يقدم مهاتير محمد في الفصل الأول من كتاب خطة جديدة لآسيا نبذة عن مساوىء الاستعمار وآثار الغزو الياباني لبلاده, ويصف مشاهد الرعب والفوضى والفقر الذي دب القارة الآسيوية نتيجة الصراع المسلح بين اليابانيين والأوروبيين,، ثم ينتقل بسلالة الى مراحل كفاحه الأولى ضد الاستعمار وممارسة العمل السياسي لاستعادة هوية ماليزيا ووضع نهاية لاتحاد الملايو, وبعد الحصول على الاستقلال كيف نجح مهاتير في اقامة دولة واحدة ذات اعراق متعددة, ويتحدث في هذا الفصل عن سفره الى سنغافورة عام 1947 لدراسة الطلب هناك وكيف تعرف على زوجته الحالية (سيتي حشمت محمد علي) في كلية الطب. وفي الفصل الثاني يرصد مهاتير محمد المتغيرات الدراماتيكية التي شهدتها القارة الآسيوية في عقد التسعينات وابرزها سقوط الشيوعية واندلاع ثورة الانترنت والمعلومات, كما تطرق الى معدلات النمو القياسية التي حققتها آسيا في النصف الأول من التسعينات اذ وصل عام 1997 الى 34 في المئة, ثم يعود الى البدايات التي انطلقت معها الاقتصادات الأسيوية منذ عام 1960 الى ان حصلت معجزة النمور الآسيوية وهي المعجزة التي وصفها الخبراء الامريكان والأوروبين (المعجزة الشرق آسيوية) يقول مهاتير محمد: أدى الغزو الياباني في عام 1941 الى تغيير العالم الذي كنا نعيش فيه بالكامل حيث لم يتمكن اليابانيون من طرد البريطانيين فقط بل غيروا نظرتنا نحو العالم خلال تجربة مخيفة للغاية. من منزلنا في ألور سيتار رأينا الجنود البريطانيين يتقهقرون ثم اليابانيين يزحفون صوب المدينة. استمر الحكم الياباني حوالي ثلاث سنوات ولم يكن يخامرني الشك في ان الناس في القارة الآسيوية عانوا الكثير بسبب الحرب وأن الكثيرين منهم قتلوا أو اسروا دون وجه حق. لكن كان لهزيمة الأوروبيين على ايدي اليابانيين بعد سيكولوجي لدى الكثيرين في آسيا وحتى اليوم هنا من بين اليابانيين من يقول بأن احتلالهم لآسيا لم يكن عملا عدوانيا ضد الشعوب الآسيوية بقدر ما كان محاولة لتحريرنا من الحكم الاستعماري الأوروبي. هناك بعض الصدق في هذا الادعاء فقبل الحرب عندما كانت الملايو تحت الحكم الاستعماري البريطاني كانت نظرتنا نحو العالم يشوبها اعتقاد بأننا لا نملك المقدرة على الاستقلال وكنا نعتقد ان الأوروبيين وحدهم هم القادرون على ادارة البلاد وان علينا ان نقبل بتفوقهم. غير ان نجاح اليابانيين اقنعنا بأنه ليس هناك ما يجعل الأوروبيين متفوقين على الدوام اذ ان بالإمكان هزيمتهم. كانت لدي رغبة في الحصول على قدر اكبر من التعليم حتى يتم قبولي كزعيم وبدلا من تكريس كل نشاطي للسياسة قررت السفر الى سنغافورة عام 1947 لأدرس الطب حتى عام 1953 حيث تراجعت نشاطاتي السياسية. مع ذلك ظللت اتابع التطورات في ماليزيا بحرص شديد. وفي هذه الاثناء درست الصحافة بالمراسلة اعتقادا مني بأن الكتابة سوف توفر لي فرصة الحصول على بعض المال. وساهمت بعدد من المقالات في صحيفة (صنداي تايمز) عن الحياة والثقافة الملاوية متناولا حياة الصيادين او المرأة الملاوية ومشاكلها الاجتماعية والسياسية. ولما وفرت بعض المال اشتريت دراجة نارية. اثناء الدراسة الجامعية كنت اتولى تنظيم المجموعات المالوية ليس لاغراض سياسية ولكن لمساعدتهم على تحسين مستواهم الدراسي. سنغافورة كانت ايضا المكان الذي التقيت فيه بزوجتي سيتي حشمة محمد علي حيث كنا ندر في نفس الكلية وقبل انقضاء العام الأول كانت علاقتنا قد توطدت وعلى الرغم من انه لم تكن هناك خطوبة رسمية حتى بعد تخرجنا الا انه ومنذ البداية كنا قد قررنا ان نتزوج. كانت زوجتي قد حصلت على منحة دراسية الى سنغافورة وهي ثاني امرأة ملاوية تدرس الطب في ذلك الوقت حيث كان من غير المألوف في اواخر الاربعينيات ان تحصل اية امرأة ملاوية على دراسات عليا ولكن مثل والدي كان والد زوجتي رجلا منضبطا ومنظما في حياته اذ اصر على ان يحصل اولاده على قدر واف من التعليم. بعد الزواج كان لي ولزوجتي سبعة اطفال ثلاثة منهم بالتبني. طوال سنواتي الماضية اولا عندما عملت طبيبا عاما واخيرا عندما اصبحت زعيما سياسيا ظلت الاسرة هي محور حياتي وانا اؤمن بأن الاسرة هي المرساة التي تقودنا الى بر الأمان وتوفر الاستقرار في خضم الحياة المتلاطم فالاسرة تعطيك ما تتشبث به وملجأ تعود اليه وقت الشدة. واحاول قدر المستطاع تمضية اكبر جزء من وقتي مع اسرتي وحتى اليوم عندما أكون مدعوا لمأدبة غداء فإن شعورا بخيبة الأمل والحسرة ينتابني لعدم تمكني من عدم العودة الى بيتي واسرتي التي هي كل شيء عندي فالحياة الاسرية لدي لها قيمة كبرى وقد سعيت دائما الى نشر القيم العائلية باعتبارها المرتكز الاساسي لسياساتي ومفاهيمي السياسية. كانت سنوات ما بعد الحرب فترة إعادة بناء واضطراب في آسيا كما هو الحال في أوروبا وبدأت الدول التي دمرتها الحرب في اعادة بناء اقتصاداتها المنهارة وأخذت العديد من المستعمرات الآسيوية تشكك في حق الأمم الأوروبية في السيطرة على المنطقة وكنت وأصدقائي نتابع الكفاح من أجل الاستقلال في الدول الآسيوية الاخرى ورأينا ما كان يجري في الهند وباكستان ونقوم بجمع التبرعات لمساعدة الاندونيسيين في كفاحهم ضد الهولنديين وقد تأثرنا بالتطورات السياسية في دول المنطقة والجو مشبع بالحديث عن الاستقلال في تلك الأيام مع إحساس متزايد بالهوية الآسيوية. في الحادي والثلاثين من أغسطس عام 1957 أصبحت ماليزيا أخيراً دولة مستقلة وكنت قد عدت من سنغافورة عام 1953 وتم تعييني طبيباً في المستشفيات الحكومية. وبحكم انتمائي للخدمة المدنية لم يكن مسموحاً لي بالعمل في السياسة وبالتالي كانت مشاركتي هامشية في الأحداث التي أدت الى الاستقلال. كان الحماس طاغياً في أيام الاستقلال الأولى ولكن هذا الشعور سرعان ما تحول الى قلق بشأن الكيفية التي سنحكم بها بلادنا وبدأ الناس يتحدثون عن ضرورة ملء الفراغ الذي أحدثه الاستقلال وأصبحت التنمية الريفية محور اهتمام الزعماء السياسيين. وبعد وقت قصير من الاستقلال قررت التخلي عن وظيفتي الحكومية وان يكون لي عيادتي الخاصة اذ كانت الطريقة الوحيدة التي استطيع بها ان أصبح ناشطاً سياسياً. وافتتحت عيادتي (ماها) في عام 1957 في مدينتي ألور سيتار وكانت واحدة من خمس عيادات خاصة فقط في المدينة والأولى التي يديرها أحد ابناء الملايو. وانغمست في عملي مع اتصالات لاتنقطع ليل نهار وزيارات للمرضى في منازلهم واجراء بعض العمليات الجراحية البسيطة ومع ذلك لم تكن تلك المهنة التي تجعلني من الاثرياء. لم يكن هناك تأمين صحي حكومي. وكانت تكاليف العلاج رخيصة للغاية لاتتعدى ثلاث رنجات للفحص وخمساً اذا تطلب العلاج اعطاء حقن وست رنجات للزيارات المنزلية على ما أذكر. وعندما أعود بالذاكرة الى الوراء أعتقد ان تجربتي العملية كطبيب والسنوات التي قضيتها في المهنة ساعدتني كثيراً اذ أصبحت أكثر قدرة على تشخيص أي وضع يمر علي أذ انني لما كنت طبيباً كان بمقدوري تشخيص الأمراض بسرعة فائقة وعندما يدخل أحد المرضى وهو مصاب بالملاريا أو أي مرض آخر كنت أدرك فوراً العلة التي يشكو منها. هذا التدريب أفادني كثيراً في حياتي السياسية حيث يتعين عليك باستمرار ملاحظة وتحليل ردود افعال الناس ومعرفة ما اذا كنت تسمع الحقيقة أو خلافها, وكنت قد أبلغت مجلة (إيكونومست) في احدى المقابلات الصحفية ان السياسة تصبح مهمة جيدة لمن تلقى تدريباً طبياً فالأطباء يمرون بتجربة الفحص على المريض وتسجيل تاريخه الطبي ثم اجراء اكشف عام وفحوصات مخبرية وأخيراً يتوصلون الى تشخيص المرض. نفس العملية تتكرر في السياسة وعندما أواجه بمشكلة سياسية فان ما أفعله هو المرور عبر ذات الروتين بدراسة كافة جوانب المشكلة بما في ذلك الأبعاد التاريخية وتحليلها بالتفصيل لتحديد الملامح والأعراض ثم بعد ذلك اجراء الفحوصات المخبرية وأخيراً أتوصل الى نتيجة وأقوم بتحديد ما يجب اتخاذه من اجراء لمواجهة الموقف. الميزة الاخرى التي حصلت عليها من ممارسة الطب هي حب الناس والشعور بالمسئولية تجاههم خاصة المحتاجين منهم للمساعدة. فانك تسعى كطبيب لمعرفة أوجاع الناس وكذلك مشاعرهم من حزن وإحباط وفرح وقد أفادني ذلك كثيراً في السنوات اللاحقة. اليوم فإن غالبية السياسيين ربما يبدأون كمحامين ولكن في السابق اثناء الحكم الاستعماري كان العديد منهم أطباء. وكان المستعمرون يعتقدون ان من الأسلم تدريب الطبيب والمحامي الذي لن يجدوا منه سوى المتاعب وكما اتضح لاحقاً فإن العديد من الاطباء أصبحوا شخصيات مشهورة في حركات التحرر في العديد من مناطق العالم. لم يكن اخراج بلدنا من وهدة التخلف والفقر وبناء مجتمع يسوده العدل والازدهار لكافة المجموعات العرقية بالمهمة السهلة لذلك كنت دائما أتحدث بصراحة ووضوح وأجادل زعامة الحزب فيما يتعلق بالخيارات السياسية. في عام 1969 ترشحت للمرة الثانية وأنا أؤمن بأن الملايو الذين يشكلون أكبر المجموعات العرقية في البلاد لم يكونوا سعداء بما جنوه من الاستقلال. فكون بلادهم اصبحت دولة مستقلة لم يغير من طريقة حياتهم باستثناء انه اصبح لديهم زعماء من بني جلدتهم في الحكومة. ولم تكن أحوال الناس العاديين بأفضل مما كانت عليه خلال الحكم الاستعماري اذ ظلوا متخلفين اقتصاديا وتعليميا. وكان عدد الملايو الذين يعملون في الشركات الكبرى التي يمتلكها الاوروبيون وغيرهم لا يتجاوز حفنة اليد فيما ظل الماليزيون الصينيون يسيطرون على الاقتصاد. أعطت الانتخابات التي جرت عام 1969 التحالف الذي كان يقوده حزب أومنو أقلية ضئيلة وفي بعض الولايات لم نتمكن من تشكيل حكومة. وسادت البلاد حالة من عدم الاستقرار والتوتر انتهت بأحداث الشغب الدامية التي وقعت في كوالالمبور في الثالث عشر من مايو عام 1969 . كان أهم درس تعلمناه من العقد المنصرم هو أن التقدم نادرا ما يتخذ مسارا محددا يمكن التنبؤ باتجاهاته. فالتاريخ يقفز ويتغير يطوي أحداثا ويأتي باحداث جديدة. من كان يتوقع سقوط جدار برلين أو انهيار الشيوعية عام 1989 مما كان له وقع المفاجأة على العالم بأسره, من كان يتوقع هذا الأثر الهائل والانتشار الواسع للانترنت أو النمو والتطور الدراماتيكي لاقتصاديات آسيا خلال القرن المنصرم وهو تطور تطلب الكثير من التضحيات؟ اذا رجعنا الى الوراء قليلا ونظرنا الى آسيا في الخمسينات فإنه ما من أحد كان يتوقع أو ينتظر ان تصبح القارة منطقة جذب ونمو اقتصادي من دهر. ان الشرق ربما كان مصدر سحر وفتنة للعديد من الاوروبيين والغربيين ولكن ما من أحد كان يرى ان امكانيات المنطقة سوف تتحول الى قوة اقتصادية مشابهة بهذه السرعة من التخلف الاقتصادي الى مستويات عالية للمعيشة نعم بها مئات الملايين في منتصف التسعينات. ففي عقود قليلة تشكلت في آسيا قاعدة كبيرة من المستهلكين متوسطي الدخل اصبحت تؤثر ليس فقط على الاسواق المحلية بل على العالمية بأسرها. وفي عام 1992 تفوق اقتصاد منطقة شرق آسيا على اقتصاد الكتلة الاوروبية واقتصاد امريكا الشمالية من ناحية القوة الشرائية. وفي مجال النقد الأجنبي كان نفس التفوق سيحدث بحلول عام 2000. وعلى الرغم من ان الاوروبيين كثفوا من جهودهم لاقامة اقتصاد موحد في منتصف الثمانيات ظلت شرق آسيا هي أسرع مناطق العالم تكاملاً. وبفضل تدفق الاستثمارات كانت تجارة شرق آسيا في النصف الاول من التسعينات تنمو بمعدل 20 في المئة سنويا. وبوصول نسبة هذا النمو الى 34 في المئة عام 1996 كان اقتصاد منطقة شرق آسيا اكثر تكاملا من اقتصاد منطقة التجارة الحرة لامريكا الشمالية (نافتا). وعلى العكس من نافتا والاتحاد الاوروبي فان تكامل منطقتنا كان يقف وراءه القطاع الخاص بالكامل. لقد كان هذا التكامل محصلة نهائية لقوة السوق وبمثابة تجربة ناجحة للرأسمالية الحديثة. بحلول أواخر الثمانينات واوائل التسعينيات استطاعت الكثير من دول جنوب شرق آسيا تحقيق مستوى هائل من التقدم لدرجة ان الغربيين المبهورين أطلقوا عليها مصطلح النمور الاقتصادية والتنين. من المستنقع إلى المعجزة آسيا تنهض من سباتها في أوروبا والولايات المتحدة اطلق الخبراء الاقتصاديون ورجال الاعمال والسياسيون على هذه النهضة (المعجزة الشرق آسيوية) وهم يشعرون بالروع والتوجس لدى مراقبتهم هذا التطور والسرعة التي ارتقت بها اقتصادات المنطقة إلى هذه الدرجة من التطور وما يشكله ذلك من خطر حقيقي على فقدانهم لدول اصبحت ذات نفوذ عالمي. شخصياً لم يعجبني تعبير المعجزة الشرق آسيوية هذا لانه يوحي بأن الانجازات التي حققناها حدثت بفضل نوع من السحر او القوى الخفية وليس عبر العمل الشاق والعرق والدم والدموع وعبقرية الشعوب. وعلى كل حال فإن كلمة المعجزة هنا ليست بعيدة كل البعد عن التحول الهائل الذي امكن تحقيقه في عقلية الكثير من شعوب شرق آسيا. وإلى وقت قريب لابد من التذكير بأننا الذين اصبح يشار الينا بصفة التنين والنمور كنا لا نساوي شيئاً ولا حس لنا. وكانت كوريا الجنوبية والصين واندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وتايلاند والفلبين وحتى اليابان ينظر اليها على انها اوراق محروقة لا فائدة منها ومناطق متخلفة سرعان ما سيؤول مصيرها الى مزبلة التاريخ. من الضروري تذكير انفسنا كيف ان القادة في الشرق والغرب على السواء كانوا في الماضي يعقدون ايديهم من اليأس وهم يتوقعون ليس حدوث معجزة اقتصادية آسيوية وإنما مستنقع اقتصادي آسيوي. وتولت اطنان من المعاهدات والاتفاقيات التي تم انتاجها بصورة اساسية في الغرب وفي الولايات المتحدة وتعج بالتفاصيل الانثروبولوجية او التاريخية التي تشرح كيف انه محكوم علينا نحن الآسيويين بالتخلف والركود الاقتصادي بل بما هو أسوأ من ذلك. وحتى اليابان كانت لديها شكوك كبيرة في مستقبل اقتصادها اما اندونيسيا وكوريا الجنوبية فقد اعتبرتا بأنه لا فرق بينهما وبين افقر الدول الافريقية جنوب الصحراء. وتعلم معظم الآسيويين الا يثقوا في انفسهم وساهمت عقود بل قرون من الاستعمار الاوروبي ثم الامريكي في الفلبين في تشكيل شعوب تعتمد على غيرها في كل شىء واعتقد عدد قليل فقط من الآسيويين في مقدرة الدول الآسيوية على ادارة شئونها بنفسها ناهيك عن ان تنافس الشركات العالمية الضخمة في مجال التجارة والاقتصاد. هذا الوهم بالطبع اخترعه وقام بتغذيته الاوروبيون في اوج نفوذهم الامبريالي, وتم تصوير الشعوب الاسيوية بانها اجناس متخلفة وراثياً وان هناك حرفاً ومعارف لا يقدر على اجادتها سوى الأوروبيين. اضافة إلى ذلك فإن هؤلاء الآسيويين التعساء عبارة عن اقوام لا دين لهم وبالتالي لابد من ادخالهم إلى المسيحية بكل السبل الممكنة. وبرر المستعمرون افعالهم بادعائهم بأنهم لا يجلبون فقط التقدم الاقتصادي لهذه المناطق المتخلفة وانما ايضاً يعملون على نشر التحرر والخلاص الروحي. وبمرور الزمن وبعد ان اصبح الحكم الاستعماري هو القاعدة وليس الاستثناء سقطنا نحن الشعوب المستعمرة فريسة الوهم الذي زرع فينا بأن هناك مهارات ومعارف خاصة لا نقدر على اكتسابها واصبحت عقول غالبية الشعوب الآسيوية كعقل الطفل الذي يعتمد على ابويه في كل شيء. اليوم فإنه لامر غريب ان لم يكن شيئاً مسلياً ان نرى الحكومات والمنظمات غير الحكومية الغربية تتولى دور المبشر حاملة راية الدفاع عن حقوق الانسان والحريات وهي التي كانت إلى عهد قريب لا تجاوز الاربعين او الخمسين عاماً لا تعبر ادنى اعتبار او احترام للمساواة في الحقوق. المعجزة ان كان هناك حقيقة معجزة هي ان الشعوب الآسيوية استطاعت ان تتحرر من الوهم وتستعيد ثقتها بنفسها وان تبين لانفسها وللعالم مدى ظلم وخطأ النظريات الاستعمارية. اما نظرية ان بعض المهارات والمعارف تظل حكراً على شعوب دون غيرها فقد سقطت سقوطاً شنيعاً اذا اخذنا التجربة اليابانية بالاعتبار اذ ان اليابان لم تخضع في تاريخها لاي حكم استعماري ـ ان بامكان اي شخص الحصول على المهارات والمعارف التي يريدها شريطة ان يجتهد في ذلك. وهذا من اعظم الدروس التي امكن تعلمها من النهضة الآسيوية التي انطلقت من وهدة التخلف إلى الازدهار الاقتصادي, في منتصف التسعينيات كان هناك بالطبع الكثير من الشعوب الآسيوية تعاني الفقر ولا يزال هناك الكثير من العمل الذي يجب انجازه غير ان حاجز الوهم وعقدة الدونية قد تم كسرهما. لقد كانت ماليزيا محظوظة في عدم الحصول على كميات كبيرة من الدعم الخارجي. لقد اتت الينا كتائب السلام الامريكية لتدريب السكان على مختلف المهارات واستفدنا من البرامج التي توفر منحاً دراسية في الخارج للنابغين من طلابنا ولكننا لم نعتمد ابداً على القروض والمنح الهائلة من الحكومات الاجنبية. ومنذ سنوات الاستقلال الاولى استطعنا ان نعيش بل وان نحقق درجة من الازدهار, اعتماداً على اقتصادنا المحلي, لقد كان لدينا صناعة المطاط والصفيح واقتصاد محلي منتعش نوعاً ما يسيطر عليه بالكامل الماليزيون من اصل صيني. ولم يكن بمقدور الغربيين ان يستوعبوا كيف اصبح بإمكاننا الاعتماد على انفسنا بدلاً من الآخرين. واتذكر جيداً في الستينيات عندما سألني احد الامريكيين عن الجهة التي قامت بتمويل مجمع للمكاتب في كوالالمبور وعندما أجبته بأننا شيدنا المبنى بمواردنا الذاتية بدت عليه علامات الدهشة اذ انه كان يتصور ان اي شىء ذي قيمة يقام في مكان مثل كوالالمبور لابد وان يكون قدتم تمويله بواسطة جهات خارجية. لم تكن القوة المحركة الحقيقية للمعجزة الاقتصادية الآسيوية هي الدعم الخارجي غير ان الاستثمارات الخارجية المباشرة لعبت فعلاً دوراً حاسماً. وقد رحبت ماليزيا والدول الآسيوية الاخرى بالمؤسسات والشركات الاجنبية التي ترغب في الاستثمار في بلداننا ومن جانبنا قدمنا حوافز ضريبية واستطاعت الشركات الاجنبية ان تعمل بتكلفة اقل كثيراً عما هي عليه في دولها. وفي ماليزيا كانت الشركات اليابانية هي السباقة حيث وفدت إلى البلاد بالعشرات واقامت مصانع وفتحت مكاتب لمقارها الرئيسية في شرق آسيا. واليوم فإن الناتج الاقتصادي للشركات اليابانية في ماليزيا يشكل جزءاً مهماً من صافي الناتج القومي او ما يعادل 33 في المئة. لقد ظل اليابانيون يتعرضون للانتقاد بأنهم لا يريدون نقل التقنيات المهمة إلى الدول الآسيوية الاخرى ويقول الخبراء الاقتصاديون الغربيون ان اليابانيين ينقلون فقط التقنيات البسيطة ويحتفظون لانفسهم بالاسرار المهمة. ربما كان ذلك صحيحاً ولكن من المؤكد ان اليابان قامت بنقل تقنية اكبر كثيراً في حجمها إلى الدول الآسيوية من تلك التي نقلتها اية دولة غربية. ولم يكن باستطاعة صناعة السيارات وبناء السفن في العديد من الدول الآسيوية ان تحقق النمو السريع الذي وصلت اليه لولا مساعدة الشركات اليابانية. لا يمكن للاستثمارات الاجنبية سواء كانت يابانية او اوروبية أو أمريكية وحدها ان تكون هي التي تقف وراء النمو الهائل لاقتصادات آسيا وفي حالة ماليزيا فإن خليطاً من السياسات الاقتصادية الناجحة وادخال تغييرات ثقافية بعينها فيما يتعلق بالعمل والانجاز الاقتصادي هو الذي ادى في النهاية إلى وضع البلاد على الطريق الصحيح للتطور الاقتصادي.