دعا خبراء الاقتصاد في مصر الى تطوير التعاون الاقتصادي بين مصر واليابان وجذب المزيد من الاستثمارات اليابانية الى مصر موضحين أن اتفاق الشراكة الذي وقع بين البلدين مؤخرا يمثل أرضية جيدة لتطوير التعاون الاقتصادي. وأكد على ضرورة تغيير الميزان التجاري وعدم اقتصار الصادرات المصرية على المواد الأولية التي تتذبذب أسعارها وتتجه الى الانخفاض ورفع جودة المنتجات المصرية وخفض أسعارها وتبني سياسة تسويقية تقوم على النفس الطويل. وقالوا أن الاتجاه نحو الشرق: اليابان والصين والهند ينبغي أن يكون توجها استراتيجيا لمصر في الفترة المقبلة وألا تقتصر على الارتباط بالغرب. وطالبوا بإجراء دراسات عن السوق اليابانية لمعرفة فرص التصدير للسوق اليابانية ومراجعة عقود الوكالة والتركيز على نقل التكنولوجيا من اليابان الى مصر وإنشاء مكتب دائم لرجال الأعمال المصريين في اليابان. أشاروا الى أن نقص المعلومات لدى الجانبين يمثل عقبة كبيرة لتطوير التعاون الاقتصادي بين مصر واليابان. ويشير صدقي عابدين الباحث بمركز الدراسات الآسيوية بجامعة القاهرة الى حجم التبادل التجاري بين مصر واليابان موضحا أن الصادرات المصرية الى اليابان بلغت أقصى قيمة لها في عام 1981 حيث سجلت 157 مليون دولار في حين بلغت أقل قيمة للصادرات في عام 1988 عندما سجلت 58 مليونا وتراوحت الصادرات بين هذين الرقمين في العشرين عاما الأخيرة. ويرى أن الصادرات المصرية لليابان ضئيلة الحجم هزيلة الثمن إذ أنها لم تزد عن 834 مليون طوال عقد الثمانينات و3.997 مليون دولار طوال عقد التسعينات, في حين أن أقل قيمة للصادرات اليابانية الى مصر كانت في عام 1981 حيث بلغت 83 مليون دولار وكانت هذه هي السنة الوحيدة التي حقق فيها الميزان التجاري فائضا في صالح مصر في حين بلغت أقصى قيمة للصادرات اليابانية في عام 1998 حيث بلغت 9.1076 مليون دولار وبصفة عامة تتراوح الصادرات اليابانية خلال العشرين سنة الأخيرة بين مليار ونصف مليار دولار. ويضيف أن الصادرات اليابانية الى مصر تتزايد فقد بلغت طوال عقد الثمانينيات 4539 مليون دولار في حين بلغت في عقد التسعينيات 8.7561 مليون دولار. أي أنها زادت بنسبة 40% في حين أن الصادرات المصرية لليابان زادت بنسبة 17% في نفس الفترة. ويشير الى أن العجز الدا ئم في الميزان التجاري لصالح اليابان يرجع الى طبيعة ما يتم الاتجار فيه بين البلدين فمعظم الصادرات اليابانية الى مصر معدات وآلات ووسائل نقل وأجهزة كهربائية والكترونيات وهي سلع لا غنى عنها للسوق المصري في حين أن الصادرات المصرية معظمها من المواد الخام كالبترول ومشتقاته وهي مواد متذبذبة الأسعار بالاضافة الى القطن والأرز والخضروات المجففة والنباتات الطبية والعطرية والسجاد والسيراميك والملابس الجاهزة والمنتجات الجلدية. جودة المنتجات ويؤكد أن زيادة الصادرات المصرية الى اليابان رهن برفع جودة المنتجات المصرية وخفض أسعارها بحيث تستطيع المنافسة في السوق اليابانية مع منتجات الدول الأخرى. وأن تتوافر الإرادة لدى المصدرين المصريين وأن تقف الحكومة الى جوارهم. ومراعاة قواعد التعبئة والتغليف. وتبني سياسة تسويقية تقوم على النفس الطويل والاتصال المباشر بالسوق اليابانية من خلال إنشاء فروع للشركات المصرية في اليابان والمشاركة في المعارض المتخصصة التي تقام في اليابان مشيرا الى أنه يمكن تصدير الكثير من السلع لليابان إذا تمت مراعاة الذوق الياباني والاشتراطات الصحية والبيئية مثل المنتجات الغذائية والقطنية والجلدية. وعلى صعيد الاستثما رات يوضح صدقي عابدين أن الاستثمارات اليابانية في مصر تتوزع على 15 مشروعا بعضها استثمار ياباني خالص وبعضها استثمار ياباني مصري مشترك, تتمثل الاستثمارات اليابانية الخالصة في الاستثمارات البترولية حيث أنشأت اليابان ثلاث شركات في مجال الاستكشافات البترولية باستثمارات تقدر بحوالي 120 مليون دولار. مشيرا الى أن الاستثمارات اليابانية في مصر يبلغ حجمها 180 مليون دولار حتى نهاية عام 1998 من إجمالي الاستثمارات اليابانية في العالم والذي يقدر بـ40 مليار دولار. يخلص الى أن إنشاء مكتب داخل الهيئة العامة للاستثمار مؤخرا سو ف يزيد من حجم الاستثمارات اليابانية في مصر. حرب أكتوبر ويرى السفير وهيب المنياوي سفير مصر السابق في اليابان أن العلاقات الاقتصادية والعلاقات عموما ـ بين مصر واليابان هي انعكاس لأوضاع البلدين ومواقفها على الساحة الدولية مشيرا الى أن مصر منذ السبعينيات والثمانينيات لم تكن تعطي اهتماما كبيرا لعلاقاتها الآسيوية وكان كل توجهها الى الغرب رغم وجود علاقة قديمة بين مصر واليابان فقد أرسلت اليابان بعثة تعليمية الى مصر في عام 1862 وكانت مصر متعاطفة مع اليابان في حربها ضد روسيا, لكن اليابان بعد الحرب العالمية الثانية انكفأت على نفسها لإعادة بناء الاقتصاد الياباني بالإضافة الى أن وجود القوات الأمريكية في اليابان في إطار علاقة الشراكة الاستراتيجية بين البلدين. لم يجعل لليابان سياسة خارجية ذات ملامح واضحة. ويشير الى أن توجهات اليابان شهدت تغيرا جوهريا نحو الشرق الأوسط بعد حرب أكتوبر 1973 بعد أن حققت طفرة اقتصادية وأصبحت الدولة الثانية في العالم على الصعيد الاقتصادي موضحا أن التوجه نحو الشرق الأوسط كان بهدف حماية المصالح الاقتصادية اليابانية حيث تستورد اليابان 99% من احتياجاتها البترولية من الدول العربية ولذلك اتخذت علاقتها بمصر منحى جديدا لكن اهتمام مصر باليابان كان محدودا في ذلك الوقت. ويؤكد أن اليابان بدأت تطوير علاقاتها الاقتصادية مع مصر من خلال تقديم مساعدات عبر برامج قروض الين منذ عام 1973 والتي توقفت بسبب تعثر الأحوال الاقتصادية في مصر وعدم القدرة على السداد. لكن اليابان في عام 1990 قررت إعفاء مصر من نصف ديونها التي تقدر بمليارين ونصف المليار دولار بالإضافة الى أنها أعلنت عن استعدادها لمنح قروض جديدة لمصر. ويطالب السفير المنياوي مصر بتطوير علاقاتها الاقتصادية مع اليابان مشيرا الى أن توقيع إتفاق الشراكة بين البلدين يمثل الأرضية الراسخة التي ينبغي أن نؤسس عليها علاقاتنا الاقتصادية المشتركة وحتى لا يظل إرتباطنا في إتجاه الغرب وحده. لان القرن الحالي سوف يشهد تطورات عديدة في مقدمتها زوال الأقطاب وعلينا أن ننظر شرقا الى الصين والهند واليابان وأن يكون ذلك توجها إستراتيجيا لمصر. ويوضح أن اليابان تحكمها في سياستها الخارجية أنها ترتبط بتحالف استراتيجي مع الولايات المتحدة, لكن هذا لم يمنع وجود حروب تجارية بين البلدين فالميزان التجاري بين أمريكا واليابان يميل لصالح اليابان بمتوسط 60 مليار دولار سنويا, وتحاول أمريكا بكل قوة الدخول الى السوق اليابانية, وهذا التحالف الاستراتيجي يؤخذ في الاعتبار عند تفسير السلوك الياباني على الساحة الدولية. ويرى أن برامج التعاون الثلاثي بين مصر واليابان وطرف ثالث حقق نتائج جيدة في إفريقيا واستفادت منه السلطة الفلسطينية بالإضافة الى وجود التقاء بين مصر واليابان في المطالبة بمقعد دائم في مجلس الأمن وتوسيع قاعدة الأعضاء الدائمين. ويؤكد أن زيادة الصادرات المصرية الى اليابان رهن تجويد المنتجات المصرية وخفض أسعارها. الميزان التجاري ويؤكد الدكتور محمد السيد سليم مدير مركز الدراسات الآسيوية بجامعة القاهرة على ضرورة دراسة قضايا الاتفاق والاختلاف بين مصر اليابان سواء على الصعيد الاقتصادي أو السياسي والاستفادة من مواضع الاتفاق ومحاولة التغلب على مواضع الاختلاف. ويرى أن هناك اختلافاً جوهريا بين مصر والدول العربية من جانب وبين اليابان من جانب آخر في قضية ضبط التسلح في الشرق الأوسط ونزع الأسلحة النووية فاليابان تؤيد المشروعات الأمريكية في هذا المجال وتدعو الى نزع الأسلحة الكيمياوية والبيولوجية وتأجيل نزع الأسلحة النووية الى ما بعد تحقق السلام في الشرق الأوسط وهذا يختلف عن الموقف المصري الذي يطالب بنزع جميع الأسلحة في وقت واحد لأن التدرج في نزعها يؤدي الى الهيمنة الإسرائيلية على الشرق الأوسط لأنه بذلك تصبح إسرائيل هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي تمتلك أسلحة الدمار الشامل. وعلى المستوى الاقتصادي يطالب الدكتور السيد سليم بتغيير كفة الميزان التجاري بين البلدين من جانب مصر فلا تقتصر على تصدير المواد الأولية في مقابل استيراد المواد المصنعة وأن تحاول مصر تصدير مواد مصنعة لأن المواد الخام تتدهور أسعارها وهذا يتطلب إصلاحات داخلية وفهم السوق اليابانية والمبادرة الذاتية من جانب رجال الأعمال للنفاذ الى السوق اليابانية وإنشاء مكتب دائم لهم في داخل اليابان والتعاون للاستفادة من مجموع الإمكانيات بدلا من الإمكانات المحددة لكل رجل أعمال بمفرده وإجراء دراسات عن السوق اليابانية توضح فرص التصدير للسوق اليابانية وأن يكون لنا تواجد مستمر في السوق اليابانية حتى نفهم الذوق الياباني. ويدعو الى إلغاء نظام الوكالة حتى لا يصبح كل هم رجال ا لأعمال المصري الحصول على توكيل لشركة يابانية لبيع منتجاتها في مصر. أسوة بدول النمور الآسيوية مشيرا الى ضرورة مراجعة عقود الوكالة والتركيز على فكرة نقل التكنولوجيا على غرار ما حدث في النمور الآسيوية بدلا من الاقتصار على نظام الوكالة والتدريب. ويؤكد على ضرور ة دراسة التجربة الأردنية فقد أعفت اليابان الأردن من جميع الديون المستحقة لليابان فإذا كانت اليابان قد أعفت مصر من نصف ديونها فإننا في حاجة الى آلية مشابهة للتخلص من باقي الديون. الصين ويرى المستشار غالي حمزة عبود عضو مجلس الوحدة الاقتصادية العربية أن العلاقات العربية اليابانية لم تكن بنفس قوة العلاقات العربية الصينية حيث كانت الصين بصفة دائمة مؤيدة للخط العربي ومناصرة لقضايا الاستقلال السياسي والاقتصادي على عكس اليابان والتي لم تتجه نحو الدول العربية إلا بعد أزمة البترول في عام 1973 أثناء حرب أكتوبر. ويشير الى أن إسقاط اليابان لنصف الديون المصرية لا يعني شيئا في ظل العلاقة التاريخية بين البلدين. ويطالب بتطوير التعاون الاقتصادي بين مصر واليابان حتى يصل الى درجة التكافؤ وأن يركز المنتج المصري على جودة المنتج وخفض السعر, والاهتمام بالتغليف والتسويق مشيرا الى ضرورة إيجاد نوع من التبادل العادل وتنمية الطاقات المشتركة وفرص العمل. نقص المعلومات ويرى الدكتور سعد حافظ محمود الأستاذ بمعهد التخطيط القومي أن اليابان إحدى الدول الكبيرة المرتبطة بالنظام العالمي مشيرا الى أن مصر لا يزال دورها ضعيفا في هذا النظام. ويؤكد أن الترويج للصادرات المصرية ومحاولة جذب الاستثمارات اليابانية لمصر مسألة شائكة لا يكفي معها ترديد المقولات العامة مثل التركيز على الجودة وخفض الأسعار مشيرا الى ضرورة فهم طبيعة الأسواق وطبيعة الاحتياجات اليابانية ويشير الى أن نقص المعلومات حول التجارة والتبادل والتعاون التكنولوجي يعوق التعاون الاقتصادي بين البلدين ويدعو الى إقامة بنية تكنولوجية بالتعاون مع اليابان وتشجيع الاستثمارات اليابانية المباشرة ليس مع الحكومة وحدها وإنما مع القطاع الخاص أيضا.