يتناول مهاتير محمد في مقدمة كتابه أبعاد الازمة التي ضربت ماليزيا ودمرت اقتصادات دول وجنوب شرق آسيا ويؤكد انها جاءت نتيجة لجشع تجار العملة الذين يحركهم النظام الاقتصادي الذي افرزه الاستعمار الاقتصادي الجديد. ويقول رئيس وزراء ماليزيا إن: الجشع والطمع الذي لا حدود لهما والجري وراء الكسب المادي تسبب في افقار القارة الآسيوية. فجأة وجدت منطقة بأكملها كانت تفتخر بانجازاتها الاقتصادية والتي كانت موضع اشادة من دول العالم, نفسها تتعرض لهجوم تجار العملة والمضاربين في الاسواق المالية. واخذت العملات والدول تتساقط واحدة تلو الاخرى تحت معول ما يسمى بقوى السوق الحر وتبخرت بين ليلة وضحاها حالة الرخاء الاقتصادي التي كانت تتهم بها آسيا وتدهورت مستويات المعيشة التي تم تحقيقها عبر عقود من العمل الشاق وانهارت معظم اقتصاديات دول شرق وجنوب شرق آسيا. كذلك انهارت اسواق الاسهم محدثة نتائج وخيمة وافلست الشركات التي كانت الى وقت قريب مزدهرة ورابحة وتوقفت مشروعات البناء والشييد ولم تجد المكاتب والمساكن التي كان قد اكتمل بناؤها من يستأجرها او يسكنها مما تسبب في خسائر مالية كبيرة لاصحاب تلك المشروعات وادخلتهم في ديون مرهقة وفقد آلاف العمال وظائفهم واصبحوا عاطلين بحيث صارت مسألة البطالة تشكل مشكلة حقيقية في العديد من دول المنطقة لأول مرة منذ سنوات طويلة. وصل الامر الى انه في بعض الدول صار شبح المجاعة والاضطرابات يشكل هاجسا حقيقيا يهدد استقرار المجتمع. لماذا حدث كل ذلك ولماذا سمح له ان يحدث؟ لماذا قرر تجار العملة فجأة تخفيض عملاتنا الوطنية؟ كيف فقد العالم الثقة في اسيا فجأة ودون مقدمات؟ كيف يسمح لطمع قلة من الناس ان يوصل الملايين الى حافة الفقر والجوع وفقدان الأمل؟ هناك العديد من الاسئلة التي تبحث عن اجوبة مناسبة. وأنا في هذا الكتاب لا ادعي انني اقوم بتوفير كل الاجابة ولكنني اعرض وجهة نظري بشأن الوضع في آسيا منذ ازمة العملة التي بدأت في تايلاند في يوليو عام 1997 واحاول النظر الى ابعد مما يوجد على السطح ومناقشة القوى والعوامل التي تقف وراء ذلك. وبصفتي رئيسا للوزراء في ماليزيا التي كانت احدى الدول الرئيسية المستهدفة من هجوم تجار العملة فقد كنت شاهد عيان على الذي حدث من تدمير وخراب انتشر عبر المنطقة. كانت ماليزيا تسجل نموا اقتصاديا بنسبة 8 في المئة سنويا قبل ازمة العملة وكان الماليزيون يعملون بجد واجتهاد لايجاد مستقبل افضل وكانت ماليزيا تخطط لأن تنضم الى قائمة الدول المتطورة بحلول عام 2020 وحتى صيف 1997 كنا نسير وفق الخطة المرسومة بل وبخطوات اسرع مما كان متوقعا. ولكن القوى الخارجية سرقت هذا الحلم وسلبت الشعب الماليزي مستقبله وحولت الأمل والفرحة الى يأس واحباط. على عكس الصورة التي يحاول البعض اظهاري بها, فانني أؤمن بالعولمة وتحرير التجارة وإزالة الحواجز والقوانين التي تعيق الانتقال الحر للتجارة وتدفق رأس المال عبر الحدود. ولكن التحرير وازالة القوانين المقيدة لا يجب بأي حال ان يؤدي الى تعرض العالم للفوضى. واذا كان التحرير وسياسة السوق المفتوح تحقق النمو الاقتصادي ورفع مستوى معيشة الناس فلا بد من وجود قوانين منظمة يجب على الجميع التقيد بها وبدون هذه القوانين فإن الاقوى والفاسد هو الذي سوف يتسيد العالم. هل هذا هو الذي تسعى الدول لتحقيقه؟ هل هذا هو الذي تهدف اليه الدول الغربية التي اوجدت هذا النظام العالمي وتستمر في الاشادة به. الوقت ليس وقت تأنيب ولكن يجب حداسة الكيفية التي يعمل بها النظام الاقتصادي. غير انني لا ارى مثل هذا النقاش في صحافة الغرب فهي تكتب عن حركة ونشاط الأسواق المالية والعملات وكأنها نصوص منزلة. ولا احد يعترض على حق تجار العملة والمضاربين في اللعب بمصائر شعوب وأمم بأكملها في سعيهم لجمع ارباح أكبر. لقد حان الوقت للنظر الى المستقبل والحركة الى الأمام. ان الازمة التي تعرضت لها آسيا تسببت في التهاب المشاعر وفي بعض الاحيان تحريك الشعور بالعداء نحو الغرب, والناس لهم الحق في ان يخافوا من حدوث نوع جديد من الاستعمار الاقتصادي في وقت تسعى فيه الشركات الأجنبية والمستثمرون الأجانب الى شراء الشركات والأسهم الآسيوية. ان الحسد والكراهية مغروسة في أفئدة الناس وربما استغرق الأمر وقتاً طويلاً قبل ان تخمد هذه المشاعر. ولكن لابد لنا من المحاولة والتركيز على المستقبل, فلابد من اعادة بناء آسيا وبعثها من جديد وهذه المرة على أسس أقوى مما كانت عليه في السابق, يجب ان نسعى جاهدين لاعادة القيمة الحقيقية لأسواقنا وايضاًالثقة لأنفسنا ولشعوبنا ولابد لنا كذلك من العمل للتخلص من اي فساد أو محاباة ربما تعيق هذا الجهد ولكي نحقق ذلك لابد لنا من العمل الجماعي والاحتياط للمستقبل فذات القوى مازالت تتربص بالآسيويين. العالم ــ رؤية آسيوية في الفصل الأول من الكتاب وهو بعنوان (العالم ــ رؤية آسيوية) يتحدث مهاتير محمد عن التحولات الجذرية التي شهدتها القارة الآسيوية بعد انتهاء الحرب الفيتنامية بهزيمة القوات الأمريكية. ثم يرجع الى الوراء طويلاً ليتناول سيرته الأولى اي منذ ولادته عام 1925 في مدينة (ألور سيتار) شمال غرب الملايو, وكيف تعلم القرآن الكريم والعلوم الاسلامية في صغره وخصص مهاتير محمد الفصل الأول من الكتاب للممارسات الاستعمارية الأوروبية لدول جنوب وشرق آسيا. ويقول: كان 1999 عامي التاسع عشر كرئيس لوزراء ماليزيا, فاذا أضفت السنوات التي تلت عام 1976 عندما أصبحت نائب رئيس الوزراء لهذا الرصيد استطيع ان أقول إنه أصبح لي الان شرف تحمل مسئولية ادارة البلاد والبقاء في السلطة. خلال هذه الفترة شهد العالم وكذلك آسيا تحولات رئيسية. في عام 1976 كانت حرب فيتنام قد وصلت الى نهايتها ومعظم ما كان يعرف بالهند الصينية كان في حالة غليان وعدم إستقرار. كان الخطر الشيوعي يتهدد المنطقة كما ان غالبية الدول الآسيوية كانت فقيرة تعتمد على الزراعة بالكامل تقريباً. لكن خلال السنوات العشرين التالية أصبحت منطقة شرق آسيا مصدر قوة اقتصادية هائلة تهدد الهيمنة الغربية على العالم. وأصبح هذا النمو الاقتصادي يعرف بتعبير (المعجزة الآسيوية) واستعاد الآسيويون ثقتهم بأنفسهم, وبدأ الاقتصاديون والمحللون يتحدثون عن إمكانية ان يصبح القرن العشرون هو القرن الآسيوي. وتدريجياً بدأت هذه الاحلام تداعب خيال العديد من الآسيويين. وكنت واحداً من كثيرين في هذه الدراما وصارت وسائل الاعلام الغربية تطلق علي في بعض الأحيان صفة المتحدث باسم آسيا وصوتها على الرغم من ان ذلك لم يكن الدور الذي اخترته لنفسي. في بعض الأحيان تنتقدني الصحافة الغربية وتصفني بالعجرفة عندما أقول ان القيم والمبادىء الآسيوية لاتقل عن الغربية. وظلت هذه الصفات تتحول من اتجاه لآخر. قبيل عام 1997 وصفتني مجلة (تايم) الأمريكية (بشيخ المخططين) وفي أعقاب الازمة المالية التي تعرضت لها الدول الآسيوية أصبحت فجأة (الرجل الغاضب). وفي مرات كثيرة نعتوني بالحاكم الاستبدادي وحتى الديكتاتور على الرغم من أنه كان علي ان أبذل جهداً شاقاً لكي أفوز في انتخابات ديمقراطية. وعندما لايتم التقيد بالتعريفات الغربية للديمقراطية وحقوق الانسان كما يريد الغرب فإن العديد من الزعماء الآسيويين وأنا منهم حاولنا ان نجاري اللعبة الرأسمالية الغربية وعلى الرغم من ذلك فقد عانت اقتصاديات آسيا النامية بشدة من الازمة المالية التي شهدتها المنطقة منذ منتصف عام 1997. هناك حقيقة لابد من استيعابها وهي ان القارة الآسيوية لايمكن اعادة تشكيلها حسب ما يتصور الغرب لأنها ــ أي آسيا ــ ليست كياناً متجانساً كما تحاول محطة تلفزيون سي.إن.إن أو مجلة (نيوزويك) ان تصوره. فالثقافات واللغات والهويات والأعراق هي أكثر إختلافاً مما هو الحال بين أمريكا وأوروبا. وكل دولة آسيوية لابد وان تترك لشأنها لتتطور على مراحل ووفقاً لأهداف ورؤى مستقبلية مختلفة. وقد علمتني تجربتي الشخصية ان لكل دولة آسيوية الحق في ان تطور نفسها حسب القالب الذي ترتضيه استناداً الى تاريخها وهويتها المتميزة. وعندما عادت مستعمرة ماكاو الى السيادة الصينية بتاريخ العشرين من ديسمبر عام 1999 فإن 500 عام من الاستعمار والسيطرة الأوروبية وصلت الى نهايتها. ان عودة آخر معقل استعماري تمثل رمزاً هاماً لبداية عصر جديد. ولم تكن الدول الآسيوية لتحرر نفسها من السيطرة الأوروبية ولاحقاً اليابانية لترهن حريتها الاقتصادية لدى السادة الجدد للرأسمالية التي لاتعرف حدوداً جغرافية. ولابد لكل دولة آسيوية ان يكون لها الحق وان تتمتع بكامل الفرصة لاختيار طريق التنمية والتقدم الذي ترتضيه والطريقة التي ترغب بها في المشاركة في اللعبة الاقتصادية العالمية. وبالرجوع الى الوراء قليلاً ليس فقط بالنظر الى السنوات التي قضيتها في الحكم وانما أيضاً البيئة التي نشأت وعشت فيها لأرى العصر الآسيوي وقد بزغ فجره فإنني أدرك ان هناك الكثير الذي يمكن ان نتعلمه من التاريخ ونحن اذ نقف الان ساعين لبناء آسيا قوية دعونا لاننسى دروس الماضي. فالمسيرة الطويلة التي اتسمت بكل ما هو مثير والتي قطعتها الشعوب والأمم الآسيوية في القرن العشرين لابد وأن تقود الى قرن جديد ليس هو قرن السيطرة الآسيوية وإنما الازدهار الحقيقي والتعايش في هذا العالم. سنواتي الأولى والدور البريطاني ولدت عام 1925 في مدينة ألورسيتار في شمال غرب الملايو كما كانت ماليزيا تعرف وقتها, وكنت الأصغر من بين عشرة أطفال. أسرتي كانت تنتمي الى السلم الادنى من الطبقة المتوسطة وكنا نعيش فيما يطلق عليه اليوم الاحياء الفقيرة. والدي كان يعمل مدرساً وعمل لاحقاً في وظيفة محاسب حكومي وبذل جهداً في تنشئة أسرته تنشئة دينية صارمة يسودها النظام والميل نحو التعليم وطلب المعرفة. لقد كنت محظوظاً اذ حصلت على قدر جيد من التعليم. درست في البداية باللغة الملاوية ولاحقاً في مدارس تعتمد اللغة الانجليزية فقط في المدن. وكان والدي يدفع تكاليف الدراسة التي لاتزيد على ثلاثة رنجات شهرياً. ولما كانت والدتي تلقت تعليماً دينياً فقد علمتني القرآن الكريم كما كان لدي مدرس يأتي الى منزلنا كل يوم ليعلمني كيف أقرأ القرآن ويلقي علي دروساً في العلوم الاسلامية على اختلافها. وعلى الرغم من ان أسرتنا لم تكن متشددة دينياً فقد كنا متمسكين جداً بالدين الاسلامي. وقد وفر لي كل ذلك بداية جيدة في حياتي العملية حيث كنت أحظى بأسرة قوية متماسكة وتعليم جيد وخلفية دينية راسخة. وكان النفوذ الاكبر الذي اثر على حياتي الاولى مصدره والدي دون شك فقد كان شديد الالتزام بالنظام وكان يريد من اطفاله ان يقوموا بنشاطات في اوقات محددة حيث كانت هناك اوقات للدراسة واوقات للعب. وقد علمني والدي وكذلك اخوتي معارف كثيرة خاصة الرياضيات التي كان مغرماً بها. كنت اتعامل مع كل ذلك كأمر مسلم به وكنت ارى ان الطفل لابد وان يطيع والديه. وعلى الرغم من ان والدي لم يكن يتحدث اطلاقاً عن السياسة او مستقبل الامة الا انه ظل يجوب البلاد دون كلل او ملل ليعلم الشعب الملاوي. وارسلته الحكومة إلى مناطق نائية ليفتح مدارس فيها وعاش وعمل في عدة ولايات قبل ان يستقر في الورسيتار بولاية كيداه. وقد كان يختلف عن الآخرين في هذا المجال حيث ان معظم الملاويين لم يكونوا يرغبون في مغادرة قراهم او مدنهم ولكن والدي كان على استعداد لأن ينتقل إلى مناطق نائية لم يكن من اليسير الوصول إلى بسبل المواصلات المعتادة, لنشر التعليم في اوساط الناس. وعندما استرجع اليوم ذكريات الطفولة ادرك ان اسلوبه المنظم في الحياة واصراره يمثل درساً عظيماً لي ولاخوتي واخواتي. لم تكن لدي طموحات كبيرة في فترة المراهقة وعندما كنت في المرحلة الثانوية كنت اعتقد ان اعظم انجاز يمكن ان اقوم به هو الالتحاق بالخدمة المدنية للدولة ولكنني لم اعتقد قط ان ذلك سيكون ممكناً. لم تكن لنا صلات بالاسرة المالكة كما لم نكن ننتمي إلى الاسر المشهورة في الدولة. الاسر الغنية كانت تعيش في الجزء الشمالي في المدينة بينما كنا نحن في الجزء الجنوبي اما الاوروبيون فقد كانوا بالطبع يقيمون في مناطق خاصة بهم وكانوا يعيشون حياة منفصلة ولهم انديتهم وملاعب الجولف الخاصة بهم ولم يكونوا يختلطون بالسكان المحليين. كانت شبه الجزيرة المالاوية في ذلك الوقت اي قبل الحرب العالمية الثانية تحت الحكم البريطاني مقسمة إلى عدة ولايات ولكل منها معاهدة خاصة مع البريطانيين وكان يقال ان تلك المعاهدات هي للحماية وليس الاستعمار. وكمحمية بريطانية كنا نتمتع بدرجة من الاستقلال فيما يتعلق بالادارة المحلية بينما ظلت الشئون الخارجية والدفاع تحت السيطرة البريطانية على الرغم من انهم كانوا يتدخلون حتى في الشئون المحلية. لم يكن البريطانيون يتسمون بالنزعة القمعية الشديدة اذ كان بمقدورهم ان بستعمرونا بالكامل منذ البداية ولكنهم فضلوا ان يخلقوا صورة من الحماية. وعلى الرغم من انهم كانوا يسيطرون على الادارة بالكامل الا انهم استطاعوا ان يعطوا الانطباع بأن السكان المحليين يتمتعون بسلطات ووضع خاص بهم كان يطلق على السلاطين لقب الحكام من قبل البريطانيين على الرغم من انهم لم يتمتعوا بصلاحيات الحكم. لم يرسل البريطانيون حاكماً على بلادنا ولكن كان لهم ما اطلقوا عليه صفة المستشار. وعلى ارض الواقع كان لابد لاستشارتهم هذه ان تلقي السمع والطاعة الكاملتين. فقد كانوا اذكياء للغاية هذا النوع من الحكم شبه الاستعماري حيث كانوا يسمون الاشياء باسماء معينة ولكنهم في الواقع يتصرفون على العكس من ذلك. وما حصلنا عليه منهم فعلاً تمثل في نظام اداري جيد وبنية تحتية لا بأس بها وتركة سيكولوجية الاعتقاد بأن الاوروبيين يمكن ان يحكموا بلادنا بفعالية. كانت آسيا في ذلك الوقت تخضع في معظمها للسيطرة الاوروبية, الهند وبورما وسنغافورة وهونج كونج تحت الحكم البريطاني واندونيسيا تحت الحكم الهولندي وفيتنام وكمبوديا ولاوس تحت السيطرة الفرنسية مما ولد عقدة بغض تجاه المستعمرين الاوروبيين ولم نكن نحن ننظر إلى الاستقلال كخيار قابل للتحقيق. كانت القارة منطقة بدون كرامة وثقة في النفس واقتصادياتنا مصممة بحيث تخدم الحاجة الاوروبية للمواد الخام والموارد الطبيعية.