الأسواق الأمريكية تدفع ثمن تأخر نتائج الانتخابات الرئاسية

قبل الانتخابات الأمريكية كان هناك اعتقاد سائد بأن استمرار السياسات الاقتصادية الأمريكية واحكام هذه السياسة وكذلك استمرارها سوف يكون لمصلحة الأسواق خاصة الاسهم والسندات فالاقتصاد الأمريكي، حقق انجازات تعتبر تاريخية من ناحية معدلات النمو وانخفاض معدل البطالة خلال الفترة الأخيرة من حكم الديمقراطيين مع وجود اغلبية للجمهوريين في مجلس الكونجرس مما اتاح الفرصة لكلا الطرفين لمراقبة كثيفة على الطرف الآخر والحد من شططه. وهكذا حصل المستثمرون على افضل مما كانوا يتوقعون نتيجة هذا الوضع السياسي بما عكسه على الوضع الاقتصادي. لكن هذه الامال في استمرار السياسة المالية والاقتصادية تحولت الى مخاوف عندما تعثر اعلان نتائج الانتخابات الرئاسية نتيجة للفارق الضئيل في تفوق احد المرشحين على منافسه واللجوء الى اعادة العد وفرز الاصوات وطريقة يدوية مما جعل المستثمرين يتساءلون عن مصير السياسة الاقتصادية عقب فوز احد المرشحين, كما تذكروا انخفاض مؤشرات البورصة في ابريل العام الجاري. وعندما اعلن ويليام ديلي رئيس الحملة الانتخابية الرئاسية لنائب الرئيس الأمريكي آل جور المرشح للرئاسة عن اعادة وعد وفرز الاصوات يدويا في اربع مقاطعات بولاية فلوريدا, انخفضت كل مؤشرات البورصة الأمريكية في نفس اليوم من الاسبوع الماضي. وخلال الايام الثلاثة التالية لادلاء الامريكيين بأصواتهم في الانتخابات انخفض مؤشر ناسداك الذي يعبر عن اسهم الشركات التكنولوجية الفائقة بنسبة 11%, وكان هذا المؤشر حتى الربيع الماضي هو أمل المستثمرين في الاسهم في الولايات المتحدة سواء كانوا محليين او اجانب. كما اغلقت صناديق الاستثمار الامريكية المختلفة في نهاية الاسبوع بانخفاض بنسبة 2% وفق تقديرات خدمة مودي الاستثمارية التابعة لمؤسسة مودي للتقييم والابحاث المالية. وتأثر مؤشر ناسداك مرة اخرى ايضا بنتائج شركة هيولت باكرد للحاسب الآلي والطابعات, ثاني اكبر شركة في الولايات المتحدة في هذا المجال, وعقب اعلان من شركة ديل للحاسب الآلي بانخفاض عائداتها فانخفض مؤشر ناسداك مرة اخرى وهبط عن حاجز الثلاث آلاف نقطة لأول مرة منذ 12 شهرا. وفي الوقت نفسه ارتفعت اسعار سندات الخزانة فترة استحقاق عشر سنوات حيث بدأ المستثمرون يتجهون الى هذه السندات باعتبارها اكثر امانا واقل مخاطرة من الاسهم في ذلك الوقت. السبب تأخر اعلان النتائج ويأتي غموض الوضع الحكومي والرئاسي بسبب تأخر إعلان نتائج الانتخابات الأمريكية على خلفية ارتفاع في الاسعار العالمية للنفط وانخفاض سعر اليورو وكل هذه العوامل تمثل ضغوطا على الشركات الأمريكية. وقال جاك مالفي الخبير الاستراتيجي في مؤسسة ليمان براذرز ان المؤسسة كانت تستعد للعام الجديد في الوقت الذي ظهرت هذه القضية (يقصد الانتخابات الرئاسية الأمريكية) لتشكل لنا عائقا جديدا اضافة الى المشكلات الاخرى التي تواجهنا. اطبق عدم الاستقرار والتقلب الكبير على سوق الاسهم والسندات الأمريكية طوال العام الجاري ويشعر المستثمرون بتوتر الاعصاب وعدم الارتياح منذ انكماش فقاعة اسهم شركات التكنولوجيا الفائقة في ابريل الماضي. لقد فقد مؤشر ناسداك عند الاغلاق الاسبوع الماضي نسبة 25% من قيمته او اكثر منذ بداية العام الجاري وانخفض بنسبة 40% مقارنة بأعلى مستوى بلغه. لقد القى غموض الوضع السياسي والرئاسي بظلاله على الأسواق قبل ان تستطيع التعافي من هزة انخفاض عائدات الشركات خلال الربع الثالث من العام. وفي الغالب يكون شهر اكتوبر هو اسوأ الاشهر بالنسبة للشركات (الأمريكية) والأسهم بسبب اعلان النتائج الربع سنوية وعدم استقرار سوق الاسهم خلال هذا الشهر. وقد باعت صناديق الاستثمار الأسهم غير المربحة وتعد الدفاتر والحسابات قبل نهاية العام الضريبي الأمريكي. قطاع اشباه الموصلات وفي الوقت نفسه تأثرت سوق الاسهم بمخاوف من تكدس انتاج قطاع اشباه الموصلات والتشاؤم الذي يحيط حاليا بصناعة الاتصالات جراء بعض التوقعات. وتنوء صناعة الاتصالات حاليا تحت ضغوط الالتزام بانفاق رأس مال كبير على البنية الاساسية للموجات الواسعة والاتصالات اللاسلكية وغيرها بناء على التعاقدات والتراخيص الأخيرة. كما يعكس تغيير الاتجاه في شركات التكنولوجيا الفائقة تغيرا ايضا في استراتيجية المستثمرين الذين تحولوا من اسهم الشركات التي اعتادت ان تكون سريعة النمو, الى اسهم الشركات الممتازة التي تنمو بسرعة اقل لكن بشكل مستقر. ويقول ريتشارد كريبس رئيس قسم الاسهم في صندوق ليج مايسون في بالتيمور من الواضح ان غموض الوضع السياسي يبعد المستثمرين عن السوق وعندما يكون هناك تطور سلبي كبير, لايكون هناك عروض شراء ويكون هناك فراغ وتنخفض أسعار الاسهم. سوق السندات أيضا وهكذا كان وضع المستثمرين في سوق سندات الشركات أيضا فنسبة العائدات الى الديون في انخفاض كما ان معدلات المخاطرة في ارتفاع وبلغت مستويات تفوق ما حدث عقب أزمة الديون الروسية واقتراب انهيار مؤسسة لونج تيرم كابتال مانجمنت (ادارة الاموال طويلة المدى) في أواخر عام 1998. وخفضت مؤسسة مودى الاستثمارية فئة الملاءة المالية لثلاث شركات كبيرة ذات عائدات مرتفعة على السندات خلال الربع الثالث من العام. وقالت الوكالة ان آداء هذه الشركات كان الأسوأ منذ عام 1989 عندما سرت موجة من الكساد في الاقتصاد. خلال الفترة التي تلت الادلاء بالأصوات مباشرة في الانتخابات الأمريكية أيد المستثمرون الأسهم التي اعتقدوا ان نجاح جورج بوش الابن سوف يدفعها, خاصة اسهم شركات التبغ والادوية والبترول, حيث اعلن بوش خلال حملته الانتخابية انه سيسقط الدعاوى القضائية ضد شركات التبغ, في الوقت الذي أعلن فيه المرشح آل جور عن نيته اجراء اصلاحات في القطاع الصحي. كما تؤيد شركات البترول أيضا موقف بوش الليبرالي بشأن التنقيب عن البترول, وتخشى ان يشكل آل جور قيوداً عليها في حال نجاحه نظراً لتوجهاته البيئية والحد من النشاط البترولي للحفاظ على البيئة. ورغم انه من الواضح ان الحزب الجمهوري سوف يسيطر على الاغلبية في مجلس الشيوخ والنواب حتى لو كان بفارق أغلبية ضئيلة, فان المستثمرين الان في حيرة من أمرهم. ويقول جارى كامبل المسئول عن قسم الاستثمارات في احد البنوك التجارية في سانت لويس بمقاطعة ميسورى ان الأمور لن تتضح إلا اذا اتضح من الذي يدخل البيت الابيض, وبالتاأكيد ينظر وول ستريت وكل من هو في مكتب استثماري أو هذا المجال الى ما سيحدث في النهاية, ولايعرف أحد حتى الان ما الذي سيحدث, إلا بعد انتهاء معضلة فرز الاصوات. ويتفق معه مسئول استثماري آخر في ليج مايسون ويقول, لن يرتاح السوق إلا بعد خروج أحدهم ودخول الرئيس الجديد الى البيت الأبيض. سوق السندات الحكومية ان الضغوط كبيرة ايضا في سوق السندات, حيث يمتلك المستثمرون الأجانب 40% من سندات الحكومة الأمريكية المالية, وقد تمتعت السندات بارتفاع مستمر خلال العام الجاري لأن الحكومة استغلت فائض الميزانية لسداد نحو 300 مليار دولار من الديون الحكومية. لكن المستثمرين يخشون تآكل الفائض في الميزانية اذا فاز جورج بوش الابن بسبب ما قاله من اقتراحات عن تخفيض الضرائب. وقد مرت السندات الحكومية بمحنة الاسبوع الماضي حيث تذبذبت الأسواق بناء على تقارير غير مستقرة مرة تتوقع فوز جورج بوش الابن وتارة اخرى تتوقع فوز آل جور. ماذا بعد اعلان النتائج ويتوقع تجار الاسهم ان تنفجر موجة شراء كبيرة عقب شعور المستثمرين بالراحة من نجاح احد المرشحين وسوف تأمل الاسواق في ذاك الوقت ان تستمر سياسة الحكومة التي تميزت بها السنوات الاخيرة من رئاسة بيل كلينتون. ويقول بروس شتاينبرج كبير خبراء الاقتصاد في مؤسسة ميريل لينش ان هناك شكوكاً كبيرة حول امكانية تنفيذ الاقتراحات والبرنامج الذي وعد به المرشح جورج بوش الابن, لكنه في كل الاحوال سوف يكون هناك فائض في الميزانية وهذا امر جيد بالنسبة للسندات الحكومية. غير ان بعض المحللين يعتقدون ان الرئيس الجديد لن يرتفع إلى مستوى طموحات السوق. فهم يعتقدون ان رئيسا باغلبية ضعيفة في الكونجرس سوف يضطر إلى تبني برنامج عمل يرضي الحزبين ويتجنب مسألة السيطرة التامة. وقد يحاول جذب التأييد لعناصر برنامجه عن طريق تأييد بعض برامج الحزب المعارض. مثلاً قد يحاول جورج بوش الابن في حال توليه الرئاسة تمرير مقترحاته بالتخفيض الضريبي عن طريق الموافقة على مقترحات المعارضة (في ذلك الوقت) بزيادة الانفاق على مزايا برامج الرعاية الصحية. وما يثير السخرية ان يستطيع احد القادة السياسيين ان يقدم اكثر مما وعد به لاول مرة في التاريخ بسبب هذا الوضع, كما يقول مايك ديان خبير الاستراتيجيات الاقتصادية في مؤسسة باينوير. في التحليل الاخير يريد المستثمرون اكثر مما يستطيع تقديمه اي رئيس, وهو تأكيد ان الاقتصاد الامريكي يستطيع ان يستقر في هدوء ويصل إلى بر الامان عقب فترة من النمو السريع جداً. وسوف يقرر البنك المركزي خلال الفترة الحالية سعر الفائدة, المتوقع ان تظل على ما هي عليه حالياً. لكن المستثمرين يراقبون عن كثب ما اذا كان سينحاز إلى سياسات اي من المرشحين. ولن يكن هناك اجراء يستطيع القضاء على قلق المستثمرين بشأن الغموض السياسي الحالي. يستطيع المستثمرون ان يستمروا في الثقة بأن آلان جرينسبان رئيس الاحتياطي الفيدرالي مستمر ايضا في قيادة السياسة المالية وان لاري سومرز وزير الخزانة سوف يظل في منصبه حتى يناير المقبل لكنهم يريدون الاطمئنان على الشخص الذي سيجلس داخل البيت الابيض ايضاً. حتى الآن قد يكون هناك مستثمرون يشعرون للاسف بأن قراراتهم لا تزال معطلة ولا يمكن ان يتخذوها في الوقت الحالي. ويقول احد خبراء الاقتصاد من ليج مايسون ان ما يفضله المستثمرون هو استمرار سياسة الحكومة مالياً فلا يمكن ان تكون السياسة المالية احكم من الآن.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات