تشير التطورات الأخيرة في الاقتصاد العالمي الى ان الالفية الجديدة هي مرحلة يكون فيها كبر الحجم مرادفا للقوة والتوسع والبقاء. وعلى مستوى الدول, يبدو ان السياسة الدولية ومباحثات التجارة والهيمنة الاقتصادية ستكون تحت سيطرة الدول الكبيرة ووفق اهوائها. وتمثل هذه الحقائق قضايا خطيرة للسياسة الاقتصادية في الدول الصغيرة في ضوء الذوبان المتسارع للعالم في بوتقة العولمة. ترى ما هي مصادر القلق الاساسية للدول الصغيرة وهي تحاول مواصلة مجهوداتها للتنمية الاقتصادية في اقتصاد العولمة الموحد؟ هل هناك اية خطوات محددة تستطيع ان تتخذ كسياسة لتحسين وضعها في الاقتصاد العالمي الجديد؟ فيما يلي محاولة من خلال دراسة لبنك دبي الوطني للتعرض للقضايا التي تثيرها هذه التساؤلات من خلال تركيز التحليل على دول مجلس التعاون. وحيث ان اقتصادات دول مجلس التعاون تتماثل في العديد من الخصائص العامة. فإن البحث سيكون مفيدا جدا في اشتقاق بعض الاهداف للسياسة الاقتصادية على المستوى الاقليمي. ما هو الاقتصاد الصغير؟ لأن الحجم مفهوم نسبي, فإنه لا يوجد تعريف موحد متعارف عليه عالميا للاقتصاد الصغير. ولكن يعتبر معيار حجم السكان هو الأكثر استخداما بين المعايير المختلفة في الدراسات التي اجريت. وقد استخدمت الدراسات الحديثة حجم السكان 1 ــ 5 ملايين نسمة لتعريف الاقتصاد الصغير. واخذا بعين الاعتبار التواجد الكبير لغير المواطنين, وباستثناء المملكة العربية السعودية, يعتبر هذا التعريف منطبقا على معظم دول مجلس التعاون. التحديات الاقتصادية المحتملة تعتبر الخصائص التالية ذات دلالات مهمة للدول الصغيرة وتشارك فيها معظم دول مجلس التعاون. تذبذب الدخل يعاني القاطنون في الدول الصغيرة عادة من تذبذب كبير في دخولهم يفوق تذبذب دخول الذين يعيشون في الدول الكبيرة. وتعتبر ثلاثة مسببات هي المسئولة عن عدم استقرار الدخول هذا: ان الدول الصغيرة اكثر عرضة للتقلبات الحادثة في اسعار الاسواق العالمية لأن نصيبا كبيرا من النشاط الاقتصادي المحلي يتركز في الصادرات والواردات عما هو عليه في الاقتصادات الكبيرة, وتتصف الدول الصغيرة وفق طبيعتها بانتاج وصادرات غير متنوعة نسبيا, وعلى وجه العموم, تعتبر اقتصادات الدول الصغيرة اكثر ميلا للتأثير بالاضطرابات والنزاعات السياسية الاقليمية وأكثر عرضة للهزات الاقتصادية والأزمات المالية. الانفتاح: تنتج معظم الدول الصغيرة (وتصدر ايضا) عددا محدودا نسبيا من السلع والخدمات, ولكنها تستهلك انواعا كثيرة منها (من خلال الواردات), الأمر الذي يجعل نصيب التجارة في الناتج الملحي عاليا جدا في هذه الدول. وبما ان الصادرات والواردات تمثل نسبة عالية من النشاط الاقتصادي المحلي, فإن اية اضطرابات ضئيلة في الاسواق العالمية يمكن ان يكون لها بالغ الاثر على اقتصاداتها. ومازالت الصادرات النفطية في دول مجلس التعاون تسيطر على الهيكل الانتاجي لاقتصاداتها, ونتيجة لذلك فإن الموارد الحكومية والنشاط الاقتصادي للقطاع العام يتحددان تبعا لذلك. محدودية التنويع: ان الحجم الصغير يحد من الفرص المتاحة للتنويع وتشجيع الكفاءة من خلال المنافسة المحلية. وقد تم احلال الدخل المتولد من انتاج النفط في دول مجلس التعاون بانشطة من قطاع الخدمات, مثل السياحة والعقارات والخدمات المصرفية. وتشير الشواهد بشكل عام الى ان الانخفاض في احد الانشطة المسيطرة يدل على احلاله عادة بنشاط مسيطر آخر وذلك بدلا من الاتجاه الى اقتصاد اكثر تنوعا. العرضة للتهديدات البيئية: تشكل التنمية والتطورات العالمية تحديات بيئىة اساسية للدول الصغيرة, الأمر الذي تزداد خطورته مع هشاشة المحيط البيئي الحي في بعض منها. إن وقوع معظم دول المجلس على الخطوط الساحلية للخليج العربي يزيد من احتمالات تعرضها للكوارث والحوادث البيئية. الوصول المحدود لرأس المال الخارجي: تعتبر الكثير من الدول الصغيرة محدودة في قدرتها على الحصول على القروض التجارية. وحتى الدول التي يكون فيها مستوى المديونية الخارجية منخفضا نسبيا تجد ايضا صعوبة في الاقتراض. وتشير الدلائل الى ان ارتفاع تكاليف تجميع المعلومات وقضايا درجة الخطورة المالية للدولة كثيرا ما تؤدي الى ارتفاع اسعار الفائدة على القروض التي تحصل عليها الدول الصغيرة. بالاضافة الى ذلك, تنظر مؤسسات التقييم المالي والأسواق المالية الخاصة بأهمية شديدة الى مدى تذبذب دخول الدول الصغيرة وعرضتها للهزات الخارجية. ان جميع هذه الاثار تجعل من اندماج الدول الصغيرة في الاسواق المالية العالمية اكثر كلفة واضيق نطاقا. وعلى الرغم من ان هذا لا ينطبق على دول مجلس التعاون, الا ان انخفاض الاحتياطيات النفطية والطبيعة الدائمة لتذبذب اسعار النفط قد يجعل امكانية وصولها لاسواق رأس المال اكثر صعوبة في المستقبل. وتظهر دراسات تدفقات الاستثمار الاجنبي المباشر على مدى العقدين الماضيين بأنه حتى في الحالات التي كانت الدول الصغيرة تطبق سياسات اقتصادية ملائمة وتمتلك مؤشرات جيدة في تنمية الثروة البشرية فإنه كان يتم تقييمها وترتيبها على انها اكثر خطورة (28% اكثر من الدول الكبيرة). محدودية الطاقة المؤسسية وهذه المحدودية موجودة في الدول الصغيرة في القطاع العام والقطاع الخاص كليهما. طاقة القطاع العام: يتطلب توفير السلع والخدمات العامة الكثير من المؤسسات التي تتميز بضخامة الاستثمارات الرأسمالية فيها. ونظرآً لهذه المتطلبات فإن الخدمات الاساسية في الدول الصغيرة يكون توفيرها عادة مجزأ. وذو تكلفة عالية للوحدة, وبكفاءة متدنية. ويصعب الحصول عليها. زيادة على ذلك, اذا ما حاولت الدول الصغيرة تقييد حجم القطاع العام في حدود معقولة ومقبولة. فإن ذلك يترتب عليه تنوع اهتمامات المؤسسات الوزارية فيها وسلطاتها. ويؤدي ذلك إلى تدخلها في العديد من القطاعات مما يضع اعباء ثقيلة على طاقات الوزارات الادارية والبشرية. اما على مستوى الاقتصاد العالمي, فإن عدم كفاية الطاقة المؤسسية في الدول الصغيرة تعني عدم قدرتها على المشاركة بشكل فعال وتام في مباحثات التجارة العالمية والنظام المالي الدولي. وهذا امر له بالغ الاثر على اقتصاداتها. طاقة القطاع الخاص ان معظم الشركات في الدول الصغيرة تعتبر صغيرة بسبب محدودية الاسواق المحلية ولا تستفيد الشركات الصغيرة من اقتصاديات الحجم (تعمل بمستوى عال من التكلفة). ولا تكون جاذبة لشراكة الآخرين, ولا يمكنها الانفاق بشكل جدي على التسويق والابحاث وتطوير المنتجات. علاوة على ذلك عادة ما تكون الشركات الصغيرة في الدول الصغيرة تمارس اعمالها في السوق المحلية بشكل احتكاري ولا تشجع المنافسة. وبالتالي لا تحفز على الابداع والابتكار. توصيات للسياسة الاقتصادية: على الرغم من ان التحديات التي تم ايضاحها انفا لا تغطي جميع المحدوديات والقيود التي تواجه الدول الصغيرة في الاقتصاد العالمي, الا انها تشكل لائحة للقضايا الهامة التي يتوجب على دول المجلس التصدي لها لتحسين موقعها ودورها في الاقتصاد الدولي. ان تقليل تذبذب الدخل وخفض المخاطر التي يمكن ان تواجهها دول المجلس يعتبر امراً ضرورياً لرفع مستوى معيشة سكانها ورفاهيتهم. وعلى الرغم من ان منظمة اوبك استطاعت ان تحد من انخفاض وتدهور سعر المنتج السلعي الرئيسي لصادرات دول المجلس (النفط), الا ان هناك تدابير اخرى لتنويع مصادر الدخل والتسعير يجب التعرف عليها وبحث امكانية تطبيقها للتقليل من تذبذب الدخل. ان سياسات الادارة الاقتصادية الجيدة ستكون مطلوبة اكثر مما سبق لتحقيق تنمية اقتصادية ناجحة في دول مجلس التعاون. فالسياسات التي تحقق الاستقرار الاقتصادي الكلي يجب ان ترفد بسياسات هيكلية واجتماعية جيدة وملائمة يمكنها ان توفر الاساس للنمو والتحول الناجح لاقتصادات هذه الدول. يجب على دول مجلس التعاون ان تنظر بجدية إلى موضوعات التعاون والتكامل الاقتصادي الاقليمي (على سبيل المثال: السوق المشتركة والوحدة الاقتصادية وغيرها) من اجل تحسين وضعها وموقعها في الاقتصاد العالمي. اذ من المتوقع ان يؤدي ذلك إلى تحسين كبير في موقعها التجاري وان يساهم في حل مشكلة محدودية الاسواق الصغيرة وظاهرة الصناعات المتشابهة. تحتاج دول المجلس إلى التعاون فيما بينها لتقليل خطر استنفاد الموارد والتدهور البيئى لضمان تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة. لذا يجب ان يتم تطوير مؤشرات بيئية يمكن من خلالها استشراف المشاكل قبل وقوعها او في مراحلها الاولى واتخاذ تدابير حمائية لمنع حدوثها او انتشار ها. ويتوجب اعطاء مياه الخليج العربي اهمية خاصة من الناحية البيئية. هناك ضرورة لدمج اقتصادات دول المجلس بشكل اعمق مع الاسواق العالمية وذلك من خلال تطوير التشريعات المحلية لتقليل نسبة عدم التأكد وخفض تكلفة الحصول على المعلومات من قبل الوحدات الاقتصادية والمستثمرين العالميين الذين يراقبون مستويات الاداء.
التكامل الاقتصادي يعزز قدرة الاقتصادات الخليجية على مواجهة تحديات العولمة, ضرورة لاندماج أعمق مع الأسواق العالمية بتطوير التشريعات المحلية
