بعد تدهورها لمعدلات قياسية قبل أشهر قليلة فقط تتأهب العملة الاوروبية الموحدة (اليورو), فيما يبدو, للاحتفال بالذكرى الثانية لانطلاقها في الاول من يناير المقبل, وهي واقفة على أرض أكثر صلابة إلى حد بعيد. فمع إظهار ماراثون النمو الاقتصادي الامريكي مؤشرات الارهاق والتراجع, ومع استمرار تحول أوروبا إلى معدلات نمو قوية وثابتة, اتجهت اليورو إلى الارتفاع مما حدا بالمحللين إلى توقع عام أكثر ازدهارا للعملة الاوروبية الموحدة. ويعتقد الاقتصاديون بأن أيام شهر سبتمبر القاتمة, التي شهدت فيها اليورو انخفاضا تدنى بها إلى أقل من 84 سنتا قد ولت الان دون رجعة, حيث استعادت العملة الاوروبية الموحدة عافيتها مع نهاية العام, لتحقق في تعاملات الايام السابقة على الذكرى الثانية لانطلاقها الشهر المقبل, سعرا يدور حول 92 سنتا. وكنتيجة لذلك يعتقد الاقتصاديون بأن اليورو التي فقدت ما يزيد على 25 بالمائة من قيمتها مقابل الدولار, منذ ظهورها, ستحفر تدريجيا طريق عودتها للتساوي مع العملة الامريكية خلال عام ,2001 وقد تصل قيمتها إلى حوالي 1.04 دولار بحلول نهاية العام المقبل. وذكر بيتر بيتش الخبير الاقتصادي في كومرزبنك ''بأي معيار أو تحديد فإن اليورو تتعرض لابخاس قيمتها بصورة مأساوية''. وقال (لقد رأينا اليورو تستعيد قوتها مؤخرا, ونعتقد بأن هذا الاتجاه سيستمر). ومن جانبه قدر رئيس مجموعة العمل الخاصة باليورو بنقابة رجال البنوك الاوروبيين, مارتين هوفنر, هذا الشهر, القيمة العادلة لليورو ما بين 1.10 إلى 1.15 دولارا. وما ساعد على خلق خلفية أكثر إيجابية لاحتفالات اليورو بذكري انطلاقها, ظهور مؤشرات وصلت إلى الذروة في التدفق الكبير لرأس المال من دول منطقة اليورو الاحدي عشرة عبر الاطلنطي إلى أسواق وول ستريت التي كانت متسارعة الخطى في وقت ما. ويعتبر العام الحالي أيضا من الاعوام التي سيسعد رئيس البنك المركزي الاوروبي فيم دويسنبرج بانقضائها نظرا لما تعرض له خلاله من ضغوط هائلة بسبب التدهور الذي عانت منه العملة الاوروبية الموحدة. وجاء تدهور اليورو برغم قيام البنك المركزي الاوروبي برفع السعر الاسترشادي لفائدة إعادة التمويل بمقدار 225 نقطة أساسية على مدار العام الماضي وذلك في وقت أسهمت فيه سلسلة تدخلات البنك في الاسواق لدعم العملة المعتلة, في وضع الارضية في النهاية للعملة الاوروبية الموحدة. غير أنه, وعلى نحو وثيق الصلة بالموضوع, فإن دويسنبرج قد واجه سلسلة من الانتقادات بشأن معالجته لازمة العملة الموحدة خلال العامين التي كان فيها البنك المركزي الاوروبي هو القيم على السياسة المالية في منطقة اليورو, وكذلك بشأن اتجاهه لان يكون مبادرا إلى حد ما باطلاق تصريحاته العامة. وقد وصل الامر إلى ذروته في مؤتمر صحفي مخز في اكتوبر الماضي, وذلك عندما واجه دويسنبرج سيلا من الاسئلة عما إذا كان يعتزم الاستقالة بعد تصريحاته الصريحة بشأن احتمالات قيام البنك بسلسلة أخرى من التدخلات لدعم اليورو. وبعد أن اختير في البداية من جانب ألمانيا باعتباره الرجل الذي ترغب في أن تراه مسئولا عن البنك المركزي الاوروبي, اكتشف دويسنبرج أيضا أنه عرضة للانتقاد من جانب مؤيديه الالمان الذين أبدوا الكثير من القلق إزاء تركيزه الكبير على النمو الاقتصادي باعتباره العنصر الفاعل في دعم اليورو. ففي أعقاب تصريحاته بشأن التدخل قام كل من رئيس البنك المركزي الالماني (بوندسبنك) ارنست فيلتكه وكبير الاقتصاديين في أكبر البنوك الالمانية, دويتشه بنك, نوربرت فالتر بتعنيف وتوبيخ دويسنبرج علانية. والسؤال الرئيسي الان الذي يواجهه دويسنبرج والاعضاء السبعة عشر في مجلس تحديد جداول أسعار الفائدة هو: هل يتعين التحرك مرة أخري لمحاولة خفض الضغوط التضخمية في منطقة اليورو, باللجوء مجددا إلى اتخاذ سياسة نقدية محكمة ومشددة؟. إن الارتفاع الاخير في قيمة اليورو من شأنه, على الارجح, أن يخفف من بعض الضغوط على دويسنبرج ورفاقه, في هذا الوقت الذي يفكرون فيه مليا فيما إذا كان يتعين عليهم من عدمه الرد على المؤشرات الجديدة بشأن الزيادة الجوهرية للتضخم في منطقة اليورو. غير أن رفع أسعار الفائدة مرة أخرى, إنما يحمل في طياته مخاطر أن تؤدي أي سياسة نقدية أكثر تشددا إلى تأكيد التراجع الاقتصادي المعتدل الجاري حاليا. وكانت البيانات التي أعلنت هذا الشهر قد أظهرت أن اقتصاد منطقة اليورو قد بدأ بالتراجع في معدلات نموه القوي على أساس سنوي, من نسبة 3.7 بالمائة تقريبا, التي سجلتها في منتصف هذا العام, إلى نسبة 3.4 بالمئة في الربع الثالث من العام. ويمكن القول أن ضعف اليورو اليوم كان عاملا حاسما في المساعدة على تعزيز النمو مع زيادة الصادرات بمعدل سنوي وصل إلى 11.7 بالمائة خلال الثلاثة أشهر من الربع الثالث, حتى نهاية شهر سبتمبر. ومع ذلك فإن بعض الاقتصاديين يتوقعون أن التراجع الحالي في الاقتصاد الامريكي قد يثبت نسبيا أنه توجه مؤقت مما قد يهدد نتيجة لذلك في النهاية الامال التي تجددت بشأن بروز اليورو كعملة تتحدى سيطرة الدولار على الاسواق العالمية. ـ د.ب.أ