اظهرت ردود الفعل فى اسواق النفط العالمية حول الانعكاسات المحتملة لقرار النظام العراقى وقف التصدير الجزئى للنفط ضمن برنامج النفط مقابل الغذاء ان الدوائر النفطية لم تأخذ القرار العراقى مأخذ الجد فى ظل فقدان الشعور السائد بانعدام المصداقية والعقلانية للسياسة العراقية فى التعامل مع القضايا المطروحة. ويشير استمرار الاستقرار لاسعار النفط بل تراجعها الى نحو 28 دولارا للبرميل الواحد وهو ادنى مستوى منذ نحو 4 اشهر عقب الاعلان عن القرار العراقى الى ان تجار النفط وعناصر السوق تتعامل من البداية بالحيطة والحذر مع الصادرات النفطية العراقية الجزئية. ويأتي ذلك نظرا لسياسة النظام العراقى الارتجالية غير القابلة للتقدير والقائمة على عنصر المغامرة والمناورة ولان وضع العراق يظل خاصا وشاذا فى منظمة البلدان المصدرة للنفط (اوبيك) وخارج نظام الحصص الانتاجية للمنظمة بحكم العقوبات المفروضة على العراق بسبب غزوه دولة الكويت قبل اكثر من 10 سنوات. واثبت تطور اسعار النفط الطبيعى عقب الاعلان عن القرار العراقى مجددا ان العرض من النفط الخام متوفر فى الاسواق العالمية وان ارتفاع الاسعار فى الاشهر الاخيرة يعود الى النقص فى المنتجات النفطية والمضاربة فى السوق وارتفاع الطلب العالمى نتيجة النمو الاقتصادى اضافة الى ارتفاع الضرائب على النفط ومشتقاته فى الدول المستهلكة للنفط. ويبدو حسب رأي المحللين النفطيين ان اسواق النفط وعناصرها المختلفة قد استبقت القرار العراقى بوقف النفط الذى كان نظام بغداد يلوح به منذ فترة طويلة قبل اعلانه بشكل غامض مع اقتراب موعد تجديد برنامج النفط مقابل الغذاء وافتعال ازمة جديدة مع الامم المتحدة والضغط على المنظمة وابتزازها املا فى تحقيق المزيد من المكاسب دون حاجة الى تنفيذ القرارات الدولية. كما يؤكد استقرار الاسعار عقب الاعلان عن القرار العراقى ان تجار النفط وعناصر الاسواق النفطية لايعتقدون بان توقف النفط العراقى سيستمر طويلا ولايتوقعون حدوث اختناق فى السوق حسب قول الخبير النفطى كريستوفر بيليف من مؤسسة برودنسيال باتش نظرا ايضا الى الكميات النفطية الهائلة التى يقوم النظام العراقى بتهريبها مما يحد من تأثير توقف الصادرات المعلنة ضمن برنامج النفط مقابل الغذاء. وتأتى المشاريع العديدة التى تعلن عنها بغداد يوميا لاقامة انابيب نفطية جديدة باتجاه الاردن او سوريا لتفند القرار العراقى الغامض والمتناقض بوقف النفط بل لتؤكد طموح بغداد الى زيادة الانتاج فى المستقبل. وعلى الرغم من تسجيل السلطات التركية فى ميناء جيهان توقف النفط العراقى يوم الخميس الماضى فان التصريحات العراقية الرسمية تحدثت حتى الان فقط عن عزم العراق على عدم التفريط فى حقوقه والالتزام بمواقفه مما زاد الوضع غموضا. ويبدو ايضا ان الدول المنتجة للنفط فى منظمة البلدان المصدرة للنفط (اوبيك) قد تفطنت الى المناورة العراقية التكتيكية والظرفية الرامية الى الضغط على الامم المتحدة لتحقيق المزيد من المكاسب من اتفاق النفط مقابل الغذاء مع مواصلة الالتفاف على القرارات الدولية وتجاهلها وكذلك وهو الاخطر الى ابتزاز المنظمة وتهديد روح التضامن والالتزام التى تسودها حاليا عندما بادرت الى الاعلان عن استعدادها لزيادة الانتاج للتعويض عن النفط العراقى فى حالة توقفه بالفعل. واكدت دول الاوبيك المنتجة الرئيسية للنفط عبر هذه المبادرة رفضها لمحاولات النظام العراقى الرامية الى تقويض روح التضامن والتعاون السائدة حاليا فى المنظمة عبر التقدم بمطالب غير مدروسة ولاتتماشى مع وضع العراق فى المنظمة الذى يظل خاصا واستثنائيا مادام لم يلتزم بتنفيذ القرارات الدولية وانهاء الازمة التى تسبب فيها من الاساس بالطرق السياسية وليس بالوسائل النفطية وحتى يعود العراق الى مكانته الطبيعية فى الاوبيك والمجتمع الدولى. وجاءت هذه المبادرة السريعة والحاسمة لقطع الطريق على مناورة النظام العراقى وطمأنة الدول المستهلكة للنفط التى ابدت بدورها تضامنا سريعا وواضحا ايضا مع دول الاوبيك لضمان استمرار الاستقرار للاسعار فى اسواق النفط العالمية ومنع النظام العراقى من اللعب بسلاح النفط الذى يهدد استخدامه الدول المنتجة والمستهلكة للنفط على حد سواء فى ظل تداخل المصالح للطرفين وارتباطها شبه الكامل فى هذا القطاع الحيوى والاستراتيجى للاقتصاد العالمى بأسره. ويبدو ان الاطراف الرئيسية المستهلكة للنفط تفطنت الى مناورة العراق المكشوفة وسارعت الى الاعلان عن استعدادها لاتخاذ اجراءات سريعة اذا اقتضى الوضع ذلك لقطع الطريق على النظام العراقى وحتى لاتصبح اسواق النفط رهن قراراته الارتجالية وللوقاية من هزة نفطية جديدة لاسيما ان اسعار النفط مرتفعة نسبيا حاليا بغض النظر عن الازمة الظرفية التى يحاول النظام العراقى افتعالها فى السوق. وقد اعلنت الولايات المتحدة استعدادها لاستخدام جزء من احتياطيها الاستراتيجى بضخ كميات من النفط قد تصل الى المصافى فى غضون اسبوعين. كما اعربت وكالة الطاقة الدولية فى باريس التى اسست عام 1974 اثر الهزة النفطية الاولى عن استعدادها لاتخاذ اى اجراء سريع قد يتطلبه الوضع للحفاظ على استقرار الاسعار وذلك باستخدام جزء من احتياطيها النفطى الامنى فى حالة توقف الامدادات من النفط العراقى. ومما ساهم ايضا فى تهدئة الاوضاع فى اسواق النفط حتى الان قرار الامم المتحدة بتمديد برنامج النفط مقابل الغذاء مع العراق مع تقديم العديد من التنازلات والامتيازات الجديدة لنظام بغداد حتى ولو ان بعض الغموض مازال يكتنف الوضع مع استمرار الخلاف حول المطلب العراقى بفرض ضريبة خاصة على سعر نفطه المصدر لحسابه الخاص وهو ما يشكل خرقا للاتفاق مع الامم المتحدة وردود الفعل فى الدول المنتجة والدول المستهلكة للنفط على القرار العراقى جاءت هادئة ومطمئنة للاسواق العالمية حتى ولو ان بعض الخبراء بشئون النفط لايستبعدون حدوث بعض المشاكل فى حالة اقدام رئيس النظام العراقى على تصعيد الازمة حتى ولو كان ذلك على حساب مصالح الشعب العراقى ظنا منه ان المناخ الاقليمى والدولى مناسب للمزيد من الالتفاف على العقوبات الدولية ووضع الرأى العام امام الامر الواقع بمحاولة استعادة السيطرة على القطاع النفطى والمالى الحساس بعد ان حقق بعض النقاط فى مجال التعاطف الانسانى الذى قد يوجد ما يبرره عربيا ودوليا. وتشير بوادر الازمة الجديدة حول النفط بين العراق والامم المتحدة الى ان نظام بغداد قد بدأ يسىء فهم هذا البعد الانسانى للطائرات المحملة بالادوية والاغذية للشعب العراقى التى حطت فى مطار بغداد فى الاسابيع الاخيرة ويفسرها على انها تأييد لعودة العراق الى الحظيرة الدولية دون حاجة الى تنفيذ القرارات والالتزامات الدولية وهو حساب يبدو غير دقيق. كما ان القرار العراقى الاخير بوقف صادرات النفط وبالتالى برنامج النفط مقابل الغذاء للشعب العراقى بعد ان بدأ بصيص من النور يظهر فى اخر النفق قد يكون تحذيرا لمن شجع الحكومة العراقية عمدا او بغير قصد على الاستمرار فى سياسة المد والجزر والتصعيد والتهدئة مع الامم المتحدة والمجتمع الدولى للعودة من الباب الخلفى بدلا من تنفيذ القرارات والالتزامات الدولية ذات الصلة بغزوه للكويت وانهاء الازمة من جذورها والعودة من الباب الشرعى والطبيعى الى المنطقة والعالم العربى والمجتمع الدولى. ــ كونا