يواصل مهاتير محمد في الفصل الثاني الحديث عن خلفيات النهوض بماليزيا وتطورها وكيف كانت أحداث عام 1969 سبباً في هذا التطور. ويرى ان الاستقرار العرقي كان سبباً رئيسياً في التطور الاقتصادي الماليزي, ثم يصل الى منعطف صيف 1997 المشئوم وكيف نجح كرئيس للوزراء في انقاذ البلاد من انهيار اقتصادي تام, ويتحدث كذلك عن السياسة الاقتصادية الجديدة التي طبقها على أرض الواقع طوال السنوات العشرين الماضية. كما يتحدث مهاتير محمد عن الظروف القاسية التي عاشتها ماليزيا والتي كانت دافعاً للانطلاق نحو المستقبل, وبدأت تلك المرحلة حينما أطلق مهاتير (رؤية عام 2000) في سنة 1990 ومن ثم اطلاق (رؤية 2020), لتحويل ماليزيا الى دولة صناعية متقدمة بالكامل, ويشرح بدقة القواعد التي تقوم عليها (رؤية 2020) والتحديات التسع التي تواجه تطبيقها وكيفية التغلب عليها. ثم ينتقل في قسم آخر للحديث عن آسيا الجديدة وهي عبارة عن آسيا الديمقراطية والثقافة ذات النكهة الآسيوية. يقول مهاتير محمد: عندما أسترجع اليوم قصة تطور ماليزيا فإنني أرى ان عام 1969 كان حقيقة عاماً حاسماً ونقطة تحول في تاريخنا القصير كدولة مستقلة. وكنت قد أشرت سابقاً الى ان حوادث الشغب العرقية التي حدثت في كوالالمبور في 13 مايو عام 1969 قد زلزلت القيادة السياسية كما انها من ناحية البعد الشخصي أدت الى طردي من الحزب الحاكم أومنو. كانت تلك الأحداث أكبر من مجرد قضية سياسية فقد كشفت صعوبة إدارة دولة متعددة الأعراق وأدت الى تعرية الشروخ العميقة التي ظهرت بين الصينيين والجماعات العرقية الاخرى الأكثر فقراً خاصة الملايو, وقد كانت بحق تجربة كشفت للماليزيين كثيراً مما كان خافياً حيث أدركنا خطورة التوترات العرقية والتفاوت الاجتماعي على وحدة البلاد وتماسكها. كانت ماليزيا في عام 1969 دولة زراعية وكان النشاط التجاري مقتصراً على التعدين وزراعة المطاط مع وجود قطاع تجارة دولي متواضع. لم يكن هناك تقريباً أي قطاع للتصنيع كما ان قطاع الخدمات كان بدائياً والمرافق العامة تحت سيطرة الدول وهي مرافق لم تكن تجلب أي موارد للحكومة. بعض الملايو كانوا يمتلكون أراضي زراعية صغيرة لم تكن لتعطيهم نفس المستوى من الثروة المادية التي أدركت الحكومة وبسرعة ان ردم الفجوة بين الملايو والمجموعات العرقية الاخرى هي العامل الاساسي لضمان الاستقرار والازدهار للبلاد على المدى الطويل. غير ان الانتقال بالملايو أو (البومبيوتيرا), وهو الاسم الذي يعرف به السكان المحليون في ماليزيا, الى قلب التيار الرئيسي للنشاط الاقتصادي أمر يسهل قوله ويصعب تحقيقه. الملايو كانوا تقريباً غير مؤهلين لاداء الأعمال التجارية واستخدام النقود حيث ان معظمهم ينظرون الى النقود ليس كرأسمال وانما كوسيلة تستخدم لشراء الضروريات اليومية. كان هناك عدد قليل للغاية من خريجي الجامعات من الملايو وعدد أقل من المهنيين ومن جملة المهنيين المسجلين رسمياً كان الملايو يشكلون فقط 9.4%. في أعقاب تلك الأحداث تم انشاء مجلس العمليات الوطني لدراسة أسباب عدم المساواة الاقتصادية والتنمية غير المتوازية لمختلف المجموعات العرقية وبعد ذلك تم جمع ممثلي كافة الأعراق في المجلس الاستشاري الوطني للمساعدة في وضع سياسة جديدة لاعادة بناء الاقتصاد من اجل تحقيق توزيع عادل للثروة. وحيث ان الاختلاف الاساسي هو بين البومبيوتيرا والمجموعات الاخرى فان الاهتمام الرئيسي انصب على جذب السكان الملايو الى خضم الحياة الاقتصادية للأمة. ولم تكن الفكرة تقوم على الاستيلاء على ثروات الاخرين وانما إثراء الملايو عبر توسيع القاعدة الاقتصادية لصالحهم في الوقت الذي تستفيد فيه الأعراق الاخرى من الكعكة. وكانت محصلة السياسة الاقتصادية الجديدة التي اعلنت عام 1971 هي اصطياد عصفورين بحجر بفضل هذه المداولات التي شملت كافة فصائل المجتمع عن طريق القضاء على الفقر وأيضاً على سيطرة مجموعات دون اخرى على الانشطة الاقتصادية بصورة تختلف عما حدث في العديد من المجتمعات حيث تم توزيع الثروة بانتزاعها من الاغنياء وتسليمها للفقراء غير ان زعماء ماليزيا أدركوا ان هذا الاتجاه سيكون هو الخطأ بعينه وان مثل هذا الاجراء سيكون غير منصف لتلك المجموعات العرقية التي عملت بجد ونشاط لتحقيق مستوى معين من المعيشة وستكون المحصلة النهائية مزيداً من عدم الاستقرار وأعمال الشغب. وكان الشىء الوحيد الذي يمكن ان نعمله هو توليد مزيد من الثروة والتأكد من ان الفقراء قد نالوا حظهم من ذلك. كان التخطيط ان تشكل السياسة الاقتصادية الجديدة برنامج عمل يستمر عشرين عاماً مع أهداف معينة تم تحديدها للسكان الاصليين. كان أحد الأهداف المرجوة زيادة نصيب الملايو من الثروة الاقتصادية من 4.2% الى 30% من الاجمالي على الرغم من انهم يشكلون 56% من مجموع السكان. وفي نفس الوقت تتم زيادة نصيب العنصر غير الملايو من 3.34% الى 40% فيما يتم خفض نصيب الاجانب من 3.63% الى 30%. ومع إقتراب نهاية العشرين سنة لتنفيذ السياسة الاقتصادية الجديدة قررنا الاستمرار في خطة تنموية عشرية لتكملة المهمة التي بدأت عام 1971 وكان المأمول هو ان نهاية القرن سيأذن بالقضاء على عدم المساواة بين الاجناس بصورة كبيرة. وقد حققت الخطة التنموية الجديدة التي ركزت على النوعية بدلاً من الكمية نتائج مشجعة على الاقل حتى صيف 1997 المشئوم. لقد قمت من جانبي بدور فعال اولاً كنائب لرئيس الوزراء من عام 1976 حتى عام 1981 ثم كرئيس للحكومة منذ ذلك التاريخ في انزال السياسة الاقتصادية الجديدة إلى ارض الواقع طوال العشرين سنة الماضية. وقد اثبت هذا البرنامج لنا وللعالم من حولنا اننا قادرون بما فيه الكفاية على ادارة شئوننا بانفسنا ورسم نظام اقتصادي واجتماعي عادل وفعال. الاتجاه بالقارة نحو ثقافة جديدة السياسات الاقتصادية المحددة التي طبقت في مختلف الدول الآسيوية اختلفت بطبيعة الحال بدرجات متفاوتة باختلاف التركيبات العرقية للمجتمعات وبسبب الخلفيات التاريخية المتعددة لكل دولة. واذا نظرنا إلى القيم واخلاقيات العمل فإنني اعتقد ان تغييرات مماثلة قد حدثت في العديد من الدول الآسيوية واهم تلك التغييرات واصعبها حدثت في الجانب الثقافي. وحتى مع وجود سياسات اقتصادية جديدة وفرص جديدة فإن هذه ما كان لها ان ترى النور دون اعتماد قيم جديدة في المجتمع. وفي العديد من الحالات كان المطلوب اجراء تغيير ثقافي رئيسي وتحقيق قفزة فوق الحواجز التي تفصل ثقافة الفلاح والبائع المتجول من ثقافة المجتمع التجاري الراقي. ولتحقيق المزيد وانتشال آسيا من التخلف كان لابد من العمل الشاق لكي يعمل الناس بجد ونشاط ومن نظرة جديدة تجاه العمل. لقد ظل تحديث العقل هو المطلب الاساسي لتحديث الاقتصاد غير ان هذا بالطبع لا يعني ان على آسيا ان تتخلى عن ثقافتها المحلية ولكن كان من الضروري ان نتعلم من الامم المتحدة اقتصادياً لخلق مفاهيم جديدة للعمل. الآسيويون من ناحية التركيبة الجسمانية والعقلية لا يختلفون عن الاجناس الاخرى. ربما كانت هناك اختلافات جينية بسيطة بين مختلف الاعراق ولكنني لا اعتقد بأن هذا له اي اثر على الفرص المتاحة لجنس بعينه او دولة ما لتحقيق الازدهار الاقتصادي. والاسباب التي ادت في الماضي إلى التفريق بين الامم المتطورة اقتصادياً وتلك المتخلفة تعود في المقام الاول إلى اعتبارات ثقافية واخلاقية. ان اداء اي دولة او جنس هو في اعتقادي انعكاس لنظام القيم لدى ذلك الشعب والذي يشكل اساس ثقافته. فالاختلافات الاثنية ليست عاملاً حاسماً في الشكل الثقافي او الحنكة لاي جنس. والقبائل والشعوب ذات المستويات المختلفة من التطور الثقافي او الحضاري ربما تكون قد انحدرت من نفس المجموعة العرقية وربما اصبحت احدى المجموعات ناجحة للغاية بينما تفشل الاخرى في كافة المناحي الانسانية. ان السبب الرئيسي يعود إلى نظام القيم الذي طورته كل مجموعة وبعبارة اخرى فإن الثقافة التي تتماشى مع النجاح سوف تنجح اما تلك التي تتنافي مع النجاح فسيكون مصيرها الفشل. ربما كان التنظير في مثل هذه الامور سهلاً غير ان المشكلة الرئيسية تكمن في تطبيق قيم جديدة بطريقة لا تؤدي إلى عزل الناس او تنفيرهم في العديد من الدول الآسيوية بما فيها ماليزيا فإن الناس يقدرون كثيراً المثابرة في حياتهم ولكننا في الماضي لم يكن لدينا الدافع والحافز الذي يدفعنا إلى العمل بجد ونشاط لتحقيق المزيد. لقد ظل الآسيويون قنوعين لدرجة كبيرة بنتائج جهودهم ونادراً ما كانوا يسعون لتحقيق التفوق والتميز. ولم يكن مهماً ما اذا كانت السلع التي يتم انتاجها متينة وذات منظر جذاب ونتيجة لذلك كنا ننتج سلعاً ذات مستوى متواضع لسنوات طويلة. النقطة الحاسمة هي ما اذا كان يسمح للناس ان يحققوا التغيير بمبادرة منهم او اذا كانوا يشعرون بأن قوى خارجية اخذت تتعدى عليهم. ولابد لكل دولة او منطقة ان تتمتع بحرية التطور والتغيير بالسرعة وفي الاتجاه الذي يحدده اهلها وليس القوى الخارجية. هذا هو احد التحديات الرئيسية للاستقرار المستقبلي في آسيا لبقائها ضمن بقية العالم خاصة عندما تعني العولمة اكثر من اي شىء آخر التقييد بالغرب وتقليده وقبول مفاهيمه الاقتصادية وانظمته السياسية في كافة ارجاء العالم. لقد ظل العديد من سكان شرق اسيا في المناطق الاستوائية ينعمون بعيشة مريحة ترتكز بالكامل على المكان والزمان الراهن دون الاهتمام بالمستقبل. وساهم المناخ والطبيعة في طمأنة السكان بعدم القلق بشأن المستقبل. وفي ماليزيا قمنا باطلاق ما عرف باسم رؤية عام 2000 وكان ذلك سنة 1990 ووقتها كنا على وشك الانتهاء من تنفيذ السياسة الاقتصادية الجديدة وبدا لنا ان من المناسب وجود رؤية شاملة طويلة الاجل لتنمية البلاد إلى الافضل. وتستهدف رؤية عام 2020 ان تصبح ماليزيا دولة صناعية متقدمة بالكامل بحلول عام 2020 في كافة الميادين وليس فقط المجال الاقتصادي. وعلى الرغم من ان سنة الفين وعشرين هي السنة المحددة في الخطة فإن الرؤية اصبحت تعرف بمصطلح عشرين على عشرين 2020 لانها توحى بمعني النظر الثاقب او ما يعرف طبياً باصطلاح عشرين على عشرين. ان فترة ثلاثين سنة تبدو فترة جيدة لكي تحقق ماليزيا وضع الدولة الصناعية وعندما كان يطلب مني التحدث عن هذه الرؤية فإنني كنت اقول مازحاً انها بعيدة في المستقبل بحيث لن اكون وقتها موجوداً لاتحمل اللوم في حالة فشلنا في تحقيق الاهداف المرجوة. والقواعد التي تقوم عليها رؤية 2020 هي اولاً انه لابد لنا من تحديث انفسنا ونصبح دولة متقدمة وبالطراز الخاص بنا وثانياً يتعين على البلاد ان تتطور في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والروحية والسيكولوجية والثقافية. وقمنا بتحديد تسعة تحديات استراتيجية للتغلب عليها ونحن نسير في طريقنا نحو سنة 2020. ــ التحدي الاول يتمثل في قيام امة ماليزية موحدة يحكمها الشعور بالمصير الواحد المشترك. وهذه الامة لابد وان تكون في سلام مع نفسها ومتكاملة جغرافياً وعرقياً وتعيش في انسجام وشراكة كاملة وعادلة تتألف من جنس ماليزي واحد يكون ولاؤها السياسي واخلاصها مكرساً نحو الامة. ــ التحدي الثاني هو خلق مجتمع ماليزي متحرر سيكولوجياً وآمن ومتطور قوي الايمان والثقة بنفسه وفخور بوضعه وبما انجز وضخم بما فيه الكفاية لمواجهة كافة الصعوبات, هذا المجتمع الماليزي يجب ان يكون مميزآ بمقدرته على السعي لانجاز الافضل ومدركاً بالكامل لامكانياته لا يخضع لاحد وتحترمه شعوب الدول الاخرى. ــ التحدي الثالث هو بناء مجتمع ناضج ديمقراطي يمارس نوعاً من انواع الديمقراطية الماليزية النابعة من المجتمع والملبية لمتطلباته والتي تصلح لان تكون نموذجاً تحتذي به الدول النامية. ــ التحدي الرابع هو بناء مجتمع تسوده الاخلاق والقيم, المواطنون فيه اقوياء في دينهم وقيمهم وتحكمه اسمى مستويات الاخلاق. ـ التحدي الخامس هو بناء مجتمع ناضج متحرر متسامح يكون فيه الماليزيون من مختلف الالوان والاعراق احراراً في ممارسة ونشر ثقافاتهم ومعتقداتهم الدينية ويشعرون في نفس الوقت بالانتماء لأمتهم. * التحدي السادس يتمثل في بناء مجتمع علمي تقدمي قادر على الابتكار ويتطلع دائما الى الامام, مجتع لا يستهلك التقنية فقط وانما يساهم في بناء حضارة العلم والتقنية المستقبلية. * التحدي السابع هو بناء مجتمع يهتم بالآخرين, ونظام اجتماعي يأتي فيه المجتمع قبل الفرد ويكون فيه محور رفاهية الناس ليس الدولة او الفرد وانما نظام اسري قوي ومرن. * التحدي الثامن هو ضمان وجود مجتمع تسوده العدالة الاقتصادية وتكون فيه شراكة كاملة للتقدم الاقتصادي. ومثل هذا المجتمع لا يمكن ان يستمر طالما كانت هناك فوارق اقتصادية حسب العرق والجنس. * التحدي التاسع هو ايجاد مجتمع تسوده الرفاهية, اقتصاده يتميز بالمنافسة الكاملة والديناميكية والضخامة والمرونة. وكنا قد اولينا الجانب الاقتصادي الاهمية القصوى عند اطلاق رؤية 2020. لكي نصبح دولة متقدمة بالكامل بحلول سنة 2020 انصب اهتمامنا على تحقيق معدل نمو اقتصادي يبلغ على الاقل 7 في المئة خلال الفترة بأكملها. ويعني هذا بدرجة اساسية مضاعفة اجمالي الناتج المحلي للبلاد كل عشر سنوات. وحيث ان تحقيق هذا الهدف سوف يصبح اصعب واصعب كلما اقتربنا من عام 2020 فقد بذلنا جهدا شاقا لنحصل على افضل بداية ممكنة للمشروع وخلال السنوات الست الأولى نم عام 1990 وحتى 1996 كان معدل النمو في ماليزيا 8.6 في المئة سنويا. ونتيجة لذلك امكن تسخير كل الطاقات وفاقت معدلات التوظيف الحد الاقصى وتدفقت الثروة لتغمر كافة شرائح المجتمع بحيث تم تقريبا القضاء على الفقر وزادت دخول كافة الطبقات. ان اعظم نجاحات رؤية 2020 لا يكمن رغم ذلك في معدلات النمو فقط.. فالنجاح الحقيقي هو ان هذه الرؤية المستقبلية حشدت الامة بأسرها ووجهتها نحو العمل لتحقيق هدف مشترك. واصبح تعبير عشرين على عشرين ـ الذي يعني باللغة الملاوية دوا بوها دوا بوها وباللغة الصينية ايرلنج ايرلنج ـ تاريخا محفورافي ذاكرة كل مواطن ماليزي الهب خيال شعبنا وحرك احلامه. آسيا الجديدة التحولات التي ظلت تحدث في شرق آسيا منذ عام 1960 تقريبا لم تكن ذات طابع اقتصادي فقط. لقد تغيرنا سياسيا واجتماعيا. وارتفع متوسط العمر المتوقع للسكان بصورة هائلة من سنغافورة الى شانغهاي. وبدون شك تحسنت مستويات المعيشة بصورة رئيسية. ووجدت الافلام والفنون والثقافة الآسيوية مكاناً لها في قلوب الأوروبيين والامريكيين. وساد السلام والوئام الدول الآسيوية التي شكلت فيما بينها العديد من التكتلات الاقليمية التي من اهمها اتحاد دول جنوب آسيا (آسيان). وكانت كل الدلائل تشير الى اننا مقبلون على نهضة آسيوية في التسعينات وهي ليست نهضة تعني السيطرة الآسيوية على بقية العالم وانما تتيح لهذه المنطقة العظيمة ان تحتل المكانة التي تستخدمها في شئون العالم وتاريخ العالم. لقد ظلت رياح الديمقراطية بنكهة اسيوية وليس بنكهة هولندية او فرنسية او بلجيكية او امريكية تهب على كل دولة في المنطقة. بعض الدول بما فيها ماليزيا ورثت نظاما سياسيا استعماريا وبدلا من اعادة اختراع العجلة اعتقد اننا استطعنا ان نستفيد جيداً من هذه الانظمة. ومنذ عام 1955 عندما اجرينا اول انتخابات في ماليزيا استطعنا تنظيم عشرة انتخابات حرة دون اية عوائق تمكنت فيها المعارضة ليس فقط من الفوز بمقاعد وانما تولي حكومات اقليمية وهذا في نظري يعتبر انجازا قياسيا لديمقراطية وليدة مازالت تتطور. نحن ديمقراطيون رغم انف الآخرين الذين يرسلون الاشارات ويوزعون الابتسامات الخبيثة هنا وهناك. إن دولة متعددة الاعراق واللغات والاجناس كحالنا ومع كل التحديات والمصاعب التي يمكن ان تنتج مثل هذا الوضع لم تكن لتحيا وتستمر وتزدهر دون وجود ديمقراطية متعافية ومستدامة. الله وحده اعلم ماذا كان سيحدث لو طبقنا النظام السويسري او الايطالي او الديمقراطية اليابانية. اقول هذا وليس في قصدي التلميح الى ان هناك خطأ ما في هذه الانظمة ولكن حتى الديمقراطية لابد لها وان تنزل الى ارض الواقع وتتكيف مع كل دولة وثقافتها. ووجود ديمقراطية يابانية او ماليزية او كورية او سنغافورية اليوم لا ينبغي ان يثير الدهشة . فهذه هي الطريقة التي يجب ان تكون عليها الامور. وعلى الرغم من استمرار وسائل الاعلام الغربية في وصفها للحكومات الاسيوية بأنها اوتوقراطية بل وفي بعض الاحيان معادية للديمقراطية فإن الحقيقة هي ان هناك ديمقراطية اليوم في آسيا اكثر من اي وقت مضى. في اوروبا وامريكا ربما كانت هناك تعددية اكثر وحرية صحافة اكبر ولكن الشيء الاهم في آسيا كان وسيظل خير الجميع بدلا من انانية الاقلية او مصلحة الفرد. وهذه هي الطريقة التي تطورت بها الديمقراطية في العديد من الدول الآسيوية واعتقد ان ذلك سيكون شكل الديمقراطية الأسيوية في المستقبل كذلك. واذا كان قد قدر لهذا الكتاب ان يؤلف قبل شهر يوليو من عام 1997 فإن نغمته وخاصة العديد من النتائج والاستنتاجات كانت ستبدو مختلفة للغاية. فالفصل الحالي الذي يصف حالة آسيا من التخلف الاقتصادي الى الازدهار النسبي كان سينتهي بنبرة متواترة مع وجود رؤى للمستقبل ونظرة متفائلة بل وحتى مفعمة بالفوز. والآن وأنا اكتب عن الوسائل التي تحدد طريق آسيا نحو الرخاء فإن الأمر يبدو وكأن شبحا يخيم على كل فقرة وصفحة ويهمس مرددا.. الى ان اطل صيف 1997. وبالنظر للانجازات التي حققناها لآسيا عبر العقود الثلاثة الماضية فإنني اشعر بحسرة وانقباض كيف ان كل تلك الانجازات يمكن ان تنهار ـ لقد جاءت نهاية عصر الشموخ الآسيوية والشعور الجديد بعز النفس سريعة للغاية ومفاجئة. ونحن لا يمكننا المضي قدما دون ان نعرف لماذا حدث ما قد حدث ولايمكننا استعادة ايماننا بالمستقبل او العودة الى الرؤية التي تحدد معالم الألفية الجديدة ما لم نقم اولا باكتشاف كيفية حماية انفسنا من قوى الغدر الاقتصادي المفاجيء.