مع توقعات هبوط الطلب العالمي في العام المقبل, وبمعنى آخر زيادة العرض على الطلب, تزداد صورة الاضطراب وعدم الاستقرار في سوق النفط العالمية وضوحا! محددات كثيرة تتداخل لتكون هذه الصورة, اقتصادية، وتسويقية وسياسية ـ بالطبع! ـ وحتى مناخية. ولن يمر وقت طويل حتى تبدو حقيقة الأوضاع في السوق النفطية أكثر وضوحا, وإن كان الوضع الحالي يفرض دراسة الاحتمالات الممكنة لأخذ ما يناسبها من استعدادات, ولن يمر وقت طويل كذلك حتى تتضح الإجابة عن سؤال نلمحه من بين ثنايا كلام د. نقولا سركيس: هل يبدأ اتجاه أسعار النفط في الهبوط؟ لاتزال أسعار النفط ـ حتى الآن! ـ فوق حاجز الثلاثين دولارا للبرميل, على الرغم من القرارين الأخيرين اللذين تم اتخاذهما من قبل منظمة الأوبك, الأول بشأن رفع سقف إنتاج المنظمة بمقدار 800 ألف برميل في اليوم, ليصل سقف الإنتاج إلى 26 مليونا و200 ألف برميل في اليوم, وذلك في الأول من أكتوبر الماضي. والثاني بشأن رفع السقف مرة أخرى إلى 26 مليونا و700 ألف برميل في اليوم, اعتبارا من 31 أكتوبر. وأيضا على الرغم من سحب 30 مليون برميل من الاحتياطي الاستراتيجي للولايات المتحدة خلال شهر في شكل اتفاقات تبادلية. وتشير الإحصائيات التي توافرت بنهاية أكتوبر الماضي, بجانب التقديرات الخاصة بالفترة الحرجة المتمثلة في شتاء نصف الكرة الشمالي, إلى أن العرض العالمي فاق حجم الطلب خلال الأربعة شهور الماضية, وأن الأمر سيظل هكذا خلال الربع الأول من العام 2001. وبعد ذلك يتوقع أن يهبط الطلب بمقدار مليوني و300 ألف برميل في اليوم في ربيع العام المقبل, وهو الأمر الذي سيؤدي إلى هبوط في الأسعار, إذا لم تقم الأوبك باتخاذ إجراءات كافية وفي توقيت مناسب, من أجل منع هبوط متوسط سعر خام أوبك وتجاوزه المدى الذي حددته المنظمة وهو من 22 إلى 28 دولارا للبرميل. وفي تقريرها النفطي الأخير, والذي نشر بتاريخ التاسع من نوفمبر الماضي, توقعت وكالة الطاقة الدولية أن متوسط حجم الطلب العالمي على النفط سيصل إلى 9.27 مليون برميل في اليوم في الربع الأخير من هذا العام والربع الأول من العام المقبل, وأن المعروض من خارج دول الأوبك سيصل إلى 5.46 مليون برميل في اليوم في الربع الأخير من هذا العام, وإلى 7.46 مليون برميل في اليوم في الربع الأول من العام المقبل. وأن حجم الطلب الناتج على خام ومخزون أوبك (مع استثناء كمية المكثفات التي يصل حجمها إلى 9.2 مليون برميل في اليوم) سيكون 5.28 مليون برميل في اليوم في الربع الأخير من هذا العام, كما في الربع الأول من العام المقبل. وعلى الرغم من ذلك فإن الإنتاج الحقيقي لدول الأوبك الإحدى عشرة ارتفع إلى 52.29 مليون برميل في اليوم في شهر أكتوبر, وهو ما يعني مليون برميل في اليوم زيادة عن المستوى المطلوب لضمان حدوث توازن بين الطلب والعرض العالمي. وباستثناء العراق, التي أنتجت 03.3 ملايين برميل في اليوم في أكتوبر, فإن إنتاجية دول الأوبك العشر ارتفعت إلى 49.26 مليون برميل في اليوم في أكتوبر, وهو ما يعني زيادة قدرها 290 ألف برميل في اليوم عن سقف الإنتاج البالغ 2.26 مليون برميل, والذي تم العمل به ابتداء من الأول من أكتوبر. وبعد الزيادة الأخيرة في سقف إنتاج المنظمة, والتي بلغت 500 ألف برميل في اليوم, فإن الإنتاجية الفعلية لدول المنظمة العشر يتوقع لها أن تصل إلى 27 مليون برميل في نوفمبر, هذا مع استثناء احتمالية أن تقوم بعض هذه الدول بزيادة إنتاجها عن المعدل المنصوص عليه! وهذا يعني أن الإنتاجية الحقيقية لجميع دول الأوبك الإحدى عشرة يمكن أن تتخطى الطلب على خام أوبك على الأقل بمقدار 5.1 مليون برميل, في الربع الأخير من هذا العام, وبمقدار 8.1 مليون برميل في الربع الأول من العام المقبل. وإضافة إلى الزيادة الحاصلة في حجم العرض, فإن بعض الدول غير الأعضاء يتوقع لها أن تزيد إنتاجها بأكثر من 800 ألف برميل العام المقبل. وفي جميع الأحوال وحتى إذا كانت التوقعات الخاصة بارتفاع إنتاج الدول غير الأعضاء في الأوبك ليست بالدقة اللازمة, فإن فائض العرض الحالي يدعم آراء هؤلاء الذين ينسبون المستوى المرتفع للأسعار إلى عوامل أخرى غير حجم العرض والطلب. العوامل الرئيسة المؤثرة في هذا الشأن هي المستوى المنخفض نسبيا في مخزون الدول الصناعية, ونقص قدرات النقل والتكرير, والمخاوف من زيادة أسعار وقود التدفئة على المستوى المحلي أثناء الشتاء المقبل, وتدهور العلاقة بين العرب والكيان الإسرائيلي, ومخاطر نشوب أزمة جديدة بين العراق والولايات المتحدة. ولاشك أن العامل الأخير يعتبر ممكنا للغاية, لاسيما بعد عودة العراق القوية إلى الساحة السياسية في الشرق الأوسط, والانهيار التدريجي للمقاطعة الدولية المفروضة على بغداد, وإمكانية إعادة فتح خط أنابيب العراق ـ سوريا دون موافقة مسبقة من الأمم المتحدة. وكيفما كانت نتيجة الانتخابات الأمريكية, فإنه من غير المحتمل أن الرئيس المنتخب سواء كان جمهوريا أو ديمقراطيا سيوافق على رفع العقوبات المفروضة على العراق, قبل فترة ليست بالقصيرة على أقل تقدير! ومن غير الممكن كذلك أن ذاك الرئيس لن يرد على أية مبادرة من بغداد تعني خرق قرارات الأمم المتحدة, مثل إعادة فتح خط أنابيب الكركوك وبنياس. وجميع هذه العوامل تفسر حالة العصبية التي تسود سوق النفط في الوقت الحالي, وأيضا حقيقة أن الأسعار تظل أعلى على الأقل بنحو 4 دولارات عن المفروض بسبب ما يحدث لحجم العرض والطلب من تذبذبات. وقد أدى القرار الذي اتخذته دول الأوبك العشر في الثالث عشر من نوفمبر, بشأن تجميد سقف الإنتاج عند 7.26 مليون برميل في اليوم حتى السابع عشر من يناير, إلى زيادة حالة العصبية هذه, وأدى كذلك إلى ارتفاع جديد في الأسعار. وسيكون موقف الأوبك مختلفا كليا بمجرد أن تنتهي فترة الشتاء, إذ يتوقع أن يحدث انخفاض في حجم الطلب العالمي أثناء الربع الثاني من العام المقبل بمقدار 3.2 مليون برميل في اليوم, كما ستؤدي الزيادة المتوقعة في إنتاج الدول غير الأعضاء في المنظمة إلى انخفاض الأسعار إلى مستوى يصعب التكهن به, ولكنه سيؤدي إلى انخفاض قيمة سلة أوبك إلى أقل من 22 دولارا للبرميل. وإذا قدر لمثل هذا الأمر أن يحدث, سيجد أعضاء المنظمة صعوبة في التوصل إلى اتفاق لخفض سقف الإنتاج. إن أحد أكبر المشكلات التي تواجه هؤلاء الأعضاء ستكون كيفية إرجاع العراق مرة أخرى إلى نظام الحصص الإنتاجية, والتزامها بالحصة التي سيتفق عليها الأعضاء. ولطالما كانت بغداد تطالب دائما بحصة معادلة لحصة إيران التي تبلغ الآن 917.3 ملايين برميل في اليوم, في حين أن حصة العراق حاليا لاتزيد عن ثلاثة ملايين برميل في اليوم. د. نقولا سركيس رئيس المركز العربي للدراسات البترولية بباريس