هل يمكن للعلاقات التجارية ان تزيل الحدود بين بلدين متجاورين؟ هل يمكن لتبادل السلع والخدمات ان يعيد حقاً تعريف ما هو (وطني)؟ بل هل يمكن لهذا التبادل ان يعيد صياغة مفاهيم مثل (السيادة) و(الاستقلال) و(الوحدة).. الى آخر قائمة ما نشأ عليه جيل كامل في منطقتنا, هو ذلك الذي تفتح وعيه خلال النصف الثاني من القرن الماضي؟ حتى وقت قريب كان هذا الاحتمال يبدو نظرياً, يمكن قراءته, بل والكتابة عنه احياناً, دون ادراك حقيقي لجدية الموضوع, اذ يصعب على المرء عادة ان يستوعب انقلاباً جذرياً بهذا العمق في كل قناعاته التي نشأ عليها.. ولكن لحظات من التأمل وخلال عبور الحدود الامريكية ــ الكندية ــ قبل أيام, كانت تكفي لاخراج هذه القناعات من كهوفها القديمة المطمئنة, وتعريضهما لتساؤلات لاتتوقف. طابور الشاحنات على الطريق الذي يصل بين كويبك ونيو انجلاند يمتد لمسافة 30 كيلو متراً على الجهتين, في انتظار عبور الحدود, وذلك رغم ان سلطات الجمارك على الجانبين, الامريكي والكندي, اتفقت على تحويل اجراءات العبور الى اجراءات شكلية. وفي القطار دار حوار مع ثلاثة من الكنديين المتقاعدين ممن كانوا يقضون عطلة نهاية الاسبوع في بوسطن.. وكان الموضوع هو: متى يحدث (المكتوب)؟ اي متى تتحول كندا الى (ولاية) امريكية تحت مطرقة (الاندماج) التجاري المتزايد؟ الكنديون منقسمون فيما بينهم. ولكن اذكى الاراء جميعاً هو ذلك الذي قاله طبيب عجوز من ثلاثي المتقاعدين (تمضي التجارة بين البلدين لتفرض اعتماداً متزايداً من كل على الاخرى, وخلال ذلك تتآكل الحدود تدريجياً دون ان نشعر. وذات لحظة ستسقط كل الفوارق بمجرد هبة ريح خفيفة, اذ لن يكون لها جذور). ولكن لنعد الى الارقام, فهي كفيلة برسم الملامح الواقعية لما يحدث.. حجم التبادل التجاري بين البلدين في الساعة الواحدة ــ بلى.. الساعة الواحدة ــ يبلغ 45 مليون دولار, ويعني ذلك ان حجم التجارة الأمريكية ــ الكندية في العام هو نحو 450 مليار دولار, وهذا بالفعل الرقم الرسمي في دفاتر البلدين. وتصدر مقاطعة أونقاريو وحدها الى الولايات المتحدة ما يفوق صادرات اليابان الى أمريكا. وقد اسفر ذلك عن اعتماد الدولار الامريكي (عملة اجراء الحسابات) في شركات كندية كثيرة, بل ان الدولار الامريكي اصبح ايضاً عملة للشراء والبيع في كافة ارجاء مقاطعة كويبك (الفرنسية) جنباً الى جنب مع الدولار الكندي. عدد سكان كندا لايتجاوز 30 مليون نسمة, بالمقارنة مع 270 مليون امريكي, وثمة 37% من الكنديين يرون انه لامناص, ان عاجلاً أو آجلاً, من ان (تبتلع) الولايات المتحدة بلادهم, فيما لايرغب في حدوث ذلك 88% من السكان.. ولكنهم ــ يسلمون مع ذلك ــ بأن الحيلولة دون ذلك قد تكون امراً مستحيلاً, ذلك ان عالم المال والاعمال في كندا يرغب في حدوثه. ففي الاسبوع الماضي نشر معهد سي. دي. هاو للدراسات في تورنتور وهو معهد معروف بأنه يعكس وجهة نظر الشركات الكندية الكبرى ــ دراسة اوصى ــ في نهايتها بالغاء الدولار الكندي, واعتماد الدولار الامريكي كعملة رسمية للتعامل.. وقامت الدنيا, ولم تقعد حتى الان. الامريكيون امتنعوا عن التعليق, فهم يدركون حساسية الموضوع. اما الاحزاب السياسية الكندية فقد شنت حملة شعواء على اقتراح المعهد, مما ادى برئيس الوزراء جان كريتيان الى الوقوف على منصة البرلمان صباح الخميس الماضي والتعهد علناً بأن يبقى الدولار الكندي عملة البلاد (الى الابد). ولكن ترى من بوسعه الحديث هذه الايام عن (إلى الابد) هذه؟ كل الاشياء تتغير, ولابد ايضا ان (الابد) هذا يتعرض لإعادة تعريف ليصبح مثلاً (عامين).. او (ثلاثة اعوام), او عقد كامل من الزمن, رغم صعوبة التكهن ايضاً بما يمكن ان يحدث في نهاية عقد كامل. بل ان كريتيان نفسه قد يغير رأيه لو ترك الحكومة والتحق بعالم المال والاعمال كما يفعل رؤساء الوزراء الكثيرين عادة عند تقاعدهم. فاحد القوى المحركة لعملية التخلي عن الدولار الكندي هو رئيس الوزراء الكندي السابق برايان مالدوني الذي تحول بعد مغادرته لمنصبه لاحد اكثر رجال الاعمال نفوذاً, بل وإلى الناطق الرسمي باسم هذه الشريحة من المجتمع. فها هو كريتيان يقول لهيئة الاذاعة الكندية عقب نشر دراسة معهد سي.دي .هاو انني بالتأكيد احبذ التخلص من هذا الحشو الفارغ الذي نراه على الحدود, محطات الجمارك واوراق العبور وكل هذه الامور. انها تعوق انتقال البضائع والخدمات. ثم ان بامكاننا بحث الاقتراحات المطروحة حول التعامل بالدولار الامريكي دون حساسيات وتوتر.. الامور يجب ان تقاس بما هو مفيد لنا). وهي عبارة قاطعة بل ومؤلمة احياناً: ما هو مفيد لنا.. ترى هل كنا نعيش وهماً كبيراً حين لم ندرج هذه العبارة في قاموس الافكار التي نشأنا عليها في منطقتنا؟ هل كان من قبيل البلاهة الجماعية ان نتحدث عن الاستقلال والوطن والسيادة دون ان نحسب (ما هو مفيد لنا) في كل ذلك؟ ثم هل كان طرق باب الوحدة من مدخل سياسي ـ وليس تجارياً او اقتصادياً ـ هو (خطأ تاريخي) ارتكبه جيل بأكمله؟.. اسئلة محيرة, يخشى المرء ـ من نفسه اساساً ـ ان يتصدى للاجابة عليها, فمن يدري, ربما كنا جميعاً (دقة قديمة) لا تصلح لعالم اليوم. ربما كان الواقع قد جعل من مفاهيمنا ـ بل ومنا ايضاً ـ جزءاً من متحف تاريخ لا يتوقف عن التبدل بسرعة تدير الرؤوس. ولكننا قد نجد في كندا بعض السلوى. فالمعارضة لاعتماد الدولار الامريكي, وللاندماج مع الولايات المتحدة لا تزال قوية. يقول احد الناطقين باسم هذه المعارضة, وهو كاتب ومؤرخ, يدعى بيتر نيومان ويحظى باحترام واسع في بلاده) ان امركة اقتصادنا وصلت إلى نقطة ينبغي ان تقلقنا جميعاً. فكندا في طريقها للتحول إلى ملحق للولايات المتحدة ذات الاقتصاد الاقوى منا بمئات المرات. ان رايتنا الوطنية ستصبح شيئاً رمزياً تافهاً فور تحول كندا إلى ولاية امريكية تتمتع باستقلال اسمي, على الورق ولاتملك حكومتها او برلمانها اتخاذ قرار يتناقض مع التيار ؟؟ لهذا الاندماج الاقتصادي والتجاري. انها نهاية مؤلمة لبلد باكمله, وهي نهاية يجب ان يقاومها جميع الكنديين). وينصت المرء بهدوء لبيتر نيومان الا ان ما يلح على الرأس هو سؤال (عملي): ترى هل يمكن بالفعل مقاومة هذه النهاية؟ هل يمكن لرغبات الناس ان توقف تحولاً موضوعياً يفرض نفسه ببطء ولكن بثبات بارد لا يحيد؟ الكنديون موزعون الآن بين اتجاهين مختلفين, عين تنظر إلى (الراية الوطنية) وعين تنظر إلى (ما هو مفيد لنا). ذلك ان تجارتهم مع الولايات المتحدة هي اساس الاقتصاد الكندي الآن واهم اعمدته على الاطلاق. وقف هذا التدفق التجاري يعني خسارة صافية. فهل يخسرون من اجل ما يعتبره مالروني (مجرد عبارات وحشو فارغ)؟ اما الامريكيون فإنهم ينتظرون بصمت. المسئولون لا يعلقون ولكن احد اهم دراسات معهد كارينجي الامريكي في واشنطن حول هذا الموضوع (نشرت قبل ثلاثة اسابيع) تتوقع ان تصبح كندا جزءاً من الولايات المتحدة خلال 25 عاماً. ولابد ان الساسة الامريكيين يفكرون الآن. كم مقعد انتخابي في (المجمع) اياه سنعطيها لهذه الولاية الجديدة؟