في الوقت الذي ترتفع فيه اسعار البترول فإن اسعار السلع الاخرى مستقرة ويمثل سلوك البترول والسلع الاخرى خلال العامين الماضيين تجربة مذهلة بالنسبة لخبراء الاقتصاد. لقد تضاعف سعر الذهب الاسود ثلاث مرات منذ العام الماضي ليفوق 30 دولاراً للبرميل في الوقت الذي لم ترتفع فيه اسعار السلع الاخرى الا النذر اليسير. وقد يؤدي هذا الاختلاف (في اتجاهات الاسعار) إلى وضع نهاية للجدل الدائر حول ما اذا كان ارتفاع سعر البترول قد يدفع بالعالم إلى دائرة من الكساد مرة اخرى. ويتضح اثر سعر البترول على التضخم في اسعار المستهلكين خاصة في الولايات المتحدة حيث بلغ المعدل السنوي لارتفاع التضخم 5 .3% وبلغ معدل نمو التضخم السنوي باستثناء الغذاء والطاقة 6 .2%. وبلغ معدل التضخم في منطقة اليورو 8 .2%, وباستثناء الغذاء والطاقة بلغ المعدل 4 .1%. ويتفق خبراء الاقتصاد على ان السؤال المطروح هو ما اذا كان هناك تلازم حتمي بين معدل التضخم والكساد بالصورة التي حدثت في السبعينات. لكن الخبراء يختلفون حول مدى مسئولية التضخم/الكساد عن اسعار سلعة واحدة والعكس بالعكس. هناك تفسير للازمة الاقتصادية العالمية في السبعينات يلقي باللوم على منظمة الدول المصدرة للبترول (الاوبك). فقد افاد هذا التفسير بأن الارتفاع في اسعار البترول في السبعينات سحب الثروة من الدول المستهلكة للبترول واضر بمعدل الانتاجية وادى إلى ارتفاع فلكي في الاجور. ومن المؤكد ان هذا الارتفاع كما يرى الخبراء هو الذي اطلق الشرارة اذا لم يكن هو السبب الوحيد لتوقف الطفرة الاقتصادية في فترة ما بعد الحرب (العالمية الثانية). وهناك تفسير آخر يرجع السبب في ذلك إلى الاخفاق الاقتصادي على نطاق اوسع والذي نتج عن الارتفاع الكبير في الانفاق الحكومي الامريكي لرفع تكاليف حرب فيتنام وبرنامج لندون جنسون من اجل المجتمع العظيم, حيث تم تحطيم نظام الصرف العالمي, وايضاً بسبب قرار البنك المركزي الامريكي بخفض اسعار الفائدة في عام 71/1972. بحسب هذا التفسير الاخير فإن ارتفاع اسعار البترول في السبعينات كان مجرد عرض وليس هو السبب او المرض, في الطفرة الاقتصادية لفترة ما بعد الحرب. ويشير هذا الرأي إلى تزامن ارتفاع اسعار السلع الاخرى كدليل على ارتفاع الطلب العالمي وانه كان الملمح الرئيسي لمطلع السبعينات وليس ضوابط منظمة الاوبك او سلوكها. مثال ذلك ان اسعار خردة المعادن والاخشاب ارتفعت في فترة السبعينات. حتى الآن لم يحسم هذا الجدل لان السلع غير البترولية اعتادت ان تحذو حذو اسعار البترول في الارتفاع او الانخفاض. لكن خلال فترة العامين الماضيين لم ترتفع اسعار السلع غير البترولية الا بنسبة 2% فقط. وانخفضت اسعار السلع الزراعية بنسبة 6%, في الوقت الذي ارتفعت فيه اسعار الخامات الصناعية بنسبة 15% فقط. ولاول مرة يمكن تحييد اثار اسعار البترول على هذه التطورات في اسعار السلع الاخرى. ويعتقد اندرو ازوالد الاستاذ في الاقتصاد بجامعة وارويك ان البترول سلعة فريدة لان له تأثير فريد على قطاع الشحن والنقل. ويقول انه ليس هناك سلعة في العالم تعادل في اهميتها واثرها اهمية واثر الذهب الاسود لكن سعر البترول لم يرتفع ابداً كما ارتفع العام الماضي دون ان يسبب كساداً عالمياً. وهناك خبراء اقتصاديون آخرون يقللون من اهمية تأثير اسعار البترول. ويقول لوتز كيليان الاستاذ بجامعة ميشيجان انه لا يعتقد ان هناك اي سبب يدعو للاعتقاد بحدوث تضخم/كساد في الوقت الحالي. ويؤمن بأن انخفاض معدلات التضخم الحقيقي (بدون اسعار الغذاء والوقود) وارتفاع اسعار الفائدة نسبياً يعني ان المستقبل الاقتصادي للولايات المتحدة والعالم يشبه ما كان الوضع عليه خلال فترة الستينات وليس السبعينات. وهناك آثار للدورة السعرية الثانية تظهر في الولايات المتحدة واماكن اخرى من العالم. فقد ارتفعت اسعار النقل الجوي واسعار خدمة الطرود. وارتفعت اسعار المشروبات في الولايات المتحدة بسبب ارتفاع اسعار النقل. غير ان التوقعات ظلت منخفضة بشأن معدلات التضخم. ويتوقع الامريكيون ان يكون اثر ارتفاع اسعار البترول مؤقتاً. ويعترف الاستاذ اوزوالد بأنه لا يوجد ثمة دليل على ان الاقتصاد العالمي يدخل مرحلة كساد. والحقيقة ان صندوق النقد الدولي رسم مؤخراً صورة وردية للاقتصاد العالمي على مدى العقد المقبل. لكنه يتوقع ان يكون التراجع في معدل نمو الاقتصاد الامريكي خلال الربع الثالث من العام هو الهدوء الذي يسبق العاصفة. ويقول ان اثر التراجع البطىء او السريع للنمو الاقتصادي يتشابه دائما في البداية. وقد يمكن التوصل لحكم صائب في هذا الخصوص بعد مرور عام على بداية هدوء الاقتصاد. وفي الوقت نفسه فإن التغيرات الهيكلية في العالم المتقدم بما في ذلك برامج الخصخصة وازالة القيود وضعف النقابات العمالية اسباب تدعو للتفاؤل. ويقول بول دونوفان الخبير في مؤسسة واربورج ان الارتفاع في اسعار البترول ليس هو سبب انتشار الذعر وفي السبعينات ارتفعت الاجور بشكل فلكي لأن اسواق العمالة لم تكن مرنة. وكان الاقتصاد في ذاك الوقت يختلف عن الوضع الاقتصادي الحالي تماماً. ويتوقع المحللون ان يبدأ سعر البترول في الانخفاض بمجرد انتهاء فصل الشتاء في ضوء ان الانتاج العالمي يفوق الاستهلاك بمقدار مليون برميل يومياً. وقد تكون هذه اول صدمة بترولية يستطيع الاقتصاد العالمي ان يتجاوزها دون خسائر تذكر.