تعيش دولة الامارات هذه الأيام مرحلة سعيدة بكل المقاييس, فعوائد النفط تواصل ارتفاعها, كما ان القطاعات الاقتصادية غير النفطية أخذت هي الاخرى تخرج من حالة السكون والركود, كذلك فإن مسيرة التنويع الاقتصادي بدأت هي الاخرى تظهر علامات النجاح. وتشير التوقعات على ان اجمالي الناتج المحلي سيسجل زيادة قياسية تصل الى 17% مقارنة مع 10% العام الماضي, ومع تساوي الدخل الفردي للمواطن الاماراتي مع نظيره في الولايات المتحدة فإن دولا قليلة في مقتبل حياتها يحق لها ان تفخر بما تحقق من تطور بدولة الامارات. واذا ما ألقينا نظرة على ما يحدث في أبوظبي فإن حركة الخصخصة تتواصل بمعدلات معقولة ويبدو ذلك واضحا بصفة خاصة في مجال المرافق. فاضافة القدرات الجديدة وتوسعة القدرات القائمة يعهد بها إلى القطاع الخاص. وعلى سبيل المثال فقد شهد شهر اغسطس الماضي منح عقد بناء وتشغيل لكونسورتيوم تقوده شركتا توتال فيناريف وتراكتبيل. والعقد تبلغ قيمته 5.1 مليار دولار لاقامة محطة الطويلة أ ـ 1 لتوليد الكهرباء وتحلية المياه. وهناك عقد آخر اكثر ضخامة تنتظره الشركات المحلية والاجنبية هو عقد محطة الشويهات الذي تبلغ قيمته ملياري دولار. ويلعب القطاع الخاص دوراً بارزاً في ثلاثة مشروعات اخرى مهمة وهي السعديات ودولفين والثريا للاتصالات. وان كانت معدلات تتباين إلى حد كبير في المشروعات الثلاثة وخاصة في مشروع السعديات. وبالنسبة لدبي فإن الامارة قد رسمت لنفسها خطا مختلفاً إلى حد كبير, تبدو ملامحه واضحة بصفة خاصة في انشاء مدينة دبي للانترنت, فاقامة المدينة تعكس طموحات دبي التي بدت من قبل من خلال سلطة الموانىء والمنطقة الحرة لجبل علي, هذا الى جانب السعي الدؤوب لتحويل الامارة الى نقطة جذب سياحية رئيسية دائمة. لقد فرضت الجيولوجيا على دبي ان تستنفد الثروة النفطية لديها بحلول العام ,2010 لذلك وجب على الامارة بذل الجهد في البحث عن مصادر بديلة للدخل, لذلك أخذت الحكومة تعمل جاهدة على تطوير البنية التحتية لاجتذاب الأعمال الاقليمية والدولية. وكانت هناك خيارات, كما يشير احد المحللين الخيار الأول يتمثل في زيادة نسب الضرائب غير المباشرة لتعويض الانخفاض في عائدات النفط, لكن ذلك كان سيعني دفع الشركات التي اتخذت من دبي مقرا لها الى الرحيل. أما الخيار الآخر فكان يتمثل في توفير الظروف اللازمة لاجتذاب المزيد من الشركات لتوفير العوائد المطلوبة. وعندما اختارت دبي الخيار الثاني فإن ذلك أفضى الى مفارقة غريبة تتمثل في ان المجال مفتوح على مصراعيه أمام القطاع الخاص وليس أمام الخصخصة. ان لدى دبي قيادة قوية. وهناك رسالة قوية وجهت مراراً إلى الموظفين الرسميين: (طور اداءك والا فلن تجد لك مكاناً). كذلك تم اطلاق مبادرة الحكومة الالكترونية لزيادة الكفاءة وتطوير اداء البيروقراطية لتتم الاجراءات بسرعة كافية لجذب المستثمرين. والهدف في النهاية هو خلق حكومة شديدة الكفاءة في التعامل مع المستثمرين وتقديم نموذج باسم دبي تحتذيه الدول الاخرى. ومن التحديات الرئيسية التي تواجهها دبي والامارات الاخرى تأتي قضية التوطين في المقدمة, فحوالي 60% من السكان من الشباب دون العشرين عاما, كما ان نسبة النمو تصل إلى 5.4%. لذلك تم فرض نسب معينة للتوطين في قطاعات محددة خاصة القطاع المصرفي, لكن الحماس لمسألة الحصص او النسب المحددة ليس كبيراً. وعلى الرغم من التطور الكبير في نوعية الخريجين بالكليات المختلفة فإن مسألة التوطين لا يتوقع لها ان تحقق التطور المنتظر في غياب الاجراءات الحكومية. كما ان دخول نحو 12 الف خريج إلى سوق العمل سنويا يجعل الاحتمال قويا بمد نسب التوطين على كافة القطاعات مع التشديد على ضرورة الالتزام بهذه النسب. بفضل العائدات الكبيرة للبترول التي تدخل ابوظبي وعائدات منتجات البترول لكل من دبي والشارقة, لم تضطر الامارات ان تصدر سندات دين أو تلجأ الى المؤسسات الدولية للاقتراض. كما ان هناك استثمارات اجنبية كبيرة في الدولة تساهم في اعتماد الامارات على مداخيلها وعائداتها وبالتالي لن تضطر الامارات ان تحذو مثلاً حذو قطر أو عمان باللجوء الى إصدار سندات الدين. وأقصي ما يمكن ان تفعله الامارات من حيث الاقتراض هو قروض بسيطة تحصل عليها بعض المؤسسات المملوكة للدولة غير ان حجم بعض المؤسسات مثل (الامارات) للبترول الذي يقارب حجم ميزانية دولة يجعل مسألة الاقتراض لاتدخل ضمن معادلة التمويل بشكل فعال أو جدي. الاعتماد على البترول برغم محاولات الامارات لتنويع القاعدة الاقتصادية الا ان اعتمادها على البترول يظل كبيراً كما يتضح من العلاقة بين تحركات أسعار البترول واجمالي الناتج المحلي خلال السنوات الماضية. يبلغ اجمالي الناتج المحلي بالأسعار الحالية 184460 مليون درهم حسب أرقام ,1997 قبل ان يتناقص بنسبة 6 % عام 1998 عقب صدمة أسعار البترول والانخفاض الشديد فيه. ثم سجل اجمالي الناتج المحلي نمواً بنسبة 10% العام الماضي وبنسبة 17% العام الجاري. ويقول احد خبراء الاقتصاد المحليين انه بفرض ان تكون اسعار البترول بين 22 و25 دولاراً للبرميل فإن النمو في العام المقبل سيكون بين 5 و5.5%. والواضح ان الانتعاش في نمو اجمالي الناتج المحلي العام الماضي وتوقعات العام المقبل تعتمد على عائدات البترول. ورغم ذلك يقول محلل دولي ان هناك طفرة غير بترولية فقد خرج الاقتصاد غير البترولي في الامارات من فترة عصيبة لكن الانتعاش لم يكتمل بعد. ورغم صغر حجم قطاعات مثل المنسوجات والصناعة التحويلية, فقد انتعشت بشكل كبير وسجلت نمواً صحياً خلال العام الجاري. ويقول المحلل ان الوضع يبدو جيداً. وهناك احتمالات كبيرة لحدوث نمو في القطاع غير البترولي لدى كل من دبي والشارقة. وقدر ان نمو العام الماضي في هذا القطاع كان بنسبة 3% وتوقع ان يكون خلال العام الجاري بنسبة 4 ــ 5.4% وقد يرتفع الى أكثر من 5% خلال العام المقبل. وشدد المحلل على ان النمو في دبي سوف يفوق مثيله في ابوظبي, بالنسبة للقطاع غير البترولي. اثر مادهاف باتل ولا يزال اثر قضية مادهاف باتل التاجر الهندي الذي فر من البلاد دون سداد قروض هائلة الحجم, واضحاً على القطاع غير البترولي. وكان باتل صاحب مجموعة سولو الصناعية في الشارقة قد هرب من البلاد دون سداد قروض قيمتها 245 مليون دولار, ولم يكن الوحيد الذي فعل ذلك, فقد فعل تجار آخرون نفس الشيء بسبب تقلبات اسعار الذهب العام الماضي وتركوا اثارا مؤلمة على المصارف, غير ان مؤسسات الاقراض لاتزال تمارس مهامها. ويقول مسئول مصر في محلي انه تم تشديد اجراءات الاقراض المصرفي, لكن من نتائج ذلك انخفاض حجم القروض المتاحة وقد اثر ذلك على القطاع غير البترولي. ومن المستحيل بالطبع تحديد هذا الاثر بالارقام. دبي قلب تجاري اقليمي وبما تتمتع به دبي من مكانة تجارية اقليمية, فإن لذلك انعكاس ايجابي على القطاع غير البترولي من حيث نمو الصادرات. فقد ارتفعت الصادرات غير البترولية في العام الماضي بنسبة 13% لتصل الى 124225 مليون درهم وتفيد المعلومات بأن اتجاه النمو في الصادرات استمر هذا العام ايضا وان كان بمعدل اقل سرعة. لكن هناك بعض المعوقات في هذا السبيل مثل ارتفاع سعر الدولار الذي يرتبط به الدرهم الاماراتي. ويقول احد خبراء الاقتصاد ان سعر الدولار بدأ ينعكس سلبا على نشاط اعادة التصدير. والشحنات التي تتجه الى اوروبا بدأت تتأثر بانخفاض سعر اليورو مقابل الدولار وبدأت ايضا تتأثر المبيعات في الاسواق العربية غير الخليجية. واشد الاسواق تأثرا هي السوق المصرية من حيث الصادرات واعادة الصادرات من الامارات حيث انخفض الجنيه المصري بنسبة 10% أمام الدولار منذ بداية العام الجاري. ويقول احد خبراء الاقتصاد ان قضية سعر الدولار مسألة دورة تأخذ وقتها, باستثناء الوضع في السوق المصرية ويضيف ان هناك اثراً لارتفاع سعر الدولار الآن لكنه من غير المحتمل ان يستمر ذلك لفترة طويلة. كما انه من الصعب ايضا توقع معدل التضخم في الامارات ويقول احد المصرفيين في دبي ان هناك تقديرات متفاوتة. ويقول البنك المركزي ان متوسط ارتفاع الأسعار يتراوح ما بين 5.1 و2% خلال العام الماضي, مقارنة بعام 1998. ويقول البنك ان ضعف سوق الاسكان له تأثيره في ذلك. ويقول خبراء الاقتصاد انهم يعتقدون ان معدل التضخم قد يتراوح ما بين 3 و 5%. لكن في الواقع فإن هذا النمط لا يمكن تعميمه على كل الامارات. فقد جاء في بحث اجرته غرفة صناعة وتجارة دبي العام الماضي ان معدل التضخم في دبي يفوق متوسط المعدل في انحاء الدولة بنسبة 1 ـ 5.1%. واحد الاسباب المهمة لهذا الارتفاع هو ان عوامل خارجية لها تأثيرها مثل الازمة المالية الاسيوية التي شجعت على تراكم المخزون واتباع تكتيكات تنافسية بين المستوردين. وقد مرت هذه الفترة وبدأ التجار يرفعون الاسعار مرة اخرى. سوق العقارات غير ان سوق العقارات يقوم مقام المكابح لمعدل التضخم ويقول احد المحللين ان الوضع في هذا المجال يختلف ايضا من مكان لآخر. الأسعار في ابوظبي مثلا منخفضة. والاسعار في الشارقة في اتجاه هبوطي مستمر بسبب السرعة الكبيرة لنمو العرض في العقارات, وينطبق نفس الشيء على دبي ايضا, رغم انه بمعدل اقل عن مثيله في الشارقة. ويقتنع غالبية خبراء الاقتصاد بمناقشة الاتجاهات العامة وليس الارقام الواقعية بسبب عدم توافر المعلومات والارقام لكنه بصفة عامة ليس هناك شك في ان الاقتصاد يسجل نموا, عقب الصدمة التي اصابته عام 1998 بسبب انخفاض اسعار البترول. ويقول احد الخبراء ان الثقة بدأت تعود من جديد, وهناك اهمية كبيرة لعامل الثقة في التحليل الأخير. قطاع البنوك برغم الارتفاع الكبير في عدد البنوك ومراكز الصرافة في الامارات فإن الخدمة المصرفية المقدمة للسوق اقل من المرجو. هناك 20 مصرفا محليا لها 260 فرعا وهناك نحو 40 مؤسسة صرافة و27 مصرفا اجنبيا مرخص لها بالعمل في السوق المحلية ولديها 110 افرع وكل هذه البنوك والفروع تخدم 3 ملايين نسمة. ورغم هذا التزاحم فإن غالبية المصارف تنمو, لكن هذا يعتمد بالطبع على الروايات وليس على الارقام. الحقيقة ان هناك مؤسستين من المؤسسات المصرفية المحلية وغالبيتها شركات مساهمة تنشر تقارير نصف سنوية عن أدائها. والوحيد الذي ينشر تقارير ربع سنوية عند الاداء هو مصرف رأس الخيمة الوطني. ولكن المصرفيين المحليين يقولون ان أداء البنوك كان جيدا خلال العام الجاري ويعربون عن الثقة في تحقيق أرباح ويرجع الفضل في ذلك الى ان البنوك تعمل في مناخ اقتصادي ملائم. والقطاع غير البترولي يخرج من دائرة كساد وهناك نمو قوي في بعض القطاعات وساهم كل من ارتفاع اسعار البترول وارتفاع مستويات الانتاج في تحسين المناخ الاقتصادي بصفة عامة. غير انه عند الكشف عن الميزانيات الختامية ليس من المتوقع ان يحقق الجميع نتائج طيبة, فغالبية البنوك متحفظة وعلى مدى التاريخ, من ناحية الاقراض. وقد أشرنا الى تشديد شروط واجراءات الاقراض عقب قضية مادهاف باتل وتذبذب اسعار الذهب العام الماضي ونتيجة ذلك ان معادلة القروض ــ الودائع في عدد من المؤسسات المصرفية المحلية لم تكن متوازنة. لكن الارقام قد تكون خادعة احيانا, فهناك مؤسسات مصرفية هامة تمر حاليا بتغيرات سوف يكون لها أثر عميق وفعال على قطاع المصارف المحلية. وأكبر دليل على ذلك هو بنك أبوظبي الوطني أكبر بنوك الدولة من حيث الاصول. فقد أدت الادارة الجديدة الى مفهوم جديد لدور البنك, فهو يهدف الى تنمية نسبة مساهمته في سوق خدمات التجزئة من 8% الى 50% على مدى الاعوام الخمسة المقبلة. وهناك دلائل على ان بنك دبي الوطني يحذو نفس الحذو واذا نجح المصرفان العملاقان في ذلك فسوف يكون نجاحهما على حساب بنوك صغيرة. لكن الخدمات المقدمة من البنوك (خدمات مالية) محدودة وتكاد تكون خدمات أساسية فقط وهو أحد اسباب قوة جذب الامارات للبنوك الاجنبية. عضوية منظمة التجارة العالمية وتؤدي لوائح منظمة التجارة العالمية عند تطبيقها الى القفز الى بعض الاستنتاجات, فيشعر البعض انه ستكون هناك موجة من الاندماجات بين البنوك المحلية من اجل الاستعداد للمنافسة الجديدة. لكن ليس هناك مجال واسع للمناورة كما يظن البعض نظرا لامتلاك حكومات الامارات لغالبية البنوك. والمثال على ذلك هو فشل محاولة اندماج بنك الامارات الدولي وبنك دبي الوطني, اذا كان مجلس ادارة كل من المصرفين يقاتل من اجل الاستقلالية وقد لا ترغب البنوك الدولية أو الاجنبية في التشمير عن ذراعيها ودخول سوق التجزئة كما يظن البعض. فقد تأتي المنافسة في شكل تقديم منتجات مصرفية مالية وليس من المحتمل ان تتوسع شبكة فروع البنوك المحلية نظرا لارتفاع التكلفة ومحدودية الفائدة, لكن المستثنيين من ذلك هما بنك دبي الاسلامي وبنك ابوظبي الاسلامي الملتزمان بالتوسع المكاني. بالنسبة للبنوك الاخرى فإن خدمات الانترنت والهاتف في النشاط المصرفي هي عوامل الجذب الأولى بسبب انخفاض تكلفتها ووصولها الى آفاق اوسع وابعد من الفروع المكانية التقليدية. كما تتيح هذه الخدمات ايضا تقديم خدمات على مستوى افضل وبدرجة مرونة اعلى لعدد اكبر من العملاء, وهذا ما سوف يميز الناجحين عن الفاشلين من البنوك المحلية. وسوف يكون الناجحون هم الذين يأخذون المبادرة ويبدأون قبل غيرهم. فقد ولت عهود تكريس الودائع والانتظار لحين قدوم فرص الاقراض. وسوف يتضح خلال العام المقبل من الذين يأخذون المبادرة والمبادأة. من ناحية اخرى تتواصل حركة التشجير والتخضير بالامارات لكن نشر المساحات الخضراء فيها لم يكن قليل التكلفة, فقد تم تحقيق هذا الحلم عن طريق استخدام مياه محلاه من الخليج لأن مستوى الأمطار في الامارات لا يتعدى 250 ملليمتر سنوياً. واشارت المجلة الى ان طاقة تحلية المياه في ابوظبي في ارتفاع مستمر. وتم استثمار مليارات الدولارات منذ 25 عاماً وحتى العام الماضي من اجل رفع طاقة التحلية بمقدار عشرين ضعفاً لتصل الى ما يقرب من 200 مليون جالون يومياً. لكن هذا الارتفاع قابله ايضا نمو كبير في الطلب على المياه, ولذلك لم يف هذا التوسع في الطاقة الانتاجية لتحلية المياه بالطلب بعد. وقد اعلنت دائرة مياه وكهرباء ابوظبي عن مشروع الشويهات المستقل لتحلية المياه وتوليد الطاقة ودعت الشركات الى التقدم بعروضها لتنفيذه في يوليو العام الجاري. وتشير الشركات العالمية الى ان ابوظبي تواجه نقصاً في المياه يصل الى 100 مليون جالون وهو ما يفوق الطاقة الحالية لتحلية المياه والمشروعات الجديدة المتعاقد عليها ايضا. وسوف يتحسن وضع المياه بحلول عام 2004 بتشغيل مشروع الشويهات بطاقة 100 مليون جالون يومياً, غير ان هذا التحسن سوف يكون مؤقتاً لانه بحلول عام 2010 سوف تحتاج ابوظبي لطاقة تحلية مياه تبلغ 660 مليون جالون يومياً بناء على متوسط معدل نمو الطلب على المياه الذي يبلغ 7% سنوياً من الآن وحتى ذلك التاريخ, والتوقع بشأن الطلب على المياه أمر في غاية الصعوبة خاصة في مدينة مثل ابوظبي. ويقول مهندس تحلية مياه ان أية كمية مياه تنتج هنا سوف تبتلعها شهية الاستهلاك فالطلب غير محدود والمياه هي العنصر الوحيد في التوسع الزراعي. وقد طلبت هيئة مياه وكهرباء ابوظبي من شركة كورية تنفيذ مشروع بقيمة 500 مليون دولار لزيادة طاقة التحلية في محطة أم النار بمقدار 5.62 مليون جالون يومياً من المياه ثم فازت شركة ايطالية بعقد بقيمة 170 مليون دولار لتركيب وحدات تحلية مياه بقدرة 5.7 ملايين جالون يومياً في منطقة المرفأ الغربية. وكلا العقدين يشير الى درجة الحاجة الماسة للمياه, لكن هذين المشروعين لم ينفذا بطريقة الانشاء والادارة كما حدث في مشروعات اخرى في ابوظبي, بل قامت حكومة ابوظبي بالتمويل المباشر في محاولة واضحة لتوفير الوقت. كما ان هناك حدودا قصوى صارمة مسموح بها للانتهاء من المشروعين. مشروعات المياه في الفجيرة من المتوقع تقديم طلبات الشركات لتنفيذ مشروع محطة تحلية بطاقة 100 مليون جالون يومياً في الفجيرة قريباً. ورغم وقوع المشروع في امارة الفجيرة الشمالية إلا ان ابوظبي سوف تساهم بقدر كبير في تمويل تكلفة المشروع التي تبلغ الف مليون دولار. كما ان 60% من انتاج هذا المجمع المائي الكبير سوف تضخ عبر انابيب بطول 180 كيلو متراً الى منطقة العين. وتحتل ابوظبي دائماً مكانة هامة على جدول أعمال شركات معدات ومصانع تحلية المياه. وقد بلغت هذا العام مكانة بارزة في دفاعها وتأييدها لأسلوب تحلية المياه وليس من المتوقع ان يتغير هذا الأسلوب. وقد تعلمت ابوظبي على مدى السنين ان تخضير الصحراء باهظ التكلفة. من ناحية أخرى يبدو أن المثل القائل بأنه إذا كان السكوت من ذهب فإن الكلام من فضة قد أتى أكله في إمارة الشارقة . و بخطى محسوبة أرسى صانعو القرار في الإمارة خطة التطوير الاقتصادي للشارقة على أربعة أعمدة رئيسية هي أولا النمو الصناعي وثانيا التنقيب وإنتاج الغاز الطبيعي و مكثفاته وثالثا تطوير قطاع التجزئة و أخيرا دعم قطاع السياحة حيث تتضافر هذه الأركان الأربعة في تمكين إمارة الشارقة من احتلال موقع متميز كقوة اقتصادية آخذة في النمو داخل الإمارات. وقد ساد الظن لبعض الوقت أن الشارقة ليس لها ما تقدمه كعنصر فاعل في حركة التطور الاقتصادي متسارعة الخطى التي تشهدها الدولة حاليا إلا أن هذه الصورة قد تبدلت في الآونة الأخيرة حيث تشهد إمارة الشارقة حاليا حركة دؤوبة في مجال البناء والتعمير في السنوات القليلة الماضية حيث د خلت البنية التحتية للإمارة في إطار جديد من التطور والنمو حيث وصف المراقبون هذه التحركات بأنها تغيرات سيكون لها أثرها البالغ على المجتمع. بالإضافة إلى ذلك بدأت إمارة الشارقة في الظهور على الساحة كأحد المواقع التي تلقى قبولا كبيرا بين الشركات الاستثمارية الصغيرة و المتوسطة الحجم حيث تختار تلك الشركات الشارقة كموقع لإرساء تواجدها داخل الإمارات حيث باتت المنتجات التي يتم تصنيعها حاليا في الشارقة تتنوع ما بين قطع غيار السيارات و المنتجات الاستهلاكية و أنواع الطلاء الصناعي وانتهاء بتوافر طبقات عمال الصيانة لمنشآت النفط والسفن ومنصات الإنتاج. ويؤكد الشيخ طارق بن فيصل القاسمي مدير دائرة التنمية الاقتصادية بالشارقة على أن مساهمة ناتج القاعدة الصناعية بالإمارة تشكل جزءاً كبيرا لا يمكن إغفالة من مجمل الناتج المحلي الصناعي للدولة حيث قدرت هذه المساهمة بـ 48% من مجمل الناتج الصناعي لدولة الإمارات مشيرا إلى أن فرص النمو كبيرة في الإمارة حيث ترى الحكومة أن من أهم واجباتها هو توفير الدعم والمساندة اللازمة لكل الأعمال التي تسعى لإرساء تواجد لها في الشارقة. والهدف ليس بالتأكيد الدخول في منافسة مع دبي أو حتى جارتها الشمالية عجمان و لكن الهدف الرئيسي هو خلق قاعدة صناعية مكملة في الشارقة وكما يرى الشيخ القاسمي فإن الفائدة التي تعود على الشركات الصناعية تتحقق فقط حال تسبب المنافسة المباشرة في هبوط الاسعار. وقد أصدرت دائرة التنمية الاقتصادية بالشارقة العديد من التراخيص للشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم التي ترغب في إقامة وحدات تابعة لها في داخل المناطق الصناعية المختلفة بالإمارة فعلى سبيل المثال تقف كل من المنطقة الحرة بالحمريه والمنطقة الحرة بمطار الشارقة الدولي كموقعين رئيسيين لجذب الصناعات المتخصصة والاستثمارية ذات رؤوس الأموال المركزة. وقد ركزت المنطقة الحرة بالحمرية على استضافة الصناعات الثقيلة والمتوسطة ففي الوقت الذي انطلقت فيه المنطقة عام 98 بـ 18 وحدة صناعية فقط بلغ عدد الوحدات الصناعية القائمة بها حاليا إلى حوالي 140 وحدة صناعية في حين تمارس نحو 500 شركة نشاطها من داخل المنطقة الحرة بمطار الشارقة الدولي حاليا مقارنة بانطلاقتها المتواضعة عام 96 و التي انحصرت في استضافة 65 شركة فقط. وقد يتبادر إلى الأذهان سؤال طالما يطرح على الساحة ومؤداه ما السبب الذي يدعا الشركات و المستثمرين إلى التوجه إلى الشارقة في الوقت الذي تشهد فيه الإمارات نموا وازدهارا كبيرين في عدد المناطق الحرة و جودة القائم منها بالفعل وهنا يرد الشيخ طارق بن صقر القاسمي ويقول بأن المناطق الحرة في الشارقة تمتاز بخاصية تقديم الخدمات التي تهتم بالتفاصيل الدقيقة حيث أن كلاً من المنطقتين الحرتين بالشارقة تخضع لإشراف فريق عمل متكامل والذي يعمل بدوره على ملاقاة حاجات و متطلبات الشركات العاملة بها. وقد حققت المنطقة الحرة بمطار الشارقة الدولي نتائج طيبة العام الماضي حيث وصل حجم الشحنات الجوية التي تمت مناولتها في المطار السنة الماضية إلى 600 ألف طن مع احتمال زيادة هذه الكمية العام الحالي كما تمتلك الشارقة قدرات جيدة في مجال النقل البحري حيث تتوقع الإمارة زيادة قدرها 10 % العام الحالي في حجم تعاملات ميناء خورفكان بالمنطقة الشرقية بمناولة مليون وحدة لأول مرة. كما تتضمن خطة الإمارة العمل على تشجيع مشروع المنطقة الصناعية الجديدة بالصقعة والتي تهدف لجذب المزيد من المشروعات والشركات الاستثمارية مع إمكانية النمو السريع حيث رصدت حكومة الشارقة مبلغ 120 مليون درهم تستثمر في مجال تطوير البنية التحتية للمشروع بحلول العام 2002. وفي قطاع النفط و الغاز والصناعات البتروكيماوية يمثل إنتاج الهيدروكربون 20 % من إجمالي الدخل المحلي لإمارة الشارقة والذي يقدر بنحو 200 مليون درهم في الوقت الذي تتواصل فيه جهود تطوير هذا القطاع حيث أظهرت آخر الاختبارات على حقل جديد يقع بالقرب من الحمريه إمكانية إنتاج 35 مليون إلى 50 مليون قدم مكعب من الغاز يوميا من الحقل الجديد في الوقت الذي ينتج فيه حقل الصقعة حاليا 500 مليون قدم مكعب من الغاز يوميا يتم بيع 350 مليون قدم منها إلى دبي. كما تضع الشارقة السياحة نصب أعينها كاحدى الركائز الرئيسية في عملية التطوير الاقتصادي للإمارة اعتمادا على التراث الثقافي و التاريخي بها حيث أوضح الشيخ طارق بن فيصل القاسمي أن الشارقة تتمتع بأربعة عشر متحفا في حين يجتذب مركز الحياة البرية بها 350 الف زائر سنويا. وأضاف الشيخ طارق بن فيصل القاسمي بأن خطة الشارقة لتطوير قدراتها السياحية تتضمن التخطيط لمنتجع سياحي جديد في (كلباء) كما تفتح الشارقة المجال أمام الشركات الخاصة لتطوير عدد من المنشآت السياحية بمنطقة البحيرة في الوقت الذي تحتاج فيه الإمارة إلى توسعة طاقتها الفندقية بإضافة ألف إلى 1200 غرفة جديدة من فئة الخمس وأربعة نجوم. ويسير تطوير القدرات السياحية للشارقة يدا بيد مع تطوير قطاع تجارة التجزئة حيث تعمل حكومة الشارقة على دعم و تشجيع هذا القطاع الاقتصادي الهام في الوقت الذي رصدت فيه حكومة الشارقة مبلغ مليار درهم سيتم استثمارها في بناء عدد من مراكز التسوق خلال السنوات القليلة المقبلة بينما تستثمر الحكومة أيضا مبلغ 200 مليون درهم في توسعة و تطوير مركز تسوق (التعاون) المملوك لها كما تشمل خطة التطوير إقامة عدد من مراكز التسوق الأخرى خلال الفترة المقبلة منها مركز النهدة و مركز ميجامول وسوق المدينة و مركز صحارا . ومع تغلب الشارقة على مشكلة المديونية في عقد الثمانينيات و التي أصبحت الآن مجرد ذكرى من الماضي سيحدد زخم العمل و سرعة الأداء على المحاور الأربعة لخطة التطوير لاقتصاد الإمارة مدى نجاحها خلال السنوات المقبلة. ويمتد النشاط ليشمل امارة الفجيرة التي يرى البعض انها يمكن ان تلعب دوراً شديد الاهمية في مجال تخزين النفط. وكما يرى محمد سعيد الكندي مدير ديوان صاحب السمو حاكم الفجيرة فإن مستقبل الامارة يرتبط بدرجة كبيرة بهذا القطاع. وتسعى الفجيرة الى وضع كود خاص بها مثلها مثل المراكز المهمة في مجال تخزين النفط وخاصة روتردام وسنغافورة. واذا ما تم ذلك, فسيكون هذا هو الكود الرئيسي في منطقة الشرق الأوسط بكاملها. واذا ما القينا نظرة على عدد الخزانات المتاحة فهناك ثلاثة خزانات لشركة امارات بسعة 50 الف متر مكعب واربعة خزانات لشركة ايبكو بسعة 100 الف برميل, و26 خزانا لشركة فوباك اينوك بسعة اجمالية تصل الى 720 الف متر مكعب, هذا علاوة على 24 خزانا لشركة مصفاة الفجيرة بسعة 422 الف متر مكعب وهكذا يكون اجمالي عدد الخزانات 57 خزانا. والعدد مرشح للازدياد. وهناك قائمة طويلة من المشروعات التي يتوقع الانتهاء منها في الفترة المقبلة وقائمة اخرى يتم التجهيز لطرحها على الشركات المحلية والدولية. ففي قطاع النفط والغاز هناك مشروع البنزين الخالي من الرصاص بابوظبي, ويتوقع ان نطرح مناقصته خلال الربع الثالث من العام المقبل من قبل شركة تكرير وتصل تكلفة المشروع إلى 400 مليون دولار. مشروع آخر مهم هو مشروع مصفاة الزيت الأولى بابوظبي وتشرف عليه ايضاً شركة تكرير وتصل الطاقة التكريرية المتوقعة إلى 300 الف طن سنوياً والتكلفة التقديرية تصل إلى 350 مليون دولار. هذا علاوة على تطوير مرافق الانتاج السطحية في بوحصا بتكلفة 150 مليون دولار, ومشروع تطوير مجمع تسييل الغاز الطبيعي في بوحصا ايضاً بتكلفة 50 مليون دولار. وفي قطاع توليد الكهرباء وتحلية المياه برز مشروع محطة الشويهات حيث ينتظر تقديم اربع مجموعات لعروضها قبل الموعد النهائي الذي تم تمديده حتى منتصف شهر فبراير المقبل. كذلك تجري التجهيزات اللازمة لمشروع محطة جبل علي (ل). يضاف إلى ذلك محطة الكهرباء ومجمع تحلية المياه بالفجيرة. وفي قطاع الانشاءات تجد مشروع مقر هيئة ابوظبي للاستثمار الذي تقدر تكاليفه بنحو 400 مليون درهم. وينتظر ترسية العقد قريبا حيث تقف شركة سامسونج الكورية الجنوبية كابرز المرشحين. وهناك مجمع الجابر التجاري بدبي والذي يقع على طريق الشيخ زايد ويبلغ ارتفاعه 45 طابقا في برجين متصلين وتبلغ المساحة الاجمالية 80 الف متر مربع. ومن المشروعات الضخمة الاخرى مشروع توسعة مركز برجمان ومشروع مدينة الغرير للتسوق, وكلا المشروعين في دبي, بينما في ابوظبي هناك مشروع مركز ابوظبي للمؤتمرات والذي سيقام بالقرب من مقر شركة ادنوك ومن المقرر ان يستضيف المركز القمة الخليجية المزمع عقدها بابوظبي عام 2004. وعلى صعيد مشروعات البنية التحتية والنقل, هناك مشروع سوق الخضروات والفواكه بدبي والذي تقدر تكلفته بـ 200 مليون درهم. وايضا مشروع توسعة مطار ابوظبي واقامة الصالة رقم 2 بتكلفة اجمالية تصل إلى نحو 620 مليون دولار. ومن المشروعات الاخرى الضخمة مشروع المعبر الثالث بابوظبي بتكلفة 220 مليون دولار. وهكذا تتواصل الحركة بنشاط في مختلف القطاعات لتحقيق المزيد والمزيد من التطور للامارات. (ميد)