بدأ سعر صرف الدولار يتجه الآن إلى الانخفاض على ضوء هذه الفوضى السياسية التي تشهدها الولايات المتحدة في الآونة الاخيرة, وعلى ضوء التراجع في كافة المؤشرات العامة لاداء الاقتصاد الامريكي بلا استثناء. ارقام عقود المقاولات تراجعت, وارقام مبيعات السيارات تراجعت, ومؤشر ثقة المستهلك تراجع, واداء ناسداك لا يتوقف عن الهبوط, وبيانات ارباح الشركات مخيبة للآمال, وداوجونز يظهر علامات اضطراب واضحة. ويعني ذلك ـ دونما شك الآن ـ ان الاقتصاد الامريكي دخل بالفعل مرحلة التباطؤ, والمشكلة الحقيقية ان ذلك يحدث في لحظة انقسام سياسي عام, وخلافات لا تنتهي حول تحديد الرئيس المقبل, او بالأمرى ما سماه احد المعلقين الامريكيين بحرب اهلية سياسية تدور الآن في الولايات المتحدة. ولكن هل يواصل سعر صرف الدولار هبوطه اذن في المرحلة المقبلة؟ ليس هذا حتمياً, وان كان مرتفعاً, فهناك وسيلتان متاحتان الآن لوقف تراجع العملة الامريكية. الوسيلة الاولى هي خفض نسبة الفائدة في قرار يصدر عن الاحتياطي الفيدرالي خلال اجتماعه في 19 ديسمبر الجاري. لقد رفع آلان جرينسبان سعر الفائدة ست مرات متعاقبة في الفترة من يونيو 1999 وحتى مايو 2000 بهدف (ترويض) النمو الاقتصادي حتى لا يتسبب في اطلاق موجة تضخمية كبيرة قادرة في نهاية المطاف على ابتلاع هذا النمو ذاته. ولكن (الترويض) الآن ليس مطلوباً, فلسنا امام اقتصاد جامح يمكن ان ينمو بصورة عشوائية. ما نراه هو اقتصاد ينكمش. ويعني ذلك ان المهمة السابقة, أي مهمة ضبط الحركة القوية للاقتصاد الامريكي لم تعد هي المهمة المطلوبة الآن.. بل ان عكسها ـ بدقة ـ هو المطلوب, اي حث هذا الاقتصاد على الحركة وليس كبح جماح هذه الحركة. الا ان هذا العلاج لا يكون ناجعاً دون آثار جانبية. اهم هذه الآثار يتلخص في امرين, الاول هو الانعكاس سلباً على ارقام التضخم التي تمكنت الولايات المتحدة ـ فيما يشبه المعجزة الاقتصادية حقاً ـ من ضبطها طيلة السنوات الثماني الماضية. والثاني هو الانعكاس ـ ايجاباً هذه المرة ـ على سوق الاوراق المالية. ولكن حتى بحساب هذا الاثر الايجابي الذي سيصيب وول ستريت, فإن ذلك لن يكفي لانهاض هذه السوق على نحو ما رأينا خلال الاعوام السابقة. والاسباب واضحة فشركات الانترنت والكمبيوتر تعاني من صدمة يمكن تسميتها (الارتطام بالواقع), وشركات الاقتصاد القديم تعاني ـ في اغلبها ـ من ارقام اداء سيئة. المتوقع اذن ان يؤدي اي قرار بخفض نسبة الفائدة إلى (تخفيف) آلام وول ستريت وليس إلى العودة إلى حفلات 1998 و1999. آنذاك كانت اسهم بعض الاصدارات الجديدة تربح 700% في اليوم الثاني لاصدارها. لقد انتهى هذا الجنون, ولا نحسبه سيعود الآن, وحتى ينسى الامريكيون ـ كعادتهم ـ ما كان. فإذا ما عاد الاقتصاد الامريكي ـ لو اتخذ جرينسبان قراراً بخفض نسبة الفائدة ـ إلى مساره السابق, اي إلى الزيادة في معدلات النمو, واذا ما عاد التماسك الى وول ستريت فإن ذلك لابد من ان يخفف الضغوط التي تدفع بالدولار الى الهبوط. الوسيلة الثانية هي تطبيق سياسات ضريبية تقضي باقتطاع حصة مما تحصل عليه الخزانة العامة واعادتها الى الشركات والمواطنين. ان الاقتصاد الأمريكي مؤسس بصفة كاملة على الاستهلاك واي حوافز ضريبية تعطى للشركات ستعني بالضرورة توجيه هذه الشركات لما تركته لها الحكومة الاتحادية لتوسعة عملياتها.. اي بناء وشراء وبيع وتوظيف المزيد من العمال كما ان مثل هذه الحوافز لابد ان تقود ايضا الى زيادة الانفاق الفردي.. شراء سيارات جديدة وبيوت جديدة, وهكذا. جورج بوش يدعو الى تطبيق حوافز ضريبية تبلغ 3.1 تريليون دولار, ولعل هذا ما يفسر احداث الجمعة الماضية في الاسواق الامريكية. فحين ربح بوش قضيتين فرعيتين في ولاية فلوريدا ارتفع _سعر صرف الدولار وقفز مؤشري داوجونز وناسداك. وحين خسر بوش بعد ذلك قضية امام المحكمة العليا في فلوريدا تراجع سعر صرف الدولار.. اما المؤشران الغنيدان فإنهما لم يتأثرا لسبب واحد بسيط, هو ان التداول كان قد اغلق ابوابه حين اعلنت المحكمة العليا قرارها. والمتوقع ان تأتي الصدمة ـ على نحو متأخر قليلا ـ في تعاملات يوم الاثنين. لا تزال هذه الوسيلة الثانية غير مؤكدة اذن, ذلك انها ترتبط بطبيعة البرنامج المالي للرئيس المقبل. ولكن حتى بافتراض فوز جورج بوش فإن ذلك من شأنه ان يتسبب في (اثر نفسي) مؤقت فحسب, اذ ان من المحتم ان يزول اي تأثير ايجابي فور بدء (حرب العصابات) المتوقعة في الكونجرس وبين الكونجرس والادارة.. اننا مقبلون على اعوام بالغة الغرابة في واشنطن.. ان ما يحدث الآن وما سوف يحدث بعد اختيار الرئيس المقبل ــ بصرف النظر عمن سيكون ــ هي امور لم تشهدها واشنطن منذ ما يزيد على المئة عام. لم نر مجلسا تشريعيا منقسما بالتساوي على هذا النحو, ولم نر رئيسا سيتولى مهام الرئاسة وسط عشرات من علامات الاستفهام التي تحيط بشرعيته كما سيحدث بعد اختيار الرئيس المقبل, وبصرف النظر ـ مرة اخرى ـ عمن سيكون. هناك اذن سبل للابطاء من تراجع سعر صرف الدولار, وربما لاعادة الاقتصاد الامريكي الى قدر ــ ولو محدود ـ من الانتعاش, ولكن هذه السبل تبدو نظرية تماما, اذ ان الواقع يوحي بغير ذلك. ان الاقتصاد الامريكي هو ـ شئنا ام ابينا ـ قاطرة الاقتصاد العالمي دون شك. ومن الطبيعي ان يؤدي ذلك الى انعاش اليورو قليلا.. وقد يسأل احدهم (انعاش من؟.. لقد ظنناه مات).. لم يمت اليورو, كل ما في الامر انه سيقارن الآن بعملة تفقد قوتها ببطء. واشنطن ــ عصام الدين عبدالعزيز