أكد تقرير حديث لبنك دبي الوطني ان أحد أكثر الموضوعات اثارة للجدل في التجارة العالمية اليوم هي فكرة وضع معايير عولمية للعمل, ومنذ فشل الاجتماع الأخير لمنظمة التجارة الدولية في سياتل في ديسمبر ,1999، عكفت منظمات اخرى على العمل بجدية لدفع هذه القضية وتصعيدها تمهيداً للجولة التالية من مباحثات منظمة التجارة الدولية, والتي سميت (بجولة التنمية) وقد ادى الجدال حول معايير العمل الى تقسيم الدول الاعضاء في منظمة التجارة الدولية الى مجموعتين: الدول المتقدمة والدول النامية, وقد عظمت الدول المتقدمة, تحت قيادة الولايات المتحدة, من اهمية قضية تطوير معايير أساسية للعمل وتطبيقها. بيد ان الدول النامية ترفض هذه القضية بالاجماع من خلال اهتمامات عديدة ترتبط بطبيعة اقتصاداتها والخوف من ممارسات الحماية ضد التجارة الدولية, وتقع دول مجلس التعاون الخليجي ضمن هذه الفئة من الدول المهتمة كثيراً بهذه القضية, وفيما يلي سنحاول ان نحدد الخصائص الرئيسية والاهتمامات المحيطة بهذه القضية وان نبين آثارها على أسواق العمل في دول مجلس التعاون. وذكر التقرير ان مؤسسات صنع القرار قامت خلال التسعينيات في منظمة العمل الدولية ومنظمة التجارة الدولية اثناء اجتماعات وضع جدول الاعمال بمناقشات مستفيضة حول مدى امكانية وكيفية تعامل سياسات التجارة مع قضايا معايير العمل, ويرجع الجدال حول هذا الموضوع في منظمة التجارة الدولية الى الاجتماع الوزاري لسنة 1986 وسنة ,1994 حيث شكلت مجموعة لدراسة الموضوع في منظمة العمل الدولية في 1994 ومناقشة الابعاد الاجتماعية لتحرير التجارة الدولية, وقد تداولت المجموعة كيفية حماية المعايير الأساسية للعمل ودعم تطبيقها في اقتصادات العولمة التي كثيرا ما تؤدي قوى السوق فيها الى تدهور حقوق العمل. وتشمل المعايير الاساسية للعمل ومنع استخدام عمالة الاطفال والعمالة القهرية, ومنع ممارسات التفرقة, ويبدو انه بعد الجهود التي قامت بها مجموعات دراسة القضية في منظمة العمل الدولية والمنظمات الاخرى فان موضوع معايير العمل بدأ يصبح أكثر أهمية وهناك استعجال لتنفيذه من خلال ما حدث في الاجتماعين الوزاريين الاخيرين لمنظمة التجارة الدولية في سنغافورة 1996 وسياتل 1999. وقد دعا المقترح الأمريكي في اجتماع سياتل الى تشكيل فريق عمل لدراسة موضوعات محددة مثل العلاقة بين التجارة والمعايير الاساسية للعمل والحماية الاجتماعية, ووضع محفزات ايجابية في التجارة لذلك الغرض, والتجارة والعمالة القهرية, وعدد ساعات العمل, والعوامل المرتبطة بالتجارة المؤدية للانحراف عن معايير العمل القومية (بما في ذلك المناطق الحرة للتجارة وصناعة التصدير). ومن جانب آخر, دعا مقترح الاتحاد الأوروبي الى ملتقى دائم للنظر في التجارة والعولمة وقضايا العمل, وفي الواقع يعتبر هذا المقترح تسوية ضعيفة للموقف بين الدول التي تطالب بتشكيل فريق عمل وتلك التي ترى ان اهتمام منظمة التجارة الدولية بالربط بين التجارة والعمل يعتبر ذا طبيعة سياسية الى حد كبير ولايتناسب مع جدول اعمال الاجتماع الوزاري للمنظمة. واعاد التقرير جذور قضية الربط بين التجارة ومعايير العمل الى دراسة اجراها داني رودريك, الاقتصادي في التجارة الدولية بجامعة هارفارد, وتشير نتائج البحث الى انه بعد دراسة 93 دولة اتضح بأن الاقتصادات الديمقراطية تدفع أجوراً أعلى بكثير من تلك التي تدفعها الاقتصادات الاوتوقراطية, وذلك لمستوى محدد من الانتاجية الصناعية. وهذا يدل على ان مستويات الاجور في الانظمة الاوتوقراطية لاتتحدد من خلال قوى السوق, بالاضافة الى ذلك, يدل هذا على ان الانظمة الاوتوقراطية تدفع بشكل عام نصيباً صغيراً من الناتج للعامل الواحد على شكل أجر وبالتالي فهي تمتلك ميزة غير عادلة للمنافسة في التجارة. وهكذا فانه اذا لم يتم اجبار هذه الدول على الالتزام بمعايير متعارف عليها للعمل, فان منظمة التجارة الدولية ستسمح لهذه الدول القهرية على الاحتفاظ بهذه الميزة, واستطرد رودريك في دراسته بمقارنة الصين مع الهند, حيث ان كلتيهما تعتبران من الدول النامية الكبيرة ولكنهما تمارسان نظامين سياسيين متناقضين. وقد اوضحت المقارنة بأن متوسط الناتج السنوي الصناعي للعامل في الهند كان 118.3 دولاراً في الفترة من 1990 الى 1994. وخلال هذه الفترة بلغ متوسط الاجر السنوي في القطاع الصناعي 192.1 دولاراً بالمقارنة, أظهرت الصين مستوى مماثلاً من الانتاجية الصناعية تعادل 885.2 دولاراً للعامل, ولكنها دفعت لعامل المصنع ما يعادل 498 دولاراً في السنة فقط. وهنا يجب التحذير من ان هناك عوامل اخرى قد تتسبب في هذا الفارق الكبير, منها الفروقات في المستوى التعليمي واختلافات المعدلات القومية للادخار. وعلى أية حال, فإن هذه النتائج تدل ايضاً على ان الهند وغيرها من الدول النامية الديمقراطية قد تعمل ضد مصالحها الذاتية برفضها معايير للعمل قد تفرضها منظمة التجارة الدولية. ان فرض هذه المعايير وتطبيقها سيرغم الدول النامية القهرية على المنافسة بشكل اكثر عدالة مع الدول الديمقراطية وبينما يبدو هذا المنطلق التفسيري مثيراً وجذاباً. فإن الكثير من المحللين السياسيين والاقتصاديين يصرون على ان قضايا العمل تعتبر شديدة التعقيد لدرجة لا تسمح لمنظمة معنية بالتجارة ان تتعامل معها. واشار التقرير إلى الاسس القانونية في منظمة التجارة الدولية حيث يحتج المشجعون في منظمة التجارة الدولية على وجود علاقة بين التجارة والعمل بأن هناك مادتين على الاقل في اتفاقية الجات تبيح فرض قيود تجارية في حالة حدوث مخالفات للحقوق الاساسية للعمل. المادة XX في شأن الاستثناءات العامة وهي المادة التي تسمح بفرض قيود تجارية والتي كثيراً ما يتم الاسترشاد بها. وذلك لانها تبيح للدول الاعضاء فرض قيود على التجارة لحماية المعنويات العامة و(الحياة والصحة الانسانية). وهناك دعوة لتعديل هذه المادة لتشمل المعايير الاساسية للعمل لادخال استثناء اكثر تحديداً. كثيراً ما تستخدم المادة III XXX التي ترتبط بالاغراق عند الاحتجاج بأن حقوق العمالة المقهورة في صناعات التصدير يشكل (اغراقاً اجتماعياً). واوضح التقرير موقف الدول النامية حيث قام اكثر من 100 من مفكري وباحثي الدول النامية باعداد مذكرة شديدة الاستعطاف قام بصياغتها جاكديش باجواتي, وهو اقتصادي مشهور في التجارة الدولية بجامعة كولومبيا. وذلك بهدف جعل وجهة نظر هذه الدول واضحة ومسموعة. وتشير المذكرة إلى ان مؤيدي معايير العمل هم في الواقع مؤيدون لحماية التجارة ويقفون ضد المصالح التجارية للدول النامية بهدف تقديم مصالحهم الاقتصادية الذاتية وتحقيقها. وتطرح الدول النامية عدة اعتراضات ضد مبدأ تدويل معايير العمل منها: ـ احتجاجها بأن الكثير من الدول تختلف وجهات النظر فيها حول ما يمثل اذعاناً وتطبيقا لهذه المعايير. على سبيل المثال, تدعى معظم الدول بأنها تمارس المساواة في سوق العمل للجنسين. ولكن هذا لا يحدث على ارض الواقع حيث انه حتى الولايات المتحدة لا تحقق ذلك, حيث لا تزال النساء يتقاضين اجوراً تقل بكثير عن الرجال في الاعمال المماثلة. لذا فإنه اذا ما تم تطبيق المعايير الاساسية للعمل بجدية. فإن جميع الدول يجب ان تتوقف عن التجارة. وان الكثير من الدول الفقيرة هي تحت ضغط ديون العملات الاجنبية الواجب سدادها للدول الغنية. لذا فإن هذه الدول في محاولتها للمنافسة في جذب الاستثمارات الاجنبية ووظائف قطاع التصدير للمساعدة في دفع ديونها لا تمتلك الا ميزة ضئيلة في المنافسة الدولية بجانب استخدامها لاسواق عملها الرخيصة والاستفادة من عدم التطبيق الصارم لمعايير الصحة والسلامة فيها. ان عدم امكانية الوصول لاسواق الدول المتقدمة سيتسبب في كارثة اقتصادية لقطاعات التصدير الكثيفة العمل في الدول النامية. وذكر التقرير ان هناك اهتمامات خطيرة لاقتصادات دول مجلس التعاون تتمثل في ان قضية المعايير الاساسية للعمل والتي تبرز تهديدات خطيرة لدول مجلس التعاون ذلك انه نظراً لاعتمادها الكبير على العمالة الاجنبية, فإن هذه القضية قد تكون لها آثار بالغة ليس على التركيبة الاقتصادية لدول مجلس التعاون فقط ولكنها ستمتد إلى النسيج السياسي والاجتماعي فيها. ان صانعي السياسة والقرار في دول مجلس التعاون يجب ان يتعاونوا بحذر وبشكل جماعي مع هذه القضية. ان السماح بتكوين الاتحادات العمالية وجماعات الضغط وفق المعايير الاساسية للعمل هو عبارة عن تكوين لمؤسسات سياسية واجتماعية جديدة لا تتناسب مع اقتصادات دول مجلس التعاون في المرحلة الحالية من التنمية. ذلك ان ممارسات هذه المؤسسات قد تحول الانتباه والاهتمام عن قضايا هامة مثل تنمية الثروة البشرية وقد تشكل عوائق لاجراءات صنع القرار السياسي. واشار التقرير إلى ان مجهودات دول مجلس التعاون لتوطين العمالة فيها ستتعرض إلى الانهيار اذا ما تم تطبيق المعايير الاساسية للعمل. ذلك ان المطالبة بالمساواة في فرص التوظيف والتعويضات ستوقف المجهودات الحكومية وستمنع اية سياسات مماثلة وفق معايير العمل الدولية المقترحة. وبما ان التركيبة المؤسسية لاقتصادات دول مجلس التعاون غير مهيأة للتعامل مع المعايير الاساسية للعمل. فإن هذه الدول ستتكلف نفقات تهيئة سياسية واقتصادية باهظة تمهيداً لاعداد اقتصاداتها للآليات الجديدة في اسواق العمل. وتعتبر هذه التكاليف ذات طبيعة مباشرة وغير مباشرة نظراً لاهمية الآثار التوزيعية المصاحبة لعملية تطبيق المعايير الاساسية للعمل. واشار التقرير إلى انه بشكل عام سيؤدي تكوين جماعات المفاوضات العمالية. وتحديد الحد الادنى للاجر. وتحديد عدد ساعات العمل إلى ارتفاع ملحوظ في تكاليف العمل. وهذا بدوره سيوجد آثاراً مشهودة على الانشطة الانتاجية في اقتصادات دول المجلس وقدرتها على المنافسة الدولية والتي نبهت اساساً على معطيات العمالة الرخيصة.