخفض إلى معدلات ادنى. كانت بعض مشاريع البنية الاساسية والمشاريع التنموية الاخرى في ماليزيا كبيرة فعلاً في حجمها ولكن التجربة السابقة اوضحت انه يمكن ادارتها دون صعوبات. لقد اصبح من السهل جداً اليوم استرجاع حالة الفوضى والغليان التي تعرضت لها اقتصاديات آسيا وان تضع اصبعك على موضع الداء المتمثل في السياسات الفاشلة والمؤسسات الضعيفة لتتمكن بكل سهولة من تقديم تفسير يتوافق مع وجهة نظر العالم التي يروج لها اصحاب الاموال وتجار البورصة والخبراء الاقتصاديون في الغرب. والسؤال الذي يلح على هنا هو اذا كانت كل هذه الاشياء واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار لماذا لم يتحرك احد ويقرع جرس الانذار قبل ان يتهاوي بيت الورق ويخر على الارض؟ ربما كان ذلك مفيداً شريطة ان تكون هناك مشاكل حقيقية تستدعي الحل. اذا كان الاساس الذي بنينا عليه اقتصادنا فاسداً لماذا اذاً لم يقل لنا جيش المحللين ذلك؟ لماذا كان المستثمرون الاجانب حريصين, بل حتى اغبياء, على ان يستمروا في ضخ مليارات الدولارات الاستثمارية في منطقتنا اذا لم تكن هناك فائدة من انجازاتنا؟ لقد استمرت كافة البنوك العالمية في خفض معدلات الفائدة حتى تقنعنا باقتراض مزيد من الأموال حتى لو لم نكن في حاجة الى اعتمادات اضافية. من الواضح انه كان لديها ثقة كافية في ماليزيا وادارتها الاقتصادية ومستقبلها. حتى اساتذة وجهابذة الاقتصاد في اعظم الجامعات العالمية لم يكن لديهم ادنى دليل عما يجري ــ كان البروفسور بول كروجمان من معهد ماساتشوستس للتقنية من أوائل الخبراء الاقتصاديين قبل عام 1997 الذين جادلوا بالقول بأن معجزة شرق آسيا ليست بالمعجزة اصلا وانها عاجلا او اجلا سوف تصطدم بصخرة صلدة. وعقب ذلك اشاد به الكثير من الصحفيين الغربيين لاستطاعته التنبؤ بالانهيار الآسيوي الذي حدث في عام 1997. وكان هذا البروفسور قد اعلن بوضوح انه لم يفعل ذلك وانه لم يكن باستطاعته حتى الأحلام ان يتصور شيئا من ذلك. وقد اقر البروفسور كروجمان في مؤتمر عقد في هونج كونج في ربيع عام 1998 بقوله: كنت على خطأ بنسبة 90 في المئة بشأن مستقبل آسيا. والعزاء الوحيد ان الآخرين كانوا مخطئين بنسبة 150 في المئة. واليوم فإنه لأمر غريب ومثير للضحك بنفس الدرجة ان تقرأ ما تقوله معظم الصحف والدوريات العالمية, فقبل وقت قصير كانت صفحاتها تنضح بقصص النجاح الآسيوية, وروح المؤسسة التجارية الجديدة التي غرستها ورعتها آسيا في مواطنيها, ومليونيرات آسيا الجدد وكلها أمور تم عرضها بصورة وردية في المجلات الاقتصادية الأمريكية. الآن فإنني اكاد لا اجد مقالا في صحيفة دولية واحدة عن آسيا لا يعج بتعابير مثل المحسوبية ورأسمالية المحسوبية وغياب الشفافية وطبعا الفساد. ومثل هذه الكلمات والتعابير التي يسهل قولها اصبحت طاغية في كل مقال حول آسيا لدرجة ان المرء يتساءل عما اذا كان الصحفيون يكتبون فعلا ما يؤمنون به ويفكرون فيه أم انهم اصبحوا مجرد ببغاوات يرددون نفس الكلمات الرنانة لأنه يبدو انها اصبحت الموضة التي تجد رواجا في السوق. فجأة اصبح الأمر يبدو وكأن جيلا كاملا من الصحفيين أفاقوا على حقيقة ان المحسوبية والممارسات المشبوهة لدى الحكومات والبنوك والقطاع الخاص هي التي ادت الى انهيار آسيا أين كانت هذه الآراء قبل شهر يوليو عام 1997؟ لا اريد هنا ان اجادل بأنه لم تكن هناك محسوبية أو فساد في آسيا, فهذه المشاكل موجودة مثلما هو الحال في الدول الغربية. وعلى كل فإنني لا استطيع ان اتصور كيف تقوم بكيل المديح والثناء لاقتصاديات آسيا على ادائها الجيد وسياسات حكوماتها العاقلة ثم تنقلب في اليوم الثاني لتدين نفس الانظمة وتنعتها بالفساد حتى العظم؟ هذا السؤال يظل دون اجابة. شماعة الشفافية كثر الحديث هذه الايام عن الشفافية. وينصب النقاش على ان الممارسات الاقتصادية والتجارية لابد وان تتسم بالشفافية وأن جميع المعلومات لابد من ان تكون متوفرة للجميع. فالانفتاح التام يعتبر الطريقة الوحيدة لتفادي الفساد ولضمان تصحيح الأساليب الاقتصادية الخاطئة او ضبطها قبل فوات الآوان. لقد عانت اقتصاديات آسيا من الغياب الخطير لهذا النوع من الشفافية, أو هكذا قيل. وعباءة الشفافية هذه استمر ترديدها مرات ومرات. انا اتفق على ان الشفافية مهمة ولكن التركيز الشديد على الشفافية على انها السبب الرئيسي لتدهورنا الاقتصادي ربما ادى الى حجم عوامل اكثر اهمية, واعتقد انه عندما يشتكي الكثيرون اليوم من فقدان الشفافية في اسيا فإن ما يكشفون عنه فعلا هو جهلهم بالوضع الحقيقي للأمور. مثل هذا الجهل لا ينبغي ان يفاجيء احداً اذ ان معظم المتعاملين الصغار بالأموال وما يسمى بالمستثمرين ربما اعتقدوا قبل اربع او خمس سنوات فقط ان ماليزيا هي مكان ما في الهملايا. أما المستثمرون الحقيقيون الذين يستثمرون الوقت والمال والعمل الشاق وهم يقومون بانشاء مشروع تجاري او مبنى او مصنع في اية دولة سوف يبدون نوعا من الاهتمام بثقافة البلد والممارسات التجارية الاساسية. ومن جانب آخر فإن الاشخاص الذين لا هم لهم سوى مسح الاسواق المالية بحثا عن ارباح فورية لا وقت لديهم للاهتمام بالمعلومات التي لا تتعلق مباشرة بالعملة او الاسهم التي يمتلكونها. ان الفساد والممارسات التجارية التي تتم في الخفاء لا يمكن السماح بها وعلى آسيا كلها ان تستمر في العمل كما فعلنا نحن في الماضي حتى نستطيع ان نتحرر من الحجارة التي تطوق اعناقنا والاغلال التي في ارجلنا وذلك ليس لأن الفساد والمحسوبية هي اسباب الازمة المالية, ولكن لأن هذه العوامل تضعف من مقدرتنا على المنافسة وتحقيق النجاح في السوق العالمية. لابد لنا ان نفعل ذلك لأننا لا يمكن ان نسمح بالنفوذ المفسد ان يحدد من يتولى تزويدنا بما نحتاج او السماح لبعض الناس بالحصول على معاملة خاصة لا تتوفر للآخرين. ولكن الاسباب الحقيقية وراء انهيار عملاتنا ولماذا نغرق الآن في أزمة اقتصادية لابد من البحث عنها في مكان آخر. مع كل هذا الاصرار من جانب الغرب على الشفافية لماذا يتم السماح بالاتجار في العملات بحرية كاملة دون رقابة او سيطرة معقولة؟ إن الاتجار بالعملات ليس عملا مفتوحا او شفافا على العكس فهو نشاط في غاية السرية.. وليس في مقدور الحكومات ان تحدد بأي درجة من الدقة كم كمية العملات التي يحتفظ بها المتاجرون وماذا يمكن ان يحدث في حالة حدوث عملية بيع مفاجئة على الرغم من ان مثل هذه الصفقات مهما كانت مبررة تتلاعب بأرواح الملايين من الناس العاديين من رجال ونساء وأطفال لا يفهمون كثيراً في الأمور المالية العليا وكل همهم هو الاستمرار في الحياة العادية. أو ليس من الملائم البدء في الحديث عن الشفافية في المعاملات المالية والتي يمكن في غضون شهور ان تفقر دولا بأكملها وتجعل من مبدأ الأمم ذات السيادة مجرد نظرية لاقيمة لها؟ بالطبع يتعين علينا ان نسعى جاهدين لتحقيق مزيد من الشفافية في الأسواق المالية العالمية. دعونا نلقي الضوء على المعاملات وأساليب تجار العملة ونتساءل عن الذي اعطاها الحق في استغلال دول وشعوب بأكملها وحسب أهوائهم ونزواتهم. من المعجزة الى الحضيض كان ذلك في الاسبوع الأول من شهر يوليو عام 1997 عندما تحولت المعجزة الآسيوية بين ليلة وضحاها من معجزة حقيقية الى وضع اقرب بالحضيض. ما حدث بعد ذلك كان هو الكارثة بعينها اذ كان الوضع اشبه بقصة السيدين جيكل وهايد المشهورة من حيث السرعة التي تحولت بها اقتصادات آسيا من حال الى حال والأهم من ذلك التحول الذي حدث في الطريقة التي ينظر بها العالم الى هذه الاقتصادات. في صيف عام 1997 ارغمت الضغوط التي كان يمارسها تجار العملات الحكومة التايلندية على التخلي عن نظام سلة العملة الذي يربط عملة البلاد الباهت بالدولار الامريكي وحدث ان انهار الباهت فورا عقب ذلك في الثاني من يوليو. بالطبع كان الوضع حرجا للغاية خلال الاشهر التي سبقت الكارثة حيث تصاعدت الضغوط على الكثير من عملات المنطقة بما في ذلك عملة ماليزيا الرنجت. ولكن الانهيار المفاجىء للباهت التايلندي هو الذي تسبب في الانفخاض الخطير في قية عملات الدول المجاورة. وأنا لا اعني انني القي باللوم على الباهت لما حدث بعد ذلك من أزمة امتدت كالنار في الهشيم عبر آسيا فقد كانت الحكومة التايلاندية عاجزة لا حول لها ولا قوة ولم تستطع وقوف التيار الكاسح. ولم يكن هناك من احد حتى قبل يوليو 1997 يستطيع ان يتنبأ بالآثار الهائلة التي أحدثتها الأزمة على المنطقة بأسرها في الأشهر التالية. عندما بدأت الأحوال في التدهور في تايلاند ظلت حكومتي على إتصال مستمر مع الحكومة التايلاندية وقمنا بإقراضهم مبلغاً كبيراً من المال لمساعدتهم على استقرار إقتصادهم ودعم الباهت. كنا نقوم بمساعدة دولة جارة في حاجة للدعم ولكننا أدركنا أيضاً ان ذلك سيكون من صالحنا حيث ان الباهت المنخفض سوف يجعل سلعهم أكثر قابلية للمنافسة في الأسواق العالمية. وكما اتضح لاحقاً فإنه لا الدعم الذي قدمناه ولا المساعدات التي عرضتها حكومات اخرى كان لها الأثر المطلوب على قيمة عملتهم. ومع استمرار انخفاض قيمة الباهت ضاعت مليارات الدولارات التي تم إنفاقها في هذا التدخل. بعد الهجوم الذي تعرضت له العملة التايلاندية كان لدينا إحساس بأن ماليزيا سرعان ما تصبح الهدف التالي للمتاجرة في العملات. ووفقاً لنظرية العدوى والتي هي جزء مما يمكن للمرء ان يسميه (نظرية الاتجار في العملات) فإنه اذا تعرضت إحدى العملات الى أزمة فإن الآثار سوف تطال الدول المجاورة. وقد اشار الخبراء الاقتصاديون ورجال الأعمال الى ان العملة التايلاندية المخفضة سوف تجعل تايلاند أكثر قابلية للمنافسة من ماليزيا وهذا الأمر سوف يساهم في تآكل تجارة ماليزيا. لم يكن ذلك قد حدث حتى شهر يوليو عام 1997 ولكن كان متوقعاً له ان يحدث كما قيل. وبنفس القدر فإن مقدرة اندونيسيا والفلبين على المنافسة سوف تتعرض للخطر مع العلم بأن اقتصادات هذه الدول ليست نسخة طبق الأصل من بعضها البعض وان الأسواق العالمية لمنتجاتها آخذة في التوسع. وكانت التوقعات هي ان المصانع الماليزية والاندونيسية والفلبينية سوف تغلق أبوابها لأن المصانع التايلاندية سوف تجعلها غير قادرة على المنافسة ولا فائدة من بقائها. وجرى الايعاز بأن ذلك سوف يحدث في وقت قريب للغاية ما لم تبادر الدول الآسيوية الى تخفيض عملاتها. ولأن هذه الدول لن تقوم بمثل هذا الاجراء طواعية فان ما يسمى بالمستثمرين سوف يقومون ببيع ما لديهم من عملات بأسعار أقل لتفادي الخسارة التي يمكن ان يتعرضوا لها عندما يحدث التخفيض عاجلاً أو آجلاً. ولكن رويدك! فبمجرد ان قام سماسرة العملات ببيع كافة العملات الآسيوية التي بحوزتهم فقدت تلك العملات قيمتها. ان الأمر يبدو وكأنه بانسحابهم السريع فإن تجار العملات انقدوا أنفسهم من الخسارة. ولكن هل كانت هذه هي الحقيقة فعلاً؟ هل كانت العملات سوف تفقد قيمتها من تلقاء نفسها أم أنها انخفضت فعلاً لأن التجار قاموا ببيع مبالغ طائلة منها؟ وهل تم فعلاً استثمار هذ العملات من جانب التجار بمعنى هل كانوا يحتفظون بكميات هائلة من هذه العملات مجازفين بخسارة أموالهم من خفض قيمة العملة المتوقع؟ ان طريقة عمل سوق الأموال تقوم على أنه ليس بالضرورة ان تحتفظ فعلاً بعملة لكي تقوم ببيعها وشرائها. ان بإمكان التجار ان يقترضوا الأموال من الخارج ويبيعوا أو يشتروا وغالباً ما يتم ذلك فيما بينهم هم أنفسهم. وفي كل مرة يقومون فيها بعملية بيع فإن العملة تفقد قيمتها وتخسر بعض النقاط وبتكرار العملية فإن هذ العملة يمكن ان تنخفض الى مالا نهاية وهو ما حدث في كل انحاء آسيا منذ صيف عام 1997. لم يكن الأمر يتطلب انتقال وتحريك أموال حقيقية باستثناء تقريباً ما يحدث في المرحلة النهائية اذا حدث وان توقف بيع العملة أصلاً. الهجمات الأولى على العملة في ماليزيا فقدت عملتنا نحو 40% من قيمتها في فترة نصف سنة فقط وكان الوضع أكثر سوءاً في الدول الاخرى, وفقد الباهت التايلاندي 55% من قيمته والروبية الاندونيسية أكثر من 80%. ونتيجة لذلك فان القوة الشرائية التي تم فقدانها في المنطقة بلغت ما يتراوح بين 700 مليار الى 800 مليار دولار وانخفض دخل الفرد الى النصف وتدهور اجمالي الناتج المحلي في معظم دول آسيا الى جزء ضئيل مقارنة بما كان عليه قبل الازمة وفي اندونيسيا كان انهيار اجمالي الناتج القومي لدرجة انه تدنى الى سدس ما كان عليه قبل الازمة. لقد أقر بول فولكر رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة في كلمة له في هونج كونج في بداية عام 1998 بأن نظاماً لسعر الصرف يتسبب في حدوث تغيير بنسبة 60% في معادلة الين ــ دولار في غضون فترة ثمانية عشر شهراً فقط لايمكن ان يقال عنه انه يعكس قواعد وأصول النظام المالي بأي حال من الاحوال. لقد كان الانخفاض في قيمة الروبية الاندونيسية ليس فقط 60% وانما 600% في فترة خمسة أشهر. كيف اذن يمكن تفسير تلاشي ممتلكات ذاك البلد الكبير بسكانه البالغ عددهم 211 مليون نسمة والمعروف عنهم حبهم واجتهادهم في العمل لتصبح فجأة لا تساوي سوى سدس قيمتها السابقة؟ وما هي قيمة الدولة إذا كان بمقدور الأجانب تخفيض عملتها بل وإفلاسها في غمضة عين؟ العمليات الحسابية هذه كلها بالطبع بالدولار الأمريكي والسؤال الذي يتبادر الى الذهن هنا هو هل يعني الأمر شيئاً لرجل الشارع العادي وما اذا كانت قيمة ما يتقاضاه من راتب بالدولار قد أصبحت أثراً بعد عين؟ وهل تأثر مستوى معيشته حقاً بالتقلبات التي شهدت العملات؟ ولماذا وكيف أثرت عليه هذه التقلبات عادة عندما تنخفض قيمة العملة فإن القوة الشرائية للبلد المعني تنخفض هي الاخرى وبما ان جميع الدول لابد لها ان تستورد السلع والاغذية والخدمات فإنه لن يكون باستطاعتها المحافظة على مستويات المعيشة التي أمكنها تحقيقها. وفي حالة ماليزيا فان تخفيض قيمة الرنجت بنسبة 40% يعادل انخفاضاً في دخل الفرد بما يتراوح بين 5000 دولار الى 10000 دولار. وبحساب اجمالي صافي الناتج المحلي فان هذا يصل الى مبلغ 40 مليار دولار تم مسحها من سوق الأموال الماليزي. وفي الاجمالي فإننا قد خسرنا مبلغ 140 مليار دولار في سنة واحدة. الآن أصبح للدول الآسيوية أموال أقل لشراء السلع والمواد الخام من السوق العالمي وفي نفس الوقت فإنه يتعين عليها ان تدفع مبالغ أكبر بكثير من السابق لدائنيها الدوليين. لقد تم تسديد لطمتين بدلاً من واحدة لعافية واستقرار هذه الاقتصادات. انهيار سوق الأوراق المالية شهدت الأسواق المالية في المنطقة انحداراً مريعاً وكانت خسارة المستثمرين الأصليين الذين لهم مصالح حقيقية في الشركات والمصانع في شرق آسيا فادحة بكل المقاييس. وفقدت بورصة كوالالمبور التي كانت وقتها الأكبر في جنوب شرق آسيا 63% من قيمتها في ظرف سنة واحدة. وكان مؤشر بورصة كوالالمبور قد وصل الى 04.332.1 نقطة وهو معدل قياسي في الخامس من يناير عام 1997 وبعد عام من ذلك في الثاني عشر من يناير 1998 أقفل المؤشر في معدل 60.461 نقطة ولم يكتف بهذا الانحدار بل شهد تدهوراً أكبر في الأشهر التالية. ومما لاشك فيه ان الحكومة الماليزية والصناديق المختلفة قامت بمحاولات لوقف التدهور في أسعار الأسهم والسندات, ولكن جميع هذه المحاولات لم يحالفها النجاح. وقمنا أواخر خريف عام 1997 بفرض قيود على عمليات المبادلات الخارجية التي تتعلق مباشرة بالاتجار بمبلغ 2 مليو دولار. ولفترة قصيرة تم وضع حد لممارسات سماسرة العملة ولكنهم بدأوا بعد ذلك في بيع أسهم لا يملكونها للحصول علي الرنجت وهي عملية يقوم بموجبها المستثمرون ببيع أسهم ليست بالفعل في حوزتهم على أمل خفض الاسعار ثم القيام مرة اخرى بشراء الأسهم بأسعار منخفضة وتسليمها للمشتري. والفرق بين السعر الذي تم به بيع الأسهم ثم شراؤها مرة اخرى يصبح ربحاً يذهب لصالح المستثمر. وبدأت حمى بيع الأسهم بهذه الطريقة بمجرد ان أحس اللاعبون الكبار في السوق بأن هناك شيئاً يلوح في الأفق فهؤلاء مثل سمك القرش الذي يشم دم فريسته من على البعد. وكان همهم الأساسي الحصول على أرباح بأية طريقة ودون شفقة على الأخرين وبغض النظر عن الآثار التي يمكن ان تترتب على ذلك. وبالطبع استمر مؤشر البورصة في الهبوط وطوال عام 1997 كان المؤشر لايعرف سوى اتجاه واحد هو الانحدار الى الادنى. كم هي الارباح التي جناها تجار العملة والأسهم من عملياتهم التي أفقرت هذه الدول؟ مبالغ بكيرة للغاية ولكنها تشكل مجرد جزء يسير من اجمالي الخسائر التي تكبدتها الدول التي تعرضت للهجوم. اننا نرى بعض هؤلاء وقد حققوا أرباحاً جيدة ولكن بصورة اجمالية فان الثروة التي تم تحويلها لهم تقل كثيراً عن الثروة التي خسرتها الدول التي قاموا بمهاجمتها. هناك إذن صافي خسارة ضخمة ليس فقط لهذه الدول وانما أيضاً وبصورة فعلية خسارة لبقية العالم الذي فقد جزءاً مقدراً من سوق محتمل لمنتجاته.