في الوقت الذي كان الأمريكيون منشغلين بالسباق على الرئاسة, وقع شىء مشئوم للاقتصاد الأمريكي. فالأمر الذي دفع هذه الطفرة الاقتصادية الحالية هو الثقة بالازدهار الاقتصادي نفسه. وقد تصرف الناس وكأن الازدهار الاقتصادي سيستمر الى الأبد, وقاموا بانفاق أموالهم طبقاً لذلك. ولكننا نرى الان العلامات الأولى لتآكل تلك الثقة. فقبل فترة وجيزة, أفاد استطلاع للرأي أجراه معهد جالوب ان 48% من الأمريكيين يعتقدو ان الاقتصاد يزداد سوءاً, وذلك بارتفاع عن النسبة التي ظهرت في استطلاع يوليو والبالغة 29 %. واذا تزعزعت الثقة, فان التباطؤ الاقتصادي الطفيف الذي يظهر الان قد يتدهور سريعاً ليصبح ركوداً خطيراً. ومع ذلك, فان عددا قليلا من الاقتصاديين قد تنبأ بحصول ركود اقتصادي, وألمح رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي آلان جرينسبان, مؤخراً, إلى ان اقتصادا اضعف قد يسمح للاحتياطي الفيدرالي بتخفيض اسعار الفائدة وبرغم ذلك, فان المفارقة الماثلة في الوضع الراهن تظل قائمة وهي ان مصدر القوة الأكبر في الاقتصاد.. أي الثقة الزائدة ـ قد تصبح اكبر نقطة ضعف فيه اذا نجح التباطؤ المتواضع في تحطيم التفاؤل السائد. وذلك من شأنه ان يسبب تفاعلا تسلسليا من التقليصات المعطلة في عمليات الشراء الاستهلاكية والتجارية. تأمل كيف عملت الثقة المفرطة على تشكيل طفرة الازدهار الاقتصادي. فمن عام 1992, زاد الانفاق الاستهلاكي (على كل شيء من السيارات الى اجهزة الكمبيوتر) عن الدخل الشخصي. وقد اقترض الناس وحولوا ارباح الاسهم الى سيولة نقدية او توقفوا عن الادخار. وانخفض معدل الادخار الشخصي ـ الادخار بحصة من الدخل بعد الضريبة ـ من حوالي 9% الى صفر تقريبا. افترض ان الامريكيين, القلقين من تصاعد الدين او هبوط اسعار الأسهم, زادوا من مدخراتهم. فاذا ارتفع معدل الادخار الى 2% فقط, فان ذلك سيؤدي الى تخفيض الانفاق الاستهلاكي بحوالي 140 مليار دولار, وهو ما يعني مبيعات اقل من السيارات الرياضية واللوازم والهواتف الخليوية. يواجه الاستثمار في الشركات خطرا مماثلا وفي هذا المجال, ساد هرج ومرج ايضا. ومنذ العام 1995 الى 1999, ارتفع الانفاق الاستهلاكي بنسبة 54% فقد قامت الشركات بشراء اجهزة كمبيوتر وتركيب شبكات للاتصالات وبنت مصانع ومستودعات. وفي قطاع التصنيع, هناك طاقة غير مستغلة. ففي الربع الثالث من العام الجاري, عملت الصناعة بـ82.2% من طاقتها مقارنة بـ85.4% في ذروة دورة نشاط الاعمال في الثمانينات. وباختصار, فان التباطؤ الاقتصادي قد يتغذى على نفسه والتباطؤ الآن جلي وواضح. فقد اعلنت شركة جنرال موتورز, مؤخراً, انها ستصنع 103 ملايين سيارة في الربع الأول من عام 2001 وهو رقم ينخفض بنسبة 14% عن المستوى في عام 2000. وقالت شركة إنتل وهي اكبر مصنع لرقابات الكمبيوتر في العالم, ان الطلب الضعيف على اجهزة الكمبيوتر الشخصية سيعني ثبات او انخفاض الارباح في الربع الرابع من العام. وقد انخفضت كذلك مبيعات التجزئة. وانخفض بناء المنازل واصاب الانتاج الصناعي حالة من الركود. ان هذه النكسات الصغيرة لوحدها لا تدق ناقوس الخطر. وبالتأكيد, فان الاحتياطي الفيدرالي هو الذي اعدها. فمنذ منتصف عام 1999, اقدم على رفع اسعار الفائدة ست مرات لمنع الانفاق سريع التقلب والبطالة المنخفضة من زيادة تضخم الاجور مقابل الاسعار. وان المبيعات الضعيفة والطفرات الاسكانية قد تعني فقط توقفاً مؤقتاً في الانتاج ـ مع قيام المحلات وبنائي المنازل بترتيب المخزون من السلع الفائضة. ومن ثم يحدث (هبوط سلس): أي نمو قوي مع تضخم منخفض. ويظل هذا هو الرأي السائد في اوساط الاقتصاديين ولأن الاقتصاد قد نما بسرعة كبيرة, فإنه قد يكون امامه مجال واسع لكي يزيل الضغط عن نفسه. ولكن هناك مشكلتان اولاً الهبوط السلس حتى قد يبدو صعباً مقارنة بالرسو السلس في السنوات الاخيرة. وتتوقع ماكروايكونوميك ادفايزرن وهي شركة تنبؤات كبيرة في سانت لويس, ان ينمو الاقتصاد بمعدل يقل قليلاً عن 3 % في عام 2001. غير ان الاقتصادي كريس فارفاريس يقول ان (الوضع سيكون سيئاً للغاية. فأرباح الشركات ثابتة وسوق الاسهم يعاني من الانخفاض). ويتوقع ان يرتفع معدل البطالة إلى 5.4% بحلول بداية عام 2002. والمشكلة الثانية هي ان التنبؤات القياسية تتجاهل الحظر الرئيسي وهو انهيار الثقة. فالمستهلكين الامريكيين يفترض ان ينفقوا بشكل يتماشى مع النمو في الدخل ولا يسبقه (كما حدث في السنوات الاخيرة) او يتباطؤ عنه (كما سيحدث لو زاد الناس مدخراتهم وفي حين تصمد الثقة, فإن الازدهار يصبح تحصيل حاصل. فالناس ينفقون اموالهم لانهم يعتقدون, ولأنهم يثقون بأن الازدهار سيستمر. ان توجيه اسئلة حول ما اذا كانت الثقة مبررة يعني اثارة اسئلة عميقة حول الازدهار الاقتصادي. هل ينجم عن تقنيات حديثة توجد معدلات عالية من النمو الانتاجي (الانتاج في الساعة) وتطورات اسرع في الاجور والارباح؟ اذا كان الامر كذلك, فإن الثقة قد يكون لها جذورها في الواقع. والناس يستطيعون الآن ان ينفقوا اكثر لانهم سيكونون اغنى في المستقبل. وعلى نحو مماثل, فإن ارتفاع اسعار الاسهم يعكس توقعاً معقولاً بجني ارباح طائلة غداً. ولكن ماذا يحدث لو تبين ان الطفرة الاقتصادية كانت في جانب منها على الاقل حلقة كلاسيكية من الافراط في المضاربة والاسهم والمبالغ في اسعارها والاستثمارات في شركات مبتدئة مشكوك في امرها وقيام الناس بالانفاق بشكل يتجاوز مواردهم المالية؟ عندها سيتبين ان مكاسب الانتاجية ستتلاشى ـ نتيجة للطلب العالي اكثر مما هو بسبب التقنية العالية. والطفرة الاقتصادية ستنتهي على نحو مروع. ولو كانت الاجابات واضحة لكانت الاسئلة غير ضرورية. وفي الوقت الحاضر تعتبر الثقة على مستوى عال حتى وان كانت تتذبذب. وفي استطلاع للرأي نشرته مجلة نيوزويك مؤخراً, توقع 45% من الاشخاص ان يتحسن وضعهم المالي في العام المقبل و6% فقط توقعوا ان يسوء وضعهم المالي. وهي نتائج مماثلة تقريباً لنتائج استطلاع اجرى في مارس الماضي. ولكن اذا انقلبت الامور, فإن الرئيس الجديد قد يحصد زوبعة من الشريحات العمالية وتوقف العمل والافلاسات.