عندما اعلنت القوات البريطانية انسحابها من منطقة الخليج في بداية السبعينيات لم تجد حكومات وشعوب الامارات بداً من اعلان استقلالها وتكوين دولة كي تلحق بركب الدول الاخرى التي اعلنت استقلالها، خلال فترة الستينيات وقبلها كالكويت والسعودية والعراق, ولقد كانت الطموحات المشروعة لحكومات وشعوب المنطقة في تحقيق الاستقرار الامني والاجتماعي والاقتصادي هو الهاجس والهدف من اعلان الاستقلال وذلك بعد سنوات طويلة من الاحتلال البريطاني للمنطقة شهدت خلالها شعوب المنطقة معاناة حقيقية. لم يطرأ في تفكير حكومات وشعوب الدول المستقلة حديثاً ان تصبح منطقة مجلس التعاون خاصة والخليج عامة ذات أهمية استراتيجية جعلتها مسرحاً لأحداث كبيرة وذات آثار سلبية وخطيرة على الانسان والمجتمع والبيئة لعل أهمها الحرب الطاحنة بين الجارتين اللتان ترتبطان بعلاقات تاريخية واستراتيجية وهما العراق وايران, وقد كانت تلك الحرب حرباً استنزافية كان الخاسر فيها شعوب ودول المنطقة ومنها دول المجلس التي ساهمت في الحرب بشكل غير مباشر. وما كانت تلك المنطقة لتهدأ من حرب طويلة وصعبة حتى انفجرت قنبلة اخرى هزت المنطقة قاطبة تمثلت في غزو القوات العراقية للكويت في اغسطس 1990 على الرغم من العلاقات التاريخية والاستراتيجية والاقتصادية والشعبية التي تربط البلدين, ولتكون تلك العملية الآثار الاجتماعية والاقتصادية والنفسية الخطيرة على مختلف دول وشعوب المنطقة ودول الوطن العربي, ثم كان تحرير الكويت من القوات العراقية ليشكل استنزافاً آخر للمنطقة التي أصبحت من أكثر مناطق العالم سخونة ليس إلا لكونها ذات عمق استراتيجي اقتصادي تجسد في آبار النفط الذي يشكل شريان الحياة الاقتصادية لمختلف دول العالم ولاسيما الصناعية منها. لقد حصدت تلك الاحداث الثلاثة آلاف المليارات من الدولارات بعد ان شهدت المنطقة تدميراً حقيقياً لجزء مهم من انجازاتها الاقتصادية ولمشاريع التنمية الاقتصادية التي كانت تشكل المخرج الحقيقي لدول المجلس نحو العالمية, وتمثل الجسر نحو الحضور الدولي في الساحة العالمية, كما كان لتلك الاحداث آثاراً خطيرة على الانسان ونفسيته وعلى البيئة ومفرداتها. واذا كانت تلك الاحداث في ظاهرها عسكرية فإنها في حقيقة الأمر هي حروب اقتصادية تم التخطيط لها منذ زمن ومنذ بروز دول المنطقة كمعسكر اقتصادي يشكل ثقلاً عالمياً ويسعى لتحقيق تنمية حقيقية للشعوب المنتمية اليه, ويهدف الى الانعتاق من ربق السيطرة والهيمنة الاقتصادية التي عانت منه شعوب المنطقة ولسنوات طويلة. لقد حولت تلك الحروب الاقتصادية من دول الفائض في موازناتها الى دول العجز في موازناتها حيث كانت فاتورة تلك الاحداث مرتفعة جدا ودفعتها دول المجلس كاملا, وهذا ما انعكس سلبا على المشروع التنموي الذي سعت إليه هذه الدول حينما تعطلت خطط ومشاريع التنمية, كما انعكس ذلك على مختلف الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية حيث استفحلت ظواهر لم تكن في الحسبان كظاهرة البطالة التي اصبحت تشكل سرطاناً يتغذى على باقي المشاريع, ثم ظاهرة الركود الاقتصادي التي اصبحت تحاصر الاقتصاديات الخليجية, ثم تفاقم مشاكل المديونية وخاصة مديونية افراد المجتمع الخليجي ولتلك الظواهر ابعاد اجتماعية واخلاقية ونفسية خطيرة ومباشرة على الفرد والمجتمع!! لقد اكدت الايام حقيقة تلك الحروب المفروضة على دول مجلس التعاون من قبل دول النفوذ حيث تسعى هذه الاخيرة لتمرير مشاريعها التوسعية وفرض هيمنتها الاجنبية وذلك في اطار حروبها الاقتصادية ضد دول العالم ولاسيما العالم الثالث للحيلولة دون تحقيق مشاريع التنمية فيها. ولتبقى دولنا ودول العالم الثالث مخازن لتصدير المواد الأولية بدول النفوذ بالحجم والسعر المحددان من قبل دول النفوذ ومن هنا وعلى الرغم من ان المادة الرابعة من النظام الاساسي لمجلس التعاون ولاسيما البندين الأول والثاني منه قد اكدت على ان اهداف المجلس تنص على تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين وصولا الى وحدتها (البند الأول) وكذلك تعميق وتوثيق الروابط والصلات واوجه التعاون القائمة بين شعوبها في مختلف الميادين وا لمجالات (البند الثاني). وعلى الرغم من ان المادة الثامنة من النظام نفسه والمتضمنة لاختصاصات المجلس الأعلى حيث نص البند الثاني من المادة على ان (من اختصاص المجلس الأعلى وضع السياسة العليا لمجلس التعاون والخطوط الاساسية التي يسير عليها ــ البند الثاني والنظر في التوصيات والتقارير والدراسات والمشاريع المشتركة التي تعرض عليه من المجلس الوزاري (البند الثالث). وعلى الرغم مما نصت عليه الاتفاقية الاقتصادية الموحدة الصادرة في قمة الرياض المنعقدة في 11 نوفمبر 1981 وتم العمل بموجبها اعتبارا من مارس 1983 وفي الفصل الأول منها والمتعلق بالتبادل التجاري من حرية حركة السلع والبضائع ذات المنشأ الوطني ومعاملتها معاملة المنتجات الوطنية في دول المجلس الأخرى (البند الثاني ـ المادة الأولى) وكذلك اعفاء جميع هذه السلع والمنتجات من الرسوم الجمركية. وعلى الرغم مما نص عليه المادة السابقة من الفصل نفسه على قيام الدول الاعضاء بتنسيق سياساتها وعلاقاتها التجارية تجاه الدول الاخرى والتكتلات والتجمعات الاقتصادية الاقليمية عملا على ايجاد ظروف وشروط متكافئة في التعامل التجاري معها ولاسيما البند الرابع من هذه المادة والذي ينص على.. العمل على ايجاد قوة تفاوضية جماعية لدعم مركز التفاوضي مع الاطراف الأجنبية في مجال استيراد احتياجاتها الاساسية وتصدير منتجاتها الرئيسية. على الرغم من كل ذلك فإن دول المجلس شهدت ومازالت تواجه حروبا اقتصادية خارجية لم تتمكن ــ دول المجلس من الحد من تأثيراتها السلبية على الأوضاع الاقتصادية سواء تلك المتعلقة بحرب الأسعار. او عمليات اغراق اسواق منطقة التعاون بالسلع والمنتجات الاجنبية مما نجم عن ذلك مشاكل اقتصادية برزت اعراضها على الساحة الاقتصادية الخليجية سواء الاوضاع المالية (عجوزات الموازنات الحكومية للدول الاعضاء) وعلى مختلف القطاعات الاقتصادية ومشاريع التنمية الاقتصادية المستجدة في الساحة العالمية وخاصة تداعيات العولمة إلا ان دول المجلس لم تعمل على وضع آلية فعلية لتنفيذ المواد التي نص عليها النظام الاساسي في انشاء مجلس التعاون وخاصة المواد المشار اليها آنفا, وكذلك المواد التي نصت عليها الاتفاقية الاقتصادية على الرغم من انها تشكل ارضية صلبة في وجود تعاون اقتصادي حقيقي يمكن دول المجلس من مواجهة تلك التحديات, وتحد بالتالي من تأثيرات الحروب الاقتصادية التي تستهدف الكيان الاقتصادي لدول المجلس والبناء التنموي لهذه الدول وقد ساهمت في ذلك عدة عوامل منها غياب التشريعات والقوانين التي تحد من اختراق اسواق دول المجلس. نجيب عبدالله الشامسي Massar@emirates.net.ae