لقد سبق لنا في عدة مقالات التأكيد على السمات الخاصة لاقتصاديات دول الخليج, حيث أن هذه الدول والدول النفطية عموما , تشتق مداخيلها من استخراج وتصدير النفط, وهذه المادة آيلة للنضوب في المستقبل, أي ان تلك المداخيل لا يتم اشتقاقها من مصادر متجددة بل من مصادر ناضبة, ولقد اتضح من خلال دراسة خصائص التنمية الاقتصادية للدول المعتمدة على مصادر ناضبة ان معدلات الادخار والاستثمار التي بجب ا ن تحققها يجب ان تتجاوز بكثير مثيلاتها في الدول المعتمدة على مصادر متجددة لكون تلك الدول مطالبة بالوصول الى مستويات من الدخل تعوض عن الدخل المتأتي من النفط في حالة نضوبه وذلك لكي تحافظ على ذات المستويات المعيشية لشعوبها, ان هذه الخاصية لها العديد من الانعكاسات الهامة على سياسات الاقتصاد الكلي بما فيها سياسات الادخار والاستثمار. ان ذلك يعنى ان على دول الخليج ان تتبنى استراتيجيات استثمارية حكيمة قادرة على خلق معدلات عائد عالية, ان ايجاد مثل هذه الاستراتيجيات يرتبط كما هو واضح بالقدرة على استخدام الموارد المتا حة بصورة كفؤة وفاعلة, وطالما ان الشكل الرئيسي للموارد القابلة للاستثمار هو المورد المالي , فان ذلك يعنى ضرورة وجود ادارة مالية فاعلة وكفؤة سواء على مستوى الاجهزة الحكومية الموكل اليها استثمار هذا المورد او على مستوى النظام المالي الذي تلعب من خلاله البنوك والمؤسسات المالية الاخرى دورا فاعلا فيه, وصحيح ان الاجهزة الحكومية في دول المنطقة سوف تظل تمثل الحائز الوحيد على الموارد المالية المتأتية من النفط , الا ان المساحة المتاحة للاستغلال في وضع وتنفيذ استراتيجيات الاستثمار التي تطمح اليها هذه الاجهزة اخذه بالتناقص, وبالتالي فان الانظار باتت موجهة لرؤوس اموال القطاع الخاص التى لا يزال الجزء الاعظم منها في هيئة ودائع مصرفية واشكال استثمارية قصيرة الاجل و بالتالي فهي مهيأة للمشاركة في تنفيذ استراتيجيات استثمارية اكثر طموحا, وطالما ان دور القطاع الخاص بات يتعاظم في ادارة برامج التنمية , فان النتيجة الطبيعية ان كفاءة استخدام الموارد سوف تزداد بالنسبة للقطاع الخاص, ان هذه النتيجة تثير بدورها تساؤلين رئيسيين الاول يتعلق بماهية وطبيعة استراتيجيات الاستثمار التي يمكن ان تحقق عوائد عالية, في حين ان السؤال الثاني يتعلق بماهية المستلزمات الضرورية لتطوير وتفعيل الانظمة المالية الخليجية لكي تكون قادرة على ان تلعب دورها بكفاءة في تنفيذ تلك الاستراتيجيات. فبالنسبة للتساؤل الاول, يمكن القول ان هذه المرحلة لا تزال تقتضى انشاء وايجاد الكثير من المشروعات في المجالات الصناعية والزراعية والمالية والخدمية والمالية والتقاولية, وهذه المشروعات تنقسم الى قسمين رئيسيين النوع الاول هو نمط المشروعات التقليدية كالصناعات الغذائية والبتروكيماوية والقائمة على النفط والالمنيوم, اما النوع الثاني فهو نمط الصناعات المتقدمة والتي تتضمن تقنيات عالية, وقيمة مضافة كبيرة ايضا كأجهزة ومعدات الاتصالات والمواصلات والاعلام والالكترونيات, ولعل المخاطرة الرئيسية التي تمثل تحديا امام النوع الاول من المشروعات هي المنافسة على مستوى اسواق دول المنطقة نفسها حيث يتماثل اقامة الكثير من المشروعات في دول خليجية مختلفة, وبالتالي فان مصدر الخطر الرئيسي يكمن في المنافسة ضمن اسواق دول المنطقة مما يتطلب من اجهزة القطاع الخاص ومؤسساته وفعالياته جهود متواصلة وكبيرة لاقامة كارتلات صناعية على مستوى دول المنطقة ككل مما يخفف من حدة المنافسة البينية, اما بالنسبة للنوع الثاني من المشروعات, فلعل المدخل الافضل له هو المشروعات المشتركة مع المستثمر الاجنبي, وهناك الكثير من الشواهد الناجحة في التجارب الاسيوية, ان سعة وتنوع الاسواق والمصدرين في العالم يتيح درجة اكبر من الحرية والانتقاء من جهة, ومن جهة اخرى فان مشاريع الاوفست الخليجية تمثل هى الاخرى مدخلا ملائما لتنفيذ هذه المشروعات. اما بالنسبة للتساؤل الثاني, فالانظمة المالية الخليجية تحتاج بالفعل الى مزيد من العمق والتنويع, وعلى سبيل المثال هناك حاجة ماسة لتطوير دور البنوك لتتجاوز وظائفها التقليدية المالية, كذلك تستدعي ا لحاجة تطوير اسواق راس المال والنقد, وتشجيع قيام بنوك الاستثمار ومؤسسات تشجيع وترويج الاستثمار والادخار وبنوك التنمية ذات الملكية الخاصة, بالاضافة الى تطوير ادوات السياستين المالية والنقدية, والاهم من ذلك ان يتم ربط هذه التطورات ببرامج الاصلاح الاقتصادي والاهداف الموضوعه لها وذلك بافتراض ان دول المنطقة تمتلك هذه البرامج بالفعل او تسعى لوضعها في المرحلة المقبلة بالنظر الى اهميتها البالغة في تشجيع القطاع الخاص على القيام بدور اكبر ورئيسي في التنمية. حسين محمد