في اعقاب الازمة المالية لعام 1997 تم تسريح عشرات المئات من عمالهم واصبحت العائلات لاتجد ثمن الوقود لسياراتهم لذلك تركوها في المرائب, واختفت ازمة المرور لفترة في سول العاصمة الكورية. وانكمش الاقتصاد بنسبة 6.7% في اسوأ ازمة شهدتها كوريا منذ الحرب, واضطرت الحكومة لقبول شروط صندوق النقد الدولي المهينة. هذه الذكريات الأليمة بدأت تتلاشى, وانخفض معدل البطالة الى النصف بعد ان بلغ 8.4% عام 1999. واصبح ارتفاع نمو صناعات التكنولوجيا الفائقة مذهلا في كوريا. ويساهم قطاع تكنولوجيا المعلومات الكوري المنتعش حاليا في ثورة الحاسب الآلي والهاتف المتحرك والأجهزة الالكترونية اليدوية واجهزة اخرى بمعدل سريع جداً. تشكل تكنولوجيا المعلومات حاليا 80% من اقتصاد كوريا البالغ قيمته 400 مليار دولار امريكي. ومن المتوقع ان ترتفع هذه النسبة 11% بحلول نهاية العام وبنسبة 20% بحول 2010. وتتوفر وظائف جيدة من حيث العدد والمستوى والأجر حاليا, واصبح المديرون التنفيذيون يهربون لأول مرة في تاريخ كوريا من المجموعات الكورية الكبيرة المعروفة التي تسمى تشيبول ويقيمون مشاريع خاصة بهم ويطبقون خبراتهم في مجال التكنولوجيا الفائقة على شركات خدمات الانترنت في كل المجالات من الاتصالات الى شاشات البللور السائلة. وتتعاون شركات جديدة مثل آبيل تليكوم للهاتف المتحرك مع شركات عالمية مثل موتورولا وتفتح اسواقا جديدة للتصدير في اسيا. فهل حان وقت الاحتفال؟ لابد أنه لم يأت بعد. فالذين يتشككون في ثورة التكنولوجيا الكورية يقولون لمن هم خارجها ان ينظروا الى ارقام اخرى, مثل البورصة الكورية, التي انخفضت بنسبة 34%, وتعتبر من اسوأ البورصات اداء في العالم خلال العام الجاري. وكان اداء مؤشر كاسداك, الذي يعادل مؤشر ناسداك الامريكي اسوأها حالا فانخفض بنسبة 60%. وهناك شيء ما يسبب القلق للمستثمرين الأجانب. أهم اسباب القلق هو قطاع الشركات في كوريا الذي تسوده مجموعات كبيرة مثل دايو وهيونداي, المثقلة بديون اجمالية تبلغ 630 مليار دولار امريكي, اي ما يعادل 150% من اجمالي الناتج المحلي في البلاد. هناك 100 مليار دولار من هذا المبلغ مسجلة لدى بنوك كوريا على أنها ديون سيئة او معدومة. ومن جانب آخر فإن ما ينتجه قطاع التكنولوجيا الفائقة هو مصدر وظائف لنحو 5% من اجمالي قوة العمل. والبقية تعمل لدى شركات مثل دايو وهيونداي وسانج يونج اضافة الى شركات الوساطة في مجالات بطيئة النمو مثل المنسوجات والكيماويات والتوزيع والصناعة التحويلية الأساسية. اذن هناك كوريتان تتصارعان, وتدعى كل منهما ان لها الحق في رأس المال والمواهب. فأي الكوريتين يفوز؟ ليست الاجابة على هذا السؤال واضحة بعد. وبقاء الشركات الكبرى ومستقبل العمالة بالنسبة لملايين الكوريين لدى هذه الشركات غير واضح بالمرة. وفشل هذه الشركات وفشل البنوك يلقي بالاقتصاد الكوري الجنوبي في ازمة جديدة. او اذا حدث هبوط اقتصادي في الولايات المتحدة, اكبر مستورد لانتاج كوريا الجنوبية من منتجات التكنولوجيا الفائقة والمعلوماتية, يدفع قطاع تكنولوجيا المعلومات الكوري الى هوة سحيقة. حتى المتفائلين مثل ووتشيون سيك الخبير الاقتصادي بمعهد كوريا للتنمية يعترف بأن كوريا الجنوبية تمر بمرحلة حرجة بين ميلاد بطل تكنولوجيا جديد او العودة للخلف واسوأ مما كانت عليه من فترة طويلة من الزمن. ولا غرو اذن ان المراقبين يراقبون التقدم التكنولوجي بانبهار ويشترك معهم في ذلك المستثمرون الدوليون وصناع السياسة في الدول النامية. وتمثل كوريا اختيارا لكشف اذا كان الاقتصاد الذي تسيطر عليه الدولة يستطيع ان يمر بمرحلة انتقالية سريعة بلا مشاكل ليتحول الى نموذج يقوم على تكنولوجيا معلوماتية فائقة. ومن المشكوك فيه ان تستطيع كوريا ان تقفز الى ما يشبه النموذج الأمريكي من حيث الاقتصاد الجديد, وحيث يؤدي الابتكار الى رفع معدل الانتاجية بسرعة كبيرة, لكن اقتصاد كوريا الجنوبية يستطيع ان يتشابه مع اقتصاد ايرلندا أو فنلندا اللتين كونتا قوة عمل تستطيع التعامل بكفاءة مع الحاسب الآلي أو أزالت عنها الأمية الحاسوبية حتى تتحول قاعدتها الصناعية وتخلق انشطة جديدة وتجذب الاستثمارات. المرحلة الانتقالية ويشعر المتفائلون ان الكوريين يستطيعون ان يجتازوا المرحلة الانتقالية أزمات أو خسائر. ويقول مين جي هونج رئيس جولدمان ساكس في سول العاصمة من الواضح انه حدث خلال الاثني عشر شهرا الماضية تحولا سلسا للموارد نحو الاقتصاد الجديد, فهناك موارد بشرية كبيرة تتحول من الشركات التقليدية أو المجموعات الكبيرة الى شركات خدمات الانترنت. ويقول جون تشامبرز رئيس تنفيذي سيسكو سيستمز الذي تقوم شركته بمشروعات كبيرة في كوريا الجنوبية ان الاقتصاد مدفوع بقوة الاستثمارات الكبيرة في تكنولوجيا الشبكات والانترنت. وقال للصحفيين ان الكوريين يفهمون أكثر كثيرا من اليابانيين ان الشبكات سوف تكون النشاط السائد مستقبلا وسبب استمرار الشركات والدول. القاعدة الصناعية القديمة رغم ان القاعدة الصناعية القديمة في كوريا الجنوبية لاتزال غير كفؤة فإن كوريا لديها القوة لتناضل من اجل الخروج من ماضيها. ويمثل الانفاق الاستهلاكي على منتجات التكنولوجيا الفائقة وعائدات الصادرات نحو نصف اجمالي الناتج المحلي الذي سجل نموا بنسبة 7.10% العام الماضي, ومن المتوقع ان يكون معدل نموه خلال العام الجاري 9%. وتعتبر كوريا الجنوبية أكبر الدول الآسيوية من حيث الاتصالات السلكية واللاسلكية, ومن حيث تجارة أسهم شركات التكنولوجيا الفائقة وانتشار الموجات الواسعة التي تجعلها من كبريات دول العالم في هذا المجال هناك 60% من اجمالي سكان كوريا الجنوبية البالغ عددهم 46 مليون نسمة يستخدمون الهاتف المتحرك, وسيصل عدد مستخدمي الانترنت الى نصف السكان بحلول نهاية العام الجاري, ويتم التبادل التجاري عبر الانترنت بنسبة أكبر من 60% من اجمالي التبادلات. وسوف يستخدم ثلاثة ملايين اسرة من العائلات في كوريا الانترنت السريعة بحلول عام 2002 مقابل مليونين في الولايات المتحدة و300 الف أسرة في اليابان. قوة العمل الأكثر من ذلك ان كوريا الجنوبية لديها قوة عمل مدربة جيدا ويصل معدل الأمية في كوريا الى 1%, و25% من طلبة المدارس الثانوية يدخلون الجامعة. وأشاد تقرير حديث عن البنك الدولي بالانجازات التعليمية في كوريا, وقال ان نجاحها في تحسين المستوى التعليمي للسكان لا يضاهيه نجاح في أية دولة اخرى. وقد أفادت الصناعة من ذلك بلا شك, وتخرج الجامعات والمدارس الصناعية خمسة آلاف مهندس سنويا منهم نصف مليون يعملون حاليا في قطاع تكنولوجيا المعلومات. ويضيف الى هذه القوة في العمالة المتعلمة المدربة هوس الانفاق لاقتناء كل ما هو الكتروني ورقمي, وهو الذي يبدو انه كان سبب تغيير شكل حياة الكوريين. الشباب الذي اعتاد التسكع في المراكز التجارية يتوجه الآن الى مقاهي الانترنت البالغ عددها 20 الفا حيث يدفعون ما يعادل دولارا واحدا في الساعة لمشاهدة الافلام وفحص البريد الالكتروني ويتصفحون صفحات الانترنت. ويقول ون جون يونج مدير احد هذه المقاهي: هكذا اصبحت الانترنت جزءا هاما في حياة الشباب الكوري, وتقدم هذه المحطة (المقهى) خدمات الألعاب والتجارة الالكترونية ومكاتب مؤقتة مجهزة بالحواسيب الآلية. ويتجاوز هوس السكان بالانترنت وتكنولوجيا المعلومات فئة الشباب, فالغالبية العظمى من الذين ينتظرون دورهم للحصول على اشتراك في الخطوط الرقمية متنوعة الخدمات هن من ربات البيوت, وسوف يستطيع هؤلاء استخدام الانترنت السريعة بعد ان تنتهي الحكومة من مشروع الاتصالات السريعة الذي يتكلف 35 مليار دولار ويتوقع ان ينتهي في عام ,2005 وسوف تتمكن 95% من العائلات في كوريا من الدخول على الانترنت باستكمال هذا المشروع. ويقول تشوي آن يونج نائب رئيس كوريا تليكوم للتخطيط والتنسيق ان كوريا لديها بنية أساسية ممتازة بالفعل. ووجود مشتركين بهذا العدد في شبكة الانترنت يوفر للشركات قاعدة استهلاكية هائلة تستطيع التعامل مع الحواسيب الآلية وأشكال التكنولوجيا الأخرى وقادرة على استيعاب منتجات هذه الشركات. وقد اطلقت عقلية التكنولوجيا الرقمية التي تعتقد ان هذه التكنولوجيا مسألة حياة أو موت موجة انفاق في عالم الشركات ايضا. الانفاق على التكنولوجيا الفائقة في فترة الثمانينيات بلغ الانفاق على تكنولوجيا المعلومات 10% من اجمالي انفاق الشركات, وبلغ الاستثمار في المصانع والمعدات في صناعات الصلب والسيارات النسبة الغالبة الباقية, في العالم الماضي قفز الانفاق على تكنولوجيا المعلومات الى 40% من اجمالي الانفاق, وسوف يتجاوز نسبة 53% خلال العام الجاري, وفق ما ذكره معهد الابحاث الاقتصادية الكوري. وينمو قطاع تكنولوجيا المعلومات بشكل سريع جداً حتى ان المدارس لاتستطيع تخريج مهندسي برمجيات بقدر كاف لشغل الوظائف الشاغرة في هذا المجال. وبدأت الحكومة في مايو العام الجاري منح المحترفين في التكنولوجيا المعلوماتية من الأجانب (بطاقات ذهبية) تسمح لهم بالاقامة في البلاد لمدة عشر سنوات دون تجديد تصاريح العمل. الصادرات وتعمل تكنولوجيا المعلومات على تغيير أسواق الصادرات الكورية. وسوف تمثل اجهزة مثل الهواتف المتحركة وأجهزة استقبال ارسال القمر الصناعي ومعدات الاتصال الاخرى نسبة 27% من صادرات كوريا خلال العام الجاري, مقابل 18% عام ,1998 حقيقة ان أكبر فئة في صادرات كوريا هي أشباه الموصلات وشرائح ذاكرة الحواسيب الآلية, وهي معرضة لدورات من الارتفاع والانخفاض, لكن المنتجات التي تعتمد عليها مثل الهاتف المتحرك والشاشات البللورية السائلة الرقيقة تكتسب أرضاً جديدة من اجمالي الصادرات الكورية. فقد بلغت صادرات كوريا من الكترونيات غير أشباه الموصلات 1.6 مليارات دولار أمريكي مقابل 9.11 مليار دولار لاجمالي صادرات أشباه الموصلات. مجالات جديدة وبدأ الكوريون لأول مرة يبتكرون في مجالات جديدة مثل شاشات البلازما للعرض بدلاً من انتاج نسخ مقلدة من منتجات مصنعة بالفعل من علامات تجارية اخرى. وتحتل كوريا حالياً المركز السابع عالمياً من حيث نصيب الفرد من الانفاق على الأبحاث والتطوير, كما انها من بين أكبر عشر دول في العالم في مجال تسجيل براءات الاختراع. ويقول تشونج سوك نائب المدير التنفيذي في مجموعة إل. جي ان الشركات الكورية اعتادت ان تسير خلف الشركات اليابانية والأوروبية, لكننا نحاول الان اخراج منتج جديد في السوق لأول مرة. ويعزز من هذا الاتجاه انفتاح قطاع الاتصالات في آسيا وتبلغ تكلفة الانترنت في كوريا ثلث تكلفة الاشتراك فيها في اليابان. وقد أثبت برنامج صندوق النقد الدولي الذي مكن من رفع القيود على الاستثمارات الأجنبية المباشرة انه نعمة حقيقية على البلاد. فإن القدر الأكبر من استثمارات أجنبية قيمتها 24 مليار دولار أمريكي دخلت البلاد منذ عام ,1998 و16 مليار دولار متوقعة خلال العام الجاري, اتجهت نحو قطاع تكنولوجيا المعلومات. ويبحث المستثمرون الدوليون عن شركاء محليين لاستغلال الطفرة الهائلة للسوق المحلية واستخدام كوريا الجنوبية كنقطة انطلاق للوصول الى بقية آسيا, خاصة الصين. بالرغم من كل ما تقدم, هناك سؤال يبحث عن اجابة, هو هل تستطيع طفرة اقتصاد الانترنت في كوريا الجنوبية ان تستمر لسنوات مقبلة وان تتجاوز سنوات طويلة من الممارسات الاقتصادية غير الحرة. فلاتزال كوريا تفضل الشركات والمجموعات الكبيرة على الشركات الجديدة لخدمات الانترنت. وسوف تفضل البنوك إقراض الشركات الضخمة عن الشركات الجديدة التي تكتنفها المخاطر. ولاتزال المؤسسات تفضل ان تقوم بغزوات مكلفة تسبب الديون الثقيلة في الأسواق الجديدة بدلاً من طرح مشروعات موجهة تركز على نمو الارباح. من المؤكد ان نجاح قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة في كوريا يخلب الألباب, والمثير للسخرية ان التحول كان يتوقع ان يكون بطيئاً لولا حدوث الازمة المالية عام 1998. فقد فتحت هذه الأزمة الطريق أمام تغيرات جذرية لم يكن أحد يفكر بها قبل ذلك بثلاث سنوات فقط. يقول وو من معهد التنمية الكوري ان هناك طاقات كثيرة مكبوته في كوريا الجنوبية, وكانت الازمة وسيلة لاطلاق العنان لهذه الطاقات. وأحياناً تأتي نتائج جيدة من الاضطرابات الاجتماعية. ان الاقتصاد الجديد في انتظار كوريا لتفيد منه أقصى فائدة ممكنة, وعليها ان تبدأ ذلك الان وبلا تأخير.