حتى الآن لم يسبب انخفاض سعر اليورو تراجعا في معدل النمو الاقتصادي الأوروبي او يخفض الانفاق الاستهلاكي او يرفع من معدل التضخم. قد يكون اليورو في اتجاه هبوطي, لكن وزير المالية الألماني لا يزال متفائلا حيث قال في وقت سابق لابد من توخي الهدوء بشأن سعر العملة, وكان هذا الكلام عقب انخفاض اليورو الى ما فوق 88 سنتا بقليل قبل شهر. وقال ان اهم شيء هو ان الاقتصاد الأوروبي يبلي بلاء حسنا. هذا النوع من التفاؤل امر محمود في اوروبا, لكنه يتزامن دائما مع مشكلات اقتصادية أو انباء اقتصادية سيئة. ولايزال هناك من يشعرون بالقلق بشأن سعر اليورو الذي لم يبلغ عامه الثاني بعد. ويقول هؤلاء اذا كان اليورو في اتجاه هبوطي فلا بد ان هناك شيء ما خطأ. لكن هذا الرأي ليس صائبا مئة بالمئة فالاقتصاد الأوروبي يسجل نموا ولا تزال أدلة وعلامات التوسع قوية. من المتوقع ان تسجل منطقة اليورو نموا بنسبة 3.6% خلال العام الجاري. كما ان معدل البطالة الأوروبي (في منطقة اليورو) بلغ 3% وهو اقل معدل له منذ مطلع التسعينات. وبرغم ارتفاع اسعار البترول, لايزال معدل التضخم الحقيقي (بدون الوقود والغذاء) اقل من 2%. والأهم من ذلك ان عجلة الاقتصاد في منطقة اليورو مدفوعة بالطلب المحلي المتزايد الذي يفوق الارتفاع القياس في الصادرات ايضا. تحول في الاتجاه هذا التغير في اتجاه الاقتصاد يعني انه اصبح اكثر مرونة وتكيفا مع العصر. ويقول كارلو فونتسيلي رئيس القسم الاقتصادي في دويتشه بنك ان الامور لم تكن بهذه الجودة منذ عقد من الزمان, وهو يقصد الأمور الاقتصادية بالطبع. لكن هناك نوع من المقارنة الدائمة والتاريخية بين النمو الأوروبي والنمو الأمريكي, الذي يفوق الأول, مما يجذب رأسمال أوروبي للاستثمار في الولايات المتحدة بحثا عن اعلى عائدات للاستثمار. تتجه اكثر من ثلاث مليارات دولار من المحافظ الاستثمارية الأوروبية الى الولايات المتحدة اسبوعيا وفق تقديرات خبراء في بنك باريبا الفرنسي. ولا تزال أكثر الشركات الأوروبية طموحا تفضل شراء اصول واسهم في الشركات الأمريكية بدلا من الاستثمارات في الدول الأوروبية. ويقول نيال فيتزجرالد رئيس تنفيذي مجموعة اغذية بريطانية هولندية هي يونيليفر ان الولايات المتحدة سوق واسعة نشطة وحيوية ولابد ان يكون لك مركز قوي فيها اذا اردت ان يدخل نشاطك نطاق العالمية. استثمارات كبيرة عبر الاطلنطي انفقت شركات في منطقة اليورو حتى الآن 200 مليار دولار حتى الآن خلال العام الجاري لشراء اصول امريكية برغم اتجاه اليورو للهبوط. بين هذه الشركات يونيليفر التي دفعت 20 مليار دولار لشراء بست فودز, ودفعت دويتشه تليكوم (الالمانية للاتصالات) 45 مليار دولار لشراء فويس ستريم, ودفعت فيفندي الفرنسية 31 مليار دولار لشراء سيجرام الكندية, التي تملك اصولا كبيرة في الولايات المتحدة. تحتاج هذه الشركات لأن يكون لها وجود في السوق الامريكية الواسعة, كما يقول ستيفن باريث نائب رئيس مؤسسة كيه بي إم جي للتمويل. ويضيف ان هذه الشركات تتعرض لضغوط كبيرة ايضا لتعزيز قيمة اصحاب الاسهم, والولايات المتحدة هي افضل سوق لتحقيق ذلك, حتى اذا كان الدولار قوياً مقارنة باليورو, لان هذه الشركات تحصل على عائدات افضل بالاستثمار في الولايات المتحدة, حتى بسعر الصرف الحالي. وتفسر هذه الاستثمارات التي تتدفق على الولايات المتحدة سبب فقدان اليورو اكثر من ربع قيمته منذ اطلاقه في بداية العام الماضي. ويفسر ذلك ايضا التوقعات بأن هذه العملة الواقعة تحت ضغوط لن تتعافى على المدى القريب. ويقول روبين مارشال مدير الابحاث الاوروبية في بنك تشيزمانهاتن فرع لندن قد يكون الساسة الاوروبيون ومسئولو البنوك المركزية الاوروبية على خطأ عندما يقولون ان سعر اليورو اقل من قيمته الحقيقية, بل يكون من المقنع الاعتراف بأن هذه هي القيمة الحقيقية له. بقية القصة لكن ليست القصة كاملة فهناك جزء آخر يكملها هناك آمال متفائلة في غالبية دول منطقة اليورو بسبب الاصلاحات الهيكلية التي اجرتها ولا تزال تجريها تلك الدول تقول ايوناها ميلتون المستشار الاقتصادي لاتحاد اصحاب الاعمال الاوروبي ان المانيا اتخذت بالفعل خطوات لخفض الضرائب وان دولاً اخرى مثل فرنسا تحذو حذوها ايضا. وسوف تحقق ميزانيات غالبية الدول في منطقة اليورو فوائض خلال العام الجاري, بسبب العائدات الاكبر من المتوقعة من الضرائب وعائدات تراخيص الهاتف المتحرك. ويؤدي رفع القيود إلى تعظيم المنافسة ويساعد على تخفيف اثر الارتفاع العالمي لاسعار البترول الذي يدفع معدلات التضخم. وكانت ارتفاعات الاجور خلال العام الجاري اقل من توقعات السوق. حتى اكثر رجال الاعمال قلقاً وشكوكاً لا يزالون يشعرون بالتفاؤل. يقول احدهم وهو رئيس شركة مشتركة امريكية اوروبية انه متفائل وان اوروبا بدأت تقترب في صورتها من الولايات المتحدة ويكون لها ايضا ميزات خاصة بها وبعملتها الموحدة واسواق رأسمال كبيرة ومعدل ضرائب معقول. الاقتصاد الجديد والمطلوب الآن هو ان تفيد اوروبا من اثر الاقتصاد الجديد وتشير كارمن نوزو المحللة في سالمون سميث بارني إلى ان الشركات الاوروبية تزيد من الانفاق على تكنولوجيا المعلومات كما ان انتاج معدات التكنولوجيا الفائقة والحواسيب الآلية في اوروبا في ارتفاع, وبلغ معدله 26% خلال الربع الاول من العام الجاري, مقابل 15% خلال العام الماضي. غير انه ليس هناك ما يدل على ارتفاع معدل الانتاجية مقابل هذا الارتفاع. ولابد ان يأتي ارتفاع الانفاق على التكنولوجيا الفائقة في المقدمة, وهناك بداية طيبة حالياً في اوروبا, الا ان امامها خيار واحد فقط هو ان تظل في السياق امام الجانب الآخر من الاطلنطي. انخفاض اليورو لا يعني فشله قد يكون اقتصاد منطقة اليورو يسير على ما يرام, لكن العملة الاوروبية الموحدة لا تزال في اتجاه هبوطي. والاغرب ان اليورو لم يرتفع استجابة لرفع اسعار الفائدة الاوروبية. فقد رفع البنك المركزي الاوروبي اسعار الفائدة ست مرات منذ نوفمبر العام الماضي, مع ذلك استمر اليورو في الاتجاه الهبوطي. وهناك كثير من الاوروبيين يقلقون حول ما إذا كان اليورو هو مخزن القيمة الذي يعتمدون عليه. وقد اثبت استطلاع في الرأي اجرى في المانيا ان ثلثي الالمان كانوا يفضلون لو ظلوا يتعاطون بالمارك الالماني فقط. من المؤكد ان الاتجاه الهبوطي لليورو يشكل مصدر قلق فهو يرفع اسعار الواردات وبالتالي يهدد بخطر ارتفاع معدل التضخم. كما انه ايضا يخفض ثقة الشعوب الاوروبية في العملة الاوروبية الوليدة, التي من المقرر ان يتم تداولها نقداً في يناير 2002. كما ان هناك مخاوف الا يستطيع البنك المركزي الاوروبي حماية العملة الاوروبية الموحدة بالطريقة التي يحمى بها البنك المركزي الالماني المارك مثلاً. فوائد ومزايا رغم كل هذا فإن اليورو سبب فوائد ومزايا كبيرة للقارة الاوروبية. فقد جمع 11 نظاماً مالياً (الدول الاعضاء) تحت مظلة واحدة, فخفض بذلك تكلفة رأس المال عن طريق ايجاد سوق اكثر عمقاً وسيولة ومرونة. ويعرف المسئولون في البنوك الاستثمارية ان الشركات الأوروبية تدفع الان مايقل بنسبة 5.0% في تكلفة رأس المال مقارنة بالفترة قبل تطبيق اليورو, وهذا قدر كبير عندما نتدحث عن مليارات الدولارات. ونتيجة ذلك ان الشركات أصدرت سندات واسهماً بكميات قياسية لم تحدث من قبل. الحقيقة ان السندات الصادرة باليورو العام الماضي فاقت السندات الصادرة بالدولار, وبلغ حجم هذه السندات الجديدة ماقيمته 600 مليار دولار. والأموال التي تجمعها هذه الشركات تستغلها في شراء اسهم شركات اخرى, ونتيجة ذلك أيضا هو اعادة هيكلة اقتصاد منطقة اليورو وتحول الشركات الى عالمية. يقول الرئيس التنفيذي لشركة فودافون ايرتاتش انه لولا وجود اليورو لكان من الصعب على الشركة ان تمول شراء مانسمان لقاء 183 مليار دولار. وقد دفعت فودافون العملاقة هذا التمويل مقابل اسهم قيمة باليورو. وقد ساعد وجود اليورو على ان تتنافس الشركات عبر أوروبا على رأس المال (الأصول). ويقول روبين مارشال مدير الابحاث الاقتصادية في بنك تشيزمانهاتن لندن ان هذا يعني ان الشركات بدأت تنتبه الى مايريده المستثمرون, الا وهو العائدات الأعلى, وترى المؤسسات الاستثمارية ان وجود اليورو سوف يرفع من قيمة الشركات الأوروبية بنسبة 10% بحلول عام 2004. ضغوط على الحكومات كما ان اليورو يشكل ضغطاً على الحكومات ايضا, فهو يجعل من المستحيل على منطقة اليورو ان تتنافس دولها من خلال سياسة المضاربة المالية, بل لابد عليهم ان يخفضوا الضرائب ويقومون بتيسير انظمة الضمان الاجتماعي واجراء اصلاحات اخرى. اذن الفوائد التي تجنيها دول اليورو من العملة الأوروبية الموحدة كبيرة, وقد تعيد الدول التي لم تنضم اليه النظر في ذلك لان الانخفاض لايعني الفشل. قصة نجاح أخرى لايزال أيضا كثير من رجال الاعمال الأوروبيين ينظرون الى اليورو على انه قصة نجاح كبيرة. فقد ساعد اليورو على حدوث طفرة في الصادرات الأوروبية. واشعل روح تنافسية كبيرة بين الشركات الأوروبية التي تعرف باسم الشركات التقليدية القديمة, وكسر الحواجز بين الحدود داخل أوروبا حتى تستطيع الدول الاعضاء الاحدى عشرة تكون مايسمى (يورولاند) أو منطقة اليورو. ويقول جورج جاكوب رئيس الاتحاد الأوروبي للصناعات ان اليورو أدى الى ظهور ثورة في استراتيجيات الشركات وحول طرق وأساليب الأعمال التجارية داخل أوروبا. فالكل يفكر الان على مستوى قاري أو عالمي لأنه لم يعد هناك سوق وطنية محلية كما كان الوضع من قبل. ويقول توماس ميدلهوف الرئيس التنفيذي لشركة برتلسمان الألمانية عملاق الاعلام, ان ظهور اليورو أيقظ الحكومات أخيراً وكذلك الشركات على الحاجة الى تبني وسائل تفكير جديدة واعادة هيكلة الاقتصاد من اجل المنافسة العالمية. ويضيف ان أكبر فائدة تحققت للشركات هي استقرار الاسعار الداخلية وانخفاض تكلفة الصفقات والتحويلات وارتفاع الكفاءة والمنافسة بزيادة الشفافية. وضعف اليورو الذي أذهل كثيراً من المحللين الذين توقعوا له ان يفوق الدولار الأمريكي, تحول الى نعمة بالنسبة للمصدرين الأوروبيين, فقد اعلنت شركة فولكس فوجن انها ستسجل رقماً قياسياً في عائدات الصادرات العام الجاري بفضل ارتفاع مبيعاتها الناتج عن انخفاض اليورو. كما ان شركات مثل سانت ميكرو للالكترونيات وصناعة اشباه الموصلات اعلنت عن تضاعف ارباحها ثلاث مرات بفضل ارتفاع المبيعات وانخفاض اليورو, على عكس الشركات الأمريكية التي حذرت من انخفاض مبيعاتها وأرباحها. ويؤكد بيدروسولبس المفوض الأوروبي للشئون الاقتصادية ان انخفاض اليورو لن يؤثر على مستوى معيشة دول اليورو وانهم لم يدفعوا اي مبالغ اضافية عند قضاء عطلاتهم في اسبانيا أو ايطاليا مثلاً, وان أسعار منازلهم لاتزال كما هي مقيمة باليورو, الا اذا كانوا يريدون بيعها ويشترون منازل في الولايات المتحدة, وهذا لن يحدث بالتأكيد.