معالجة مشاكل الفقر في الدول الفقيرة

نأمل جميعا ان يبدأ مع مطلع هذا القرن تحرك واسع النطاق على الصعيد المحلي والعالمي, وخاصة من الدول الغنية, لمواجهة مشاكل الفقر ورفع مستويات معيشة الفقراء, وذلك عن طريق تنمية وتوعية بشرية مطلوبة، في كل نواحي الحياة.. في زيادة الدخول النقدية, وفي التعليم وفي التدريب وفي وسائل العلاج الطبي وفي اساليب الحياة الطبيعية, مما يؤدي إلى تقليل الفوارق الكبيرة بين الاغنياء والفقراء ولكي يعيش الجميع في سلام وامان بعيداً عن حوادث التطرف والاجرام الدولي. ان كل الكلمات التي تم القاؤها من رؤساء الدول الذين حضروا مؤتمر الالفية في نيويورك تضمنت المطالبة العاجلة بمعالجة مشاكل الفقراء, ومساعدتهم على اجتياز معيشتهم ـ ليس بالدخول المادية فقط ولكن بكل وسائل الحياة واساليبها الحديثة, حتى يكون هناك عالم جديد خال من الحروب والتشاحنات والجرائم, عالم يعيش بفكر جديد ورؤية جديدة تبتعد عن كل انواع الظلم والاستبداد والاساليب الممقوتة. وعلى سبيل المثال اذا القينا نظرة سريعة على سكان الكرة الارضية نجد ان 20% فقط منهم يعيشون ويملكون, يعيشون عيشة الرفاهية والبذخ ويملكون 80% من الموارد الطبيعية, اما الباقون فلا يعيشون ولا يملكون, اقصد لا يعيشون العيشة المناسبة ولا يملكون شيئا من الموارد الارضية, منهم حوالي 22% من مجموع السكان يعيشون على اقل من دولار واحد في اليوم, وهو ما يعوقهم عن تأدية دورهم الاجتماعي والاقتصادي في الحياة والاقتصار على القيام بدور ثانوي يجعلهم يعيشون بالكاد او يموتون جوعا. وقد اكد هذه الحقائق تقرير الامم المتحدة للسكان الذي صدر منذ شهرين حيث ذكر ان 80% من سكان العالم يعيشون في فقر مدقع بالدول النامية, وان متوسط الدخل في الدول الاكثر فقرا في العالم كتنزانيا وسيراليون يبلغ 500 دولار سنويا, بينما يصل متوسط داخل الفرد في الدول المتقدمة إلى 20 الف دولار امريكي, وهو ما يجعل الفقر واسعاً بين الفقراء والاغنياء. وللانصاف اقول ان الاغنياء لم يصنعوا الفقر ولكن بعضهم من ذوي النفوس الامارة والجشعة هي التي صنعته مستخدمين ما وهبه الله لهم من عقول وذكاء واجسام قوية كان يمكن استخدامها في الخير ومعالجة الفقر والعيش في سلام وقد ساعدهم على ذلك عجز النظام الدولي الاقتصادي والمالي والنقدي والتجاري ساعدهم على تكوين الثروات الضخة التي تستخدم اغلبها في اغراض لا يستفيد منها الفقراء بل تضرهم وتؤدي إلى تقلص دخولهم او تجميدها. وفي الربع الاخير من القرن الماضي ظهرت خطورة هذه الفئة التي تدخل تحت مسمى الفقر المدقع.. ظهرت في اعمال التطرف والاجرام والسرقة والرشوة والقتل والارهاب وفي كل الامراض الاجتماعية القاتلة التي نسمع عنها, وهو ما ادى إلى انعقاد مؤتمرات دولية تبحث في معالجة الفقر وتضع خطوات عاجلة للتخلص منه لمعالجته وتتبنى هذه المؤتمرات الدول الغنية وعلى رأسها مؤتمر الدول الصناعية الكبرى التي يطلق عليه مؤتمر الدول الثماني الصناعية, وكذلك المؤتمرات الدولية التي تنعقد تحت اشراف الامم المتحدة التي تسعى إلى التقارب بين دول الشمال ودول الجنوب وتطالب برفع المستوى المعيشي للدول الفقيرة والدول الاشد فقراً. ومن أهم الوسائل التي يتم استخدامها لمعالجة الفقر الغاء الديون على الدول الاشد فقراً وعددها 42 دولة, حيث تقرر في العام الماضي الغاء ما يقرب من مئة مليار دولار من هذه الديون, غير انه لم يتم التنفيذ إلا في حدود سبعة مليارات دولار فقط, وكانت ايطاليا الدولة الوحيدة التي اقر برلمانها خلال النصف الأول من سبتمبر الماضي اعفاء الدول الفقيرة من مديونيتها وتقدر هذه المديونية بما يوازي سبعة مليارات دولار مستحقة للحكومة الايطالية وهيئة ضمان الصادرات الايطالية, أما الدول الغنية الاخرى فانها لم تتحرك بعد بشكل ملحوظ. لقد كانت هذه الحقائق واضحة امام البنك الدولي الذي يهتم حاليا بمعالجة الفقر بعد ان تم تطوير نشاطه في أواخر القرن الماضي, حيث انتقل من تعمير ما خربته الحرب العالمية الثانية عندما كان يسمى بالبنك الدولي للانشاء والتعمير الى تقديم المعونة التنموية في الدول النامية, والى معالجة الفقر في الدول الفقيرة وهو النشاط الذي يركز عليه البنك الدولي حاليا بعد الكوارث والأحداث المؤلمة الناتجة عن الفقر. ولقد أعد البنك الدولي استراتيجية حديثة شاملة لخفض معدلات الفقر في العالم, تطالب الاستراتيجية بزيادة الفرص للفقراء من خلال تحفيز النمو الاقتصادي وزيادة قدرة الدول الفقيرة على الوصول الى الأسواق, وكان البنك قد اعترف بان التنمية الاقتصادية لاتمثل أفضل الوسائل لمقاومة الفقر حيث أوضح في تقريره السنوي عن التنمية العالمية الصادر تحت عنوان )مكافحة الفقر( النقاط التالية: ــ ان المؤسسات الرسمية والاجتماعية في الدول الفقيرة بحاجة الى تحسين ادائها عن طريق خفض القيود والبيروقراطية الاجتماعية المفروضة على العمل الاقتصادي, وطالب بتعزيز الضمانات الاجتماعية التي تمثل عنصرا مهما للاستراتيجية نظراً لأن تقليص تأثير الفقراء بالصدمات الاقتصادية والكوارث الطبيعية سوف يؤدى الى تحقيق قدر من الرخاء لهم ويشجع على الاستثمار في تنمية الموارد البشرية. ــ ان النمو الاقتصادي عنصر حاسم في معالجة الفقر ولكنه ليس كافيا في تهيئة الظروف التي تساعد على تحسين حياة هؤلاء الفقراء, وقد أكد مدير عام التنمية العالمية بالبنك ان النمو غير كاف فعلا في حد ذاته وان ابلغ دليل على عدم كفاية النمو بمفرده ووجود أكثر من 2.1 مليار نسمة من سكان العالم يعيشون على أقل من دولار واحد في اليوم وان نصف السكان يعيشون على أقل من دولارين في اليوم, وذلك بالرغم من الازدهار الاقتصادي العالمي غير المسبوق وفي الوقت الذي يشهد فيه العالم ثراء فاحشا. ــ حث التقرير الدول الصناعية على تعزيز جهودها الرامية الى تخفيض عبء الديون واستكمال عملية فتح الأسواق أمام الدول الأكثر فقرا, خاصة وقد زاد عدد الفقراء الذين يعيشون في أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب آسيا وأمريكا اللاتينية, كما ان الفقراء الذين يعيشون في فقر مدقع قد تزايدوا أيضا بمعدل عشرين مرة منذ انهيار الشيوعية في كل من أوروبا الشرقية ووسط آسيا. ــ تعتبر أثيوبيا أفقر دولة في العالم بمتوسط دخل للفرد قدره 100 دولار أمريكي سنوياً, اما سويسرا فتعتبر أغنى دولة في العالم على اساس دخل الفرد حيث بلغ متوسط دخل الفرد فيها العام الماضي 38350 دولاراً أمريكياً سنويا, يليها النرويج الذي بلغ متوسط دخل الفرد فيها 880.32 دولاراً أمريكياً, وكانت اليابان هي الدولة الثالثة حيث بلغ متوسط دخل الفرد فيها 32320 دولاراً امريكياً, وفي المركز الرابع كانت الدانمارك الذي بلغ متوسط دخل الفرد فيها 300.23 دولاراً أمريكياً, بينما كانت الولايات المتحدة الأمريكية في المركز الخامس بمتوسط دخل الفرد قدره 600.30 دولار أمريكي. ان ذلك يؤكد فعلا التناقص العالمي في مستويات المعيشة ــ فكيف يعيش فرد على دخل قدره مئة دولار امريكي سنويا, بينما هناك فرد يعيش بمتوسط 350.38 دولاراً امريكياً, وهو ما جعل الدول الكبرى والغنية تتحرك في اتجاه التعمير, وإ كان جزء من هذه الحركة يتم بصفة انسانية, فإن الجزء الأكبر يتم بصفة مادية, اي للحفاظ على المستويات التي وصل اليها الاغنياء, حتى وان انخفض دخلهم قليلا, لان ذلك يساعدهم على وقف المعاناة البشرية التي يشعر بها اغلب الفقراء في معيشتهم, وفي علاجهم, وفي ملبسهم وفي مسكنهم وحتى في تنقلاتهم. والذي يثير الدهشة ايضا ان اغلب هؤلاء الفقراء يستطيعون العمل والانتاج المكثف الذي يرفع من شأنهم, ولكنهم لا يجدون الفرصة المناسبة, فيعيشون في فراغ ربما يدفعهم الى جرائم توجه اساساً الى الاغنياء الذي لا يشعرون بهم او يتسببون في تزايد فقرهم, بمنع فرص العمل وتخفيض الاجور والوقوف ضد تحسين الدخول!!! واذا كان القرن الماضي قد انتهى في ظل هذا المناخ المظلم والظالم والذي ساعد على زيادة الفوارق بين سكان الكرة الارضية, كما رأى حوادث الارهاب والتطرف التي قتل فيها عدد كبير من الاغنياء ممثلين في رجال اعمال وتجار وحتى من اصحاب السلطات وكبار العاملين, وذلك نتيجة حقد بشري وظلم اجتماعي يشعر به الفقراء وقد شاهدوه في مواقع عديدة, وان كان غير صحيح في بعض المواقع. ومن هنا فانه لابد ان يتم حتما معالجة الفقر جذريا في هذا القرن الجديد, سواء عن طريق استراتيجية البنك الدولي التي اصدرها في تقريره السنوي الاخير عن التنمية العالمية, او عن طريق تنفيذ توصيات مؤتمر قمة الألفية الذي انتهى في بداية هذا الشهر وكان من توصياته القضاء على الفقر وان ينخفض عدد الفقراء الى النصف بحلول عام , 2015 ولاشك ان ذلك سيكون في صالح جميع سكان العالم فقراء كانوا أو اغنياء. اننا لا نريد في هذا القرن ان نسمع ان 500 شخص يملكون نصف العالم كما سمعنا في أواخر القرن الماضي وان ثروة احدهم تبلغ مئات المليارات من الدولارات الأمريكية, وان الفجوة بين الفقراء والاغنياء تصل الى 1 : 75 وفقا لبيانات البنك الدولي وان الفقراء يزدادون فقرا, كما ان الاغنياء يزدادون ثراء, وليس معنى ذلك اننا نطالب كبار الاغنياء بالحد من دخولهم, ولكننا نطالبهم بزيادة انفاقهم على مشروعات انتاجية وخدمية لصالح التنمية البشرية من الفقراء والجوعى, مع منحهم فرص العمل والدخل الذي يمكنهم من المعيشة اللائقة كبشر, خاصة ان ذلك يجعل الاغنياء يعيشون في سلام وأمان بعيدا عن اعمال التطرف والارهاب وعن الحقد والاضراب والمظاهرات التي اصبحت تتكرر باستمرار امام المؤتمرات الدولية التي تخطط لمستقبل العالم. واذا تم استيعاب ذلك فان الاستراتيجية المطلوبة لمعالجة الفقر لا يتعين ان تقتصر على البنك الدولي ولا على صندوق النقد الدولي, ولكن يتعين ان يساهم فيها كل دول العالم, غنيها وفقيرها, كبيرها وصغيرها, وان تتضمن منهاجا يحتوي على خطوات عملية لا مادية, تقع مسئولية تنفيذها على الدول الغنية, ليس بأموالها فقط ولكن بخبراتها والمسئولين فيها ــ مستخدمين بث الوعي العلمي والفني والاداري الذي يستطيعون توصيله الى الفقراء في الدول الفقيرة, فهم في حاجة كبيرة اليها اكثر من المساعدات المالية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات