أشار وزير التجارة والتنمية الاقتصادية الروسي جيرمان جريف أثناء الندوة الألمانية ـ الروسية لرجال الأعمال التي عقدت بموسكو في بداية ديسمبر الجاري إلى أن روسيا قد تتوقف عن تسديد مستحقاتها المتعلقة بالديون الخارجية، في عام 2003م . وأضاف أنه لكي تفي روسيا بالتزاماتها ينبغي إعادة جدولة ديونها بما في ذلك تلك الديون المستحقة لنادي باريس للدائنين . ومن المفترض أن تسدد روسيا 3 مليارات دولار في عام 2001م و حوالي 5.17مليار دولار أخرى لبلدان النادي المذكور في عام 2003م. و يعتقد البعض أنه ليس من قبيل الصدفة أن يعلن الوزير الروسي عن هذا الأمر أمام عدد من رجال الأعمال الألمان ,إذ أن ألمانيا تعد من كبار دائني روسيا حيث تصل نسبة ديونها إ لى40% من الحجم العام للديون الخارجية الروسية. ويؤكد مدير المصرف الروسي (آلفا بنك) أل كس كناستر أن خطر إعلان عجز روسيا الكامل عن تسديد الديون لا يزال قائما بالفعل. وأرجع ذلك إلى عاملين: أحدهما خارجي والآخر داخلي.ويتعلق العامل الأول بأسعار النفط والتي وفقا لبعض التكهنات وفقاً ستخفض في نهاية عام 2001 م إلى 15 دولاراً للبرميل الواحد. أما العامل الثاني الذي يهدد بعجز روسيا عن الوفاء بالتزاماتها أمام الدائنين الخارجيين في تمثل ـ حسب رأي كناستر ـ في الاستخدام السيئ للإيرادات الحكومية عبر ميزانية ذات صياغة رديئة. ويتفق مع هذا الرأي العديد من الخبراء الاقتصاديين الذين يرون أن الحكومة الروسية في الآونة الأخيرة زادت بشكل غير مبرر من نفقاتها. وترى ايلينا ماتروسوفا مديرة مؤسسة أبحاث الاقتصاد الكلي (يونيكو) أن عدم حصول موسكو على قروض صندو ق النقد الدو لي سيمثل مشكلة أمام ميزانية الدولة في العام المقبل 2001 م. وتواصل القول أنه لا يمكن لميزان المدفوعات الإيجابي الحالي أن يكون المعيار الوحيد لتنفيذ التزامات البلد بخصوص الديون. فإن المشاكل التي تنهض أمام روسيا تزيد إلى حد كبير عن قدراتها في مجال تحصيل العملة الصعبة. وتجدر الإشارة أنه وفقا لجهاز الإحصاء الروسي سيبلغ فائض الميزان التجاري لروسيا نهاية العام الجاري حوالي 66 مليار دولار في ظل حجم من الصادرات بمقدار 100 مليار دولار. وينوه بعض المحللين الاقتصاديين إلى أن ميزانية روسيا للعام المقبل أعدت على أساس اقتراض خمسة مليارات دولار منها 75.1 مليار من صندوق النقد الدولي وذلك في ظل تكهنات بانخفاض أسعار النفط . غير أن بعثة الصندوق غادرت موسكو الأسبوع الماضي دون التوصل إلى اتفاق يذكر بصدد برنامج التعاون مع الحكومة الروسية. ويطالب البعض بحل مسألة الديون الخارجية الروسية (حوالي 160 مليار دولار منها 100 مليار ديون الاتحاد السوفييتي السابق) عن طريق إلغاء جزء منها. ولكن المستشار الاقتصادي للرئيس الروسي أندريه ايلاريونوف يرى إن مثل هذا الإلغاء أمر بعيد الاحتمال حيث أنه لا يمكن إدراج روسيا في عداد البلدان الفقيرة.ويواصل إيلاريونوف القول بأن ثمة بعض الحالات التي تم فيها شطب ديون بعض الدول مثل بولندا ومصر, ولكن هذا كان مرتبطا باعتبارات سياسية في المقام الأول. وهناك من يرى أنه لا يبقى أمام روسيا إلا طريق إعادة جدولة ديونها الخارجية رغم أن هذا يؤدي إلى زيادة عبء الديون وينذر بأ زمات جديدة في المستقبل. ويدلل هؤلاء على رأيهم بالإشارة إلى أنه جرى مرارا في السنوات الأخيرة تأجيل ديون روسيا المستحقة لنادي باريس وكانت النتيجة أن زادت هذه الديون من 38 مليار دولار في عام 1993م إلى 48 مليار دولار في الوقت الراهن على الرغم من أن موسكو سددت خلال الأعوام السبعة الماضية 17 مليار دولار. فالمعروف أن الفوائد في حال تأجيل تسديد المديونية تضاف إلى المبلغ الأساسي لهذه الديون. وتحاول الحكومة الروسية في الوقت الراهن جدو لة الديون الخارجية المستحقة على الاتحاد السوفييتي السابق للبلدان الأعضاء بنادي باريس للدائنين من خلال العمل على مسارين. يهدف المسار الأول إلى تأجيل مدفوعات المديونية المقررة في عامي 2001 و 2002م. أما المسار الثاني فيسعى إلى إعادة جدولة (استراتيجية) للمديونية لفترة تتراوح بين عشرين أو ثلاثين عاما. غير أ ن خبراء صندوق النقد الدولي يعتقدون بأن الفائض الحالي في ميزان المدفوعات الروسي لا يسمح بأي حال من الأحوال بالحديث عن إمكانية جدولة ديون روسيا, أي أنه ينبغي التسديد فورا وإلا إعلان (العجز) وبداية اتخاذ الإجراءات المصاحبة لذلك على المستوى الدولي. ولهذا يفضل البعض في روسيا أن يتم تسديد أقصى ما يمكن تسديده من المديونية الخارجية في الوقت الحالي طالما الظروف المالية مواتية نتيجة لارتفاع أسعار النفط العالمية. ويتبنى هذا الرأي الرئيس بوتين نفسه حيث أعلن عن ذلك في تصريح له الجمعة 1/12. وتشير بعض المصادر إلى أن الحكومة الروسية تدرك أفضلية تقليص حجم الديون الخارجية الآن ولكن هناك من يفكر أن هذا الأمر من شأنه أن يضعف مواقف موسكو عندما سترغب مستقبلا في الاتفاق بشأن إلغاء جزء من هذه الديون. ويتهم العديد من المحللين الحكومة بأنها تضيع من يديها فرصة لشراء ديونها في الوقت الذي تتوفر لديها الأموال اللازمة لذلك. ويعزي هؤلاء هذا الأمر إلى الرغبة المتعمدة في عدم تسديد المديونية الخارجية. غير أنه في جميع الأحوال سيتعين على روسيا تنفيذ التزاماتها بشق الأنفس وإلا سيحدث من جديد ما جرى في 17 أغسطس عام 1998م من أزمة مالية واقتصادية حادة والتي قد تؤدي هذه المرة إلى شروع المنظمات المالية الدولية بشكل جدي في إجراءات إعلان (العجز والإفلاس).