رجل الاعمال عبدالله الرستماني واحد من كبار التجار الذين ارسوا بسواعدهم البنية الاساسية لقطاع الاعمال في دبي منذ عقد الخمسينات وحتى يومنا هذا. اعتقدت للوهلة الاولى انه رجل ينتمي للجيل القديم بحكم السن الا انه في حقيقة الامد يضاهي جيل اليوم في معرفته بآخر مستجدات التكنولوجيا.. رجل عاصر التغير بجميع اشكاله وقام بالتغير على أثره وفقا لمتطلبات العصر. ويطالب الرستماني في حواره الصريح مع البيان جميع الاصوات المعارضة للوتيرة المتسارعة التي تسير بها المشاريع في دبي بضرورة عدم النظر الى مصالحهم الذاتية والنظرة للمستقبل على نحو اعمق لان ما يعارضونه اليوم سيكون في صالحهم غداً. كما يطالب الرستماني بضرورة تغيير جميع الانظمة والقوانين الاقتصادية لتناسب مع متطلبات الالفية الجديدة ـ والعولمة القادمة. ويرى ان التغيير لا يشمل فقط استخدام اجهزة الحاسوب و(الستايلات) واجهزة النقال وانما تغيير العقلية الاقتصادية في المرحلة الجديدة. وفيما يلي تفاصيل اللقاء: * في بداية الحوار.. هل تعتقد ان هناك فعلا فجوة بين الاجيال؟ ــ لاشك في ذلك, وجود الفروقات أمر طبيعي وهو يأتي نتيجة للتقدم العلمي فالزمان اليوم يختلف كثيرا عن الماضي.. وعلى سبيل المثال في الماضي في عقد الخمسينات حين كنا نعمل تجاراً لم يكن هناك تليفزيون ولم يكن هناك طائرات وكنا نعاني الكثير في الاسفار. اما اليوم فاننا نطير الى البحرين او قطر ولا يستغرق ذلك اكثر من ساعة بالطائرة فمن البديهي ان يكون ما نعيشه اليوم مختلفا عن الماضي الذي عشناه. * وماهي رؤيتك لهذه الفروقات؟ ــ الفرق كبير فالتجارة كانت في الماضي ميثاق شرف تعتمد على الثقة والامانة وليس ثمة تاجر قال كلمة أو قطع وعداً ثم نكث به لان الرجل يرتبط بلسانه ولم يكن في قاموس التجارة انذاك عقود او تواقيع او وصولات فكانت التجارة تعتمد بشكل رئيسي على الكلمة والثقة. وما اقوله قد مضى عليه الآن قرابة نصف القرن حيث كان انذاك في عقد الخمسينات وبداية الستينات حين كانت الحياة بسيطة وخالية من اية تعقيدات ولم يكتب الناس فيما بينهم اية اوراق. * وهل تغير مفهوم التجارة في الوقت الراهن من وجهة نظرك؟ ــ نعم لاشك ان هذا المفهوم المثالي الذي اتحدث عنه قد تغير, فهناك العديد من التجار يقومون بتغيير كلمتهم وربما قد يعود السبب في ذلك الى دخول عدد كبير من التجار الاجانب للسوق المحلي ولم يعد الامر قاصرا على مجتمع صغير يعرف فيه التجار بعضهم البعض. * شهدت دبي خلال الفترة الماضية اطلاق عدد من المشاريع الضخمة الريادية مثل مدينة دبي للانترنت ومدينة دبي للاعلام والمرسى وتلال الامارات وغيرها.. هل تستوعب دبي هذه المشروعات؟ وما رأيك بهذه الوتيرة المتسارعة من الأحداث؟ ــ اعتقد ان هذه المشاريع ريادية وهي تسعى لان تجعل مدينة دبي مدينة سياحية عالمية يقصدها السياح من جميع انحاء العالم. وما يحدث في دبي أراه مميزا فعلا ليس على الصعيد الاقليمي فحسب وانما على صعيد منطقة الشرق الأوسط. واود الاشارة هنا الى ان الحكومة تنفذ هذه المشروعات الضخمة والتي تقدر قيمتها بالمليارات ليس بهدف الربحية وانما تطوير المدينة وجعلها مميزة على الخارطة الدولية وهو امر نقدره كثيرا, وسبب تنفيذ الحكومة لهذه المشاريع الضخمة هو عدم قدرة القطاع الخاص على تنفيذها فهي مشاريع ضخمة. * هناك بعض الاصوات التي تطالب بأخذ آراء القطاع الخاص في هذه المشروعات حيث يتم الاعلان عنها وتنفيذها دون مشاركة القطاع الخاص؟ ــ انا لا أوافق هذا الرأي واقول رأيي بصراحة شديدة وليس بقصد المجاملة فالحكومة لها مطلق الحرية في دراسة المشاريع بدقة متناهية وبعناية والاعلان عنها في الوقت المناسب. ولا اعتقد ان الحكومة مطالبة بأخذ اراء التجار خاصة وان الحكومة وحدها القادرة على تنفيذ هذه المشروعات الضخمة التي تقدر بالمليارات فمركزها المالي اقوى بكثير عن المراكز المالية للتجار الذين تعتبر مواردهم المالية محدودة بالمقارنة مع الحكومة. ومن وجهة نظري فان هذه المشاريع هي اشبه (باسرار تجارية) خاصة بالحكومة وهي اكبر بكثير من حجم التجار الذين يوجهون الانتقادات. اسباب المعارضة * وما هي الاسباب الحقيقية وراء الفئة المعارضة من وجهة نظرك. ــ أنا اعلم ان البعض قد يخالفني الرأي في معرض جوابي على هذا السؤال ولكن السبب الحقيقي وراء المعارضة هو عدم القدرة على مواكبة التغييرات السريعة, وليس أول على ذلك من قيام كبار التجار بمعارضة المغفور له الشيخ راشد رحمه الله حين قام بحفر بحر صناعي وتوسعة ميناء راشد لكننا اليوم ادركنا مدى الرؤية الثاقبة التي كان سموه يتمتع بها وكذلك هو الحال اليوم بالنسبة لمشروع (المرسى) فهناك ايضاً اصوات معارضة وتعتقد ان المشروع ضخم ولا مبرر له ولكن انا اعتقد انه سيفيد مستقبل دبي وسيلقي باثاره الايجابية في غضون الاعوام العشرة المقبلة. وانا اعتقد ان ما يريده الفريق اول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع هو تحويل دبي إلى مدينة اشبه بمدينة (البندقية) في اوروبا او بمعنى آخر مدينة ذات طابع مختلف الامر الذي يرغب في تحقيقه من خلال حفر قناة المرسى. واعيد إلى الاذهان ايضاً النجاح الكبير الذي حققه جبل علي في الوقت الذي اعترض العديد من التجار على اقامته حين تقرر انشاؤه وشككوا بقدرته على النجاح. * وماذا ترد على الاصوات المعارضة؟ ــ ارد بذلك قائلاً ان الجيل المعارض ينظر إلى الاضرار التي تلحق بمصالحه الذاتية بشكل آني وليس على المدى البعيد. الا ان هذه المشاريع لها ايجابيات على المدى الطويل. الاستثمار الاجنبي في العقار * هل يمكن قياس ذلك على معارضة التجار لفتح الباب امام الاستثمار الاجنبي في قطاع العقار على سبيل المثال؟ ــ طبعاً هذا مثال صارخ فالتجار يعارضون لانه من مصلحتهم ان يظل الاجانب مستأجرين لديهم حيث سيفقدون مصدر دخل جيد اذا قام الاجانب بتملك الشقق والفلل الا ان التجار مخطئون في تصورهم هذا لانه على المدى الطويل فإن فتح الباب امام الاستثمار الاجنبي سينعش قطاع العقارات وسترتفع الاسعار وسيستفيد التجار انفسهم. * باعتبارك احد افراد الجيل القديم لكنك تؤمن بأفكار الجيل الجديد كيف يمكن اقناع الجيل القديم بضرورة التغيير؟ ــ صحيح ان هذه الانظمة قد تكون غريبة بعض الشىء مثل الاستثمار الاجنبي وغيرها ولكن بمرور الوقت اعتقد ان الجيل القديم سيألفها. الا انه مطلوب من الحكومة وضع شروط ومعايير لضبط الاستثمار الاجنبي. العولمة قادمة * وما هو السبيل لاقناع الجيل القديم بضرورة التغيير؟ ــ عليهم ان يعوا تماماً ان العولمة قادمة لا محالة.. فمعظم الدول العربية قد قامت بالتوقيع على اتفاقية (الجات) مع منظمة التجارة العالمية والجميع سيبدأ تطبيقها في غضون الاعوام الخمسة المقبلة. والمسألة ببساطة شديدة متنامية بمعنى اذا اردت بعد الآن ان تكون جزءاً من العالم الجديد يجب ان تقبل بالشروط الجديدة ليكون مرحباً بك واذا رفضتها ببساطة لن تكون قادراً على المنافسة والتحدي. اعادة النظر بالقوانين * وما رأيك بفتح الباب امام الاستثمار الاجنبي في قطاع الاسهم.. فالقانون يسمح للاجنبي حتى نسبة 49% الا ان بعض الشركات تمنع الاستثمار الاجنبي بحسب انظمتها.. ما رأيك بذلك؟ ــ انا اعتقد ان جميع القوانين المعمول بها حالياً بحاجة لاعادة النظر بسبب تغير المعطيات العالمية والتي سبق وان اشرت اليها مثل العولمة والانفتاح على العالم الخارجي. * ما هو تقييمك للدور الذي يقوم به القطاع الخاص وبخاصة التجار؟ ــ للاجابة عن هذا التساؤل يجب العودة إلى التطور التاريخي الذي مرت به التجارة في الامارات فهناك من وجهة نظري اربع مراحل: المرحلة الاولى في عقد الخمسينات وهي مرحلة التجارة التقليدية واستمرت حتى عقد الثمانينات حيث دخلت التجارة طوراً جديداً شهدت فيه تأسيس الشركات التجارية والحصول على وكالات ثم بداية التسعينات حيث بدأ التركيز على برامج الجودة والابداع والتي كانت بدعم من الفريق اول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع والسبب كان تطوير اداء الشركات التجارية لانه لا يمكن مواصلة ادارتها بنفس العقلية التي كانت تدار بها في عقد السبعينات. ويمكن وصف هذه المرحلة بانها مرحلة رعاية العملاء حيث اصبحت الشركات التجارية تولي اهتماماً اكبر بتقديم الخدمات للعملاء وصولاً لارضائهم. اما المرحلة التي نعيشها الآن وهي مرحلة قد بدأت بنهاية عقد التسعينات وبداية الالفية الجديدة هي امر اصبح فيه العميل هو الذي يأمر فالجميع يلهث خلف العملاء وليس العكس كما كان يحدث في السابق واصبح هناك مندوبون للمبيعات يسعون خلف العملاء ويذهبون اليهم اينما كانوا. وانا اعتقد ان التاجر الذي يضع مصلحة وطنه نصب عينيه سيكون التوفيق حليفه اما المستثمرون الذين ينظرون إلى مصالحهم الذاتية دون الاخذ بعين الاعتبار مصالح البلاد اعتقد انهم على خطأ كبير. كما اني اشجع التجار على استثمار اموالهم في البلاد بالدرجة الاولى ثم الاستثمار بالاسواق العالمية في المرحلة الثانية * هل هذا يعني انك تشجع على استثمار المدخرات المحلية في الاسواق الخارجية؟ ــ انا لا اقل ذلك, انا قلت استثمار الفائض ولا اصدق اليوم ان هناك تاجراً واحداً ليس لديه استثمارات في الخارج فجميع التجار يقومون بتوزيع المخاطر من خلال تنويع استثماراتهم بين السوق المحلي والسوق الخارجي وانا قلت ان الاولوية يجب ان تعطى للسوق المحلي. * حدثنا عن البدايات ـ كيف كانت؟ ــ البداية كانت صعبة ـ بركان صغير بلغ رأسماله 100 روبية حيث كانت العملة المتداولة آنذاك الروبية ثم دخلنا السوق بقوة اكبر من خلال المكتبة الاهلية حيث كنا نقوم باستيراد الصحف وتوزيعها وبدأنا صعود السلم تدريجياً حتى حصلنا على وكالة نيسان في العام 1969 وكنت ابيع انذاك 17 سيارة سنوياً فقط اما اليوم فإن مبيعات شركة نيسان تتراوح ما بين 600 ـ 700 سيارة شهرياً ودخلنا مجالات اخرى مثل قطاع الصرافة والحاسوب وغيرها.